عسكرة الشرطة والعنصرية .. قنبلة أمريكية موقوتة

15/12/2014 - 10:54:37

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

تقرير - هالة حلمي

«من كان بيته من الزجاج لا يقذف الناس بالحجارة»..لايوجد تعليق أفضل من هذه العبارة يمكن أن تلخص ردود فعلنا ونحن نتابع ما يحدث في الولايات المتحدة من مظاهرات احتجاج ضد الممارسات العنصرية والعنف المفرط من جانب الشرطة ضد السود ثم الأحكام القضائية التي يختلف عليها الكثيرون لأنها من وجهة نظرهم تبريء القاتل وتضيع معها حقوق القتيل، فهي الأحكام التي برأت ضباط الشرطة من دماء الشباب السود، وأظهرت كما علقت صحيفة النيويورك تايمز عدم الثقة في القانون الأمريكي الذي أصبح يمثل خطرا بالغا علي النسيج المدني في الولايات المتحدة التي من المفترض أنها تحمل شعار المدافع الأول عن حقوق الإنسان في العالم ولواء نشر الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في أرجاء الكرة الأرضية.


لم تكد الاحتجاجات تهدأ بعد تبرئة الشرطي الأبيض الذي قتل مايكل براون الشاب الأسود في مدينة فيرجسون في أغسطس حتي تجددت سريعا منذ أيام بعد تبرئة شرطي آخر من قتل رجل أسود في يوليو الماضي خنقا في أحد شوارع نيويورك، لتصل إلي حد الاشتعال أو انتفاضة غضب السود، كما أطلقت عليه الصحافة بعد الحادث العنصري الجديد الذي قتل فيه شرطي أمريكي أبيض في الخامس من الشهر مواطنا أعزل في ولاية اريزونا اشتبه أنه يحمل مسدساً في جيبه، وتزامن معه مقتل طفل في الثانية عشرة من عمره أسود طبعا كان يلهو بمسدس من لعب الأطفال وظنه الشرطي مسدسا حقيقياً فأطلق عليه رصاصتين في الصدر، هذه التصرفات من وجهة نظر بعض الأقلام الصحفية الأمريكية تعتبر أن حياة الرجل الأسود أقل قيمة لدي رجل الشرطة البيض من حياة رجل آخر، وبالنسبة للكثيرين منهم فإن لون البشرة يعتبر وحده تهديدا، وفي تحرك لافت للنظر دعا بان كي مون أمين عام الأمم المتحدة الولايات المتحدة إلي ضمان محاسبة شرطتها علي أفعالها، وانتقد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان ما أسماه التمييز العنصري في الولايات المتحدة داعيا إياها بالاعتدال وبذل جهود حقيقية من أجل اجتثاث «التمييز العنصري الممنهج».


أمريكا المتشدقة بالحرية واحترام حقوق الإنسان تمارس اليوم العنف المفرط والاعتقال العشوائي ضد المتظاهرين في شوارع العشرات من المدن الأمريكية وحسب تقرير لمنظمة العفو الدولية صدر الشهر الماضي فإن الشرطة الأمريكية استخدمت قنابل غاز محرمة دوليا في مواجهة الاحتجاجات الشعبية علي عدم مقاضاة الشرطي الأبيض. كما شكك التقرير فيما إذا كانت السلطات الأمريكية المنوط بها تنفيذ القانون قامت بواجبها علي الوجه الصحيح في إشارة إلي أن اعتبارات عنصرية تدخلت في هذه القضية، وأكد المفوض أن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أعربت مرارا عن قلقها من العنصرية الممنهجة في الولايات المتحدة من جانبها.


وتشير الأرقام إلي أن شخصين من السود (الذين يشكلون 14% من المجتمع الأمريكي) يقتلون أسبوعيا تحت أسباب مبررة علي أيدي عناصر شرطة بيض وفي إحصائيات أخري نقلا عن بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالية أن 100 شخص أسود يقتلون سنويا، بأيدي الشرطة الأمريكية وإن 18% ممن قتلوا في الـ 7 أعوام الماضية كانوا تحت سن 21 سنة، كما أن 57% من المحتجزين في السجون الأمريكية في تهم تتعلق بالمخدرات هم من الأمريكان من أصول إفريقية.


وقد لا نندهش حين نقرأ إحصائية صدرت في عام 2012 وأظهرت أن 51% من الأمريكيين يحملون مشاعر مناهضة للسود.


الممارسات العنصرية هي ظاهرة متأصلة في المجتمع الأمريكي رغم مرور عشرات السنوات علي ثورة مارتن لوثر كينج، ورغم محاولات هذا المجتمع الهش إخفاء عوراته بمساحيق تجميل لاتزيده إلا قبحا، لكن الواقع اليومي يدفع للدهشة والسخرية، فلأول مرة يحكم الولايات المتحدة رئيس من أصول إفريقية ولكن للأسف معظم الأمريكيين السود يعانون حاليا من سوء الأحوال الاقتصادية أكثر مما كانوا عليه قبل 20 عاما، فهم مهمشون في جميع المجالات وزادت نسبة البطالة بينهم خلال عقود إلي ضعف نسبتها بين البيض، كما أن دخلهم المالي أقل نسبة من الثلث من متوسط دخل الفرد في الولايات المتحدة ونسبة الفقراء السود أكثر بثلاث مرات من البيض، بل وأكد تقرير أكاديمي أمريكي أن ظاهرة التمييز العنصري تزداد اتساعا في المدارس الأمريكية .


وفيما أكدت أستاذة علم الاجتماع الأمريكية سيندي أبرسون أن ما يحدث اليوم أشبه ببرميل بارود قابل للانفجار علي أثر أبسط شرارة، ورأت ابرسون أن المواطنين السود في أمريكا يشعرون بالإحباط بسبب ظاهرة العنصرية المتأصلة في القانون الأمريكي.


أما كورنيل ويست الذي يعد أبرز المفكرين الأمريكيين من أصل إفريقي فعلق علي ما يحدث قائلا إنها نهاية عهد أوباما وهي نهاية حزينة جدا فقد بدأنا بآمال كبيرة وها نحن ننتهي بخيبة أمل عميقة. فأوباما لم يفعل شيئاً لإصلاح نظام العدالة الذي يفتقد لأي شكل من أشكال الإنصاف للشباب من ذوي البشرة السوداء.


من جانب آخر فإن ما تشهده الولايات المتحدة من عنف مفرط من جانب الشرطة يلقي الضوء علي ما يطلق عليه عسكرة الشرطة الأمريكية وهي الاستراتيجية التي تسعي دوائر السياسة الأمريكية لتعزيزها وتعني أن تتحول قوات الشرطة إلي استخدام معدات وأسلحة وتكتيكات تستخدمها القوات العسكرية في المعارك وهي تكتيكات ومعدات ليست مخصصة بالأساس لمقاومة الشغب أو فض التظاهرات، مما يعني أن استخدامها ضد المتظاهرين يعد مخالفا لقانون أي دولة ديمقراطية . وكشفت بعض المصادر أن هناك برنامجا أطلق عليه اسم المبادرة 1033 وهي مبادرة انطلقت من وزارة الدفاع للاستغناء عن أسلحة ومعدات فائضة عن احتياجاتها إلي قوات الشرطة المحلية بدلا من دفع مبالغ طائلة في تفكيكها وعلي هذا الأساس تسلمت الشرطة 432 مركبة عسكرية مدرعة و 435 مدرعة عسكرية مزودة بالأسلحة و 93736 رشاشا آليا خاصا بقوات الجيش الأمريكي.