بروتوگولات عصفور

15/12/2014 - 10:45:21

الوزير جابر عصفور مع وزير الاوقاف الوزير جابر عصفور مع وزير الاوقاف

كتب - أحمد أيوب

يستحق الدكتور جابر عصفور أن يدخل موسوعة جينيس فى عدد البروتوكولات التى وقعها منذ تولى وزارة الثقافة ، وكلها تهدف - حسب ما قاله الوزير نفسه - إلى إحياء الدور المفقود لتلك الوزارة واستعادة مكانتها المجتمعية ودخولها كشريك أساسى لا غنى عنه فى كل المجالات وتحديد مهمتى تنمية وتثقيف المجتمع ومحاربة الإرهاب ومواجهة الفكر المتطرف


خلال الشهور القليلة الماضية وقع الوزير عصفور بروتوكولات أو مذكرات تفاهم مع تسع وزارات ومؤسسات ، هى التعليم والتعليم العالى والسياحة والرياضة والشباب والأوقاف والتطوير الحضرى والعشوائيات والتنمية المحلية والقوى العاملة إضافة إلى المجلس القومى للمرأة.


بالتأكيد النية لدى الوزير صادقة خاصة أنه واحد من المثقفين الذين كانوا فى مقدمة المطالبين بدور مجتمعى حقيقى لوزارة الثقافة بعيدا عن تبعيتها المريبة على مدى عقود لتوجهات السلطة الحاكمة ، فقد كان عصفور واحدا ممن ينادون دائما بوزارة ثقافة شعبوية وليست سلطوية ، تتوجه بأنشطتها إلى المجتمع وخدمته وليس التخديم على الحكومة والرئيس، كان ممن يرفضون مصطلح الحظيرة التى ظهرت أيام فاروق حسنى كانت سبة فى جبين كل من دخلها بإرادته أو استجابة لإغراءات كانت تستخدم للسيطرة على المثقفين على كل شكل ونوع.


لكن مع الاعتراف بحسن نوايا الوزير عصفور لا يمكن تجاهل أمر مهم وهو أن استعادة الدور الغائب للثقافة لن يتم من خلال البروتوكولات الورقية ولا مؤتمرات يحضرها الدكتور عصفور كل مرة مع وزير مختلف يتحدث فيها عن مفهوم جديد للثقافة ويقدم خلالها تعهدات بأن الوزارة سوف تفعل وتفعل ، وإنما استعادة الدور الحقيقى للوزارة سواء على المستوى التنموى والتثقيفى وقيادة ثورة التنوير المجتمعى لن تكون إلا بأن تنزل الوزارة ببرامجها وأنشطتها إلى الشارع، من المناطق الراقية إلى الحوارى والأحياء الشعبية والعشوائيات ، من قلب العاصمة الى قرى الصعيد والنوبة وحلايب وشلاتين وريف بحرى وصولاً إلى السلوم وهذا لن يتم بالبروتوكولات، لأن الحقيقة التى يجب أن ندركها أن بروتوكولات عصفور مجرد أوراق ستوضع فى أدراج وزارته ولن يستفيد منها المجتمع ما لم تترجم إلى تحرك واسع ومدروس يستهدف الفئات والمناطق المحرومة ثقافيا ، وأن يحقق من خلال قطاعات وزارته ما لم يتحقق على مدار عشرين عاما ماضية على الأقل وتسبب فى إهمال وتجريف ثقافى متعمد نتج عنه إهدار طاقات وخسارة إبداعات كان من الممكن أن تستفيد منها مصر.


استعادة الدور الحقيقى لوزارة الدكتور عصفور لن يكون من خلال بروتوكولات ومذكرات تفاهم يوقعها الوزراء الذين ربما لا يعرفون تفاصيل ما فيها ، وإنما من خلال استيعاب مثقفى مصر وخصوصا شباب المثقفين والمبدعين والأدباء ، ثروة مصر المهملة وكنوزها المدفونة الذين لم يجدوا حتى الآن من يجهد نفسه فى البحث عنهم واكتشاف مواهبهم ، استعادة دور الثقافة لن يكون إلا من خلال نشاط ثقافى واسع مدروس ومخطط ويعتمد كما كان من قبل على قوتنا الناعمة، من خلال خطة لا يقوم على تنفيذها موظفون وإنما مثقفون يعرفون لغة الخطاب المطلوبة فى كل محافظة أو منطقة وكيف يحاورون الشباب ويواجهون الأفكار المتطرفة، استعادة دور وزارة الثقافة يتطلب إعادة النظر فىما تحققه هيئة قصور الثقافة وما إذا كان من المناسب الإبقاء عليها أم تغييرها بكيان آخر أكثر فعالية وقدرة على القيام بالمهمة ، أيضا لا يمكن الحديث عن دور لوزارة الثقافة دون النظر إلى عدد العناوين التى يتم طبعها سنويا وإلى من تصل ، وهل تكتفى الوزارة بالحقائب الممتلئة بالكتب والتى تصل إلى بعض الكتاب والصحفيين وعدد قليل من المثقفين ، أم تحتاج الى توسيع دائرة من تخاطبهم وزيادة العناوين والانتشار أكثر فى كل ربوع مصر كى يصل الكتاب بأقل سعر ممكن إلى كل الفئات الفقيرة.


يبقى أمر مهم.. فعندما نطالع البروتوكولات التى وقعها الوزير عصفور نجدها تتضمن أكثر من خمسين التزاما المفترض أن تنفذها الوزارة فى مجالات عديدة، وسأتوقف عند التزامين فقط ، أولهما مع وزارة التطوير الحضرى ويتضمن إتاحة الخدمة الثقافية لسكان العشوائيات ، والسؤال هل سيكون ذلك من خلال وسائل الوزارة العادية والقوافل التقليدية ، أعتقد لو كان هذا فسوف تفشل المهمة قبل أن تبدأ لأن العشوائيات تحتاج إبداعاً فى التعاطى معها والوصول إلى عقول سكانها.. تحتاج إلى مثقفين من نوعية خاصة يفهمون لغة خطاب العشوائيات واحتياجات أبنائها دون أن ينسوا معاناتهم، ويتجاهلوا حرمانهم من أغلب الخدمات الآدمية.


الالتزام الثانى هو تجديد الخطاب الدينى بالاتفاق مع وزارة الأوقاف، فكيف ستقوم الوزارة بهذه المهمة وهل ستكون مجرد دورات لأيام محدودة عملا بمبدأ عد الإنجازات فيجتمع عشرات الأئمة ليحصلوا على البدل ويوقعوا فى الكشوف.. لو حدث هذا فلن يكون أسعد من المتطرفين بهذه الدورات ..


الخلاصة أن دور وزارة الثقافة لا يحتاج بروتوكولات عصفور وإنما يحتاج رؤية أشمل وفكراً مختلفا وأشخاصاً مؤهلين .