الحكومة المنفتحة وحكم قراقوش !

15/12/2014 - 10:09:54

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بقلم - السفير د. عزمي خليفة

إذا صحت هذه التصريحات المنسوبة إلي وزير التخطيط بشأن محاولة إغلاق المجال العام بنص قانوني.. نكون بإزاء حكم قراقوش في القرن الواحد والعشرين


إذا صحت الأخبار التي نقلتها بعض الصحف الخاصة عن الدكتور أشرف العربي وزير التخطيط بأنه يقترح وضع مادة في قانون الخدمة المدنية لمنع الموظفين الحديث في السياسة أثناء ساعات العمل. وأكرر إذا صحت هذه التصريحات فإن مصر تكون مقدمة علي تطبيق نص قانوني غير مسبوق، وسيكون لهذا النص آثار وتبعات في غاية الخطورة علي نظام حكم الرئيس السيسي.


والسبب في أنني بدأت بالتساؤل حول صحة هذه المعلومات من عدمها يكمن في عدة اعتبارات هامة أولها أن هذه التصريحات لم تنشر إلا في صحيفتين فقط يوميتين، مما يثير التساؤل حول عدم نشر الخبر في باقي هذه الصحف.


والاعتبار الثاني أن د. أشرف العربي هو وزير سياسي، وهذا النمط من الوزراء أصبح عملة نادرة ليس في التشكيل الوزاري الحالي فقط وإنما في مصر كلها جراء تجريف النخبة السياسية في مصر لمدة تزيد علي الثلاثين عاما، وأسباب هذا التجريف عديدة وربما يمكن تناولها في المستقبل، وبالتالي فالتصريحات المنسوبة للوزير - في تقديري - لا تتناسب وفكره ورؤاه التي يعبر عنها. وعما يطرحه من مقترحات لتطوير مستقبل مصر.


الاعتبار الثالث أن الوزير يتولي منصبه وعادة ما يعين مساعديه من الشباب وهذا يعطيه الفرصة للانفتاح علي رؤي وطنية محلية تستهدف الاهتمام بالشأن العام المصري وهي الرؤي التي عبر عنها الشباب المصري عمليا في 25 يناير، 30 يونيه إلي جانب تعرفه بحكم عمله كوزير تخطيط علي تجارب عديدة لنهضة الأمم، وتجارب المراحل الانتقالية في العالم أجمع، وبالتالي فإنه يعلم أن وضع حد لاهتمام الشعب بالشأن العام المصري لا يمكن تحقيقه عمليا، فالشعب وتحديداً الشباب قد اختلف دورهما اليوم عنه قبل ثورة 25 يناير، لأن ما يؤمنان به من قيم وأفكار، وما يعبران عنه من آراء قد اختلفت، ببساطة الشعب المصري وفي طليعته الشباب، قد أصبحا طرفا، وطرفا أكثر حسما في معادلة الحكم في مصر، فلم يعد الحاكم - بغض النظر عن أسماء الأشخاص ومسميات المناصب - مطلق اليد في حكمه كما كانت الأوضاع فيما سبق، ففكرة الفرعون أو الملك الإله الذي يتصرف علي النحو الذي يتراءي له من ناحية، والشعب الذي لم يهتم بتنظيم الحياة السياسية أو تنظيم الحياة العامة في مصر، هذه الأفكار لم يعد لها مكان في مصر فحاجز الخوف من الحاكم وسلطاته كسرها الشعب المصري، ولعل مشهد محاكمة القرن للرئيس الأسبق مبارك وأولاده، وإن كان عصره كان موحيا للمستقبل بأكثر مما كان معبرا عن محاكمة عصر سقط، ومهما حاولت الثورة المضادة فلن تنجح في إعادة عقارب الساعة إلي الوراء، صحيح قد تؤخرها بعض الوقت، ولكن من المؤكد لن توقف الزمن ولن تعيد عقاربها إلي الوراء.


أما إذا صحت التصريحات المنسوبة للوزير بأنه سيصدر قانونا يحظر تحدث الموظفين في السياسة خلال فترة العمل فإننا نصبح أمام فكر يسير في الاتجاه الممنوع الدخول فيه، فكر يستند إلي إغلاق المجال العام في وقت يسير فيه الشعب في اتجاه توسيع نطاق هذا المجال، فثورتا يناير 2011 ويونيه 2013 كما ذكرت غيرتا من جوهر معادلة الحكم في مصر، وهذا هو أعظم إنجاز للثورتين، خاصة أن قياس نجاح الثورات لم يعد يتحدد بالوصول للحكم من عدمه، ولكنه أضحي يتحدد بعمق ونوعيه الأفكار والقيم التي تعبر عنها الثورة، ومدي نجاح الثورة في إقناع الشعب بهذه الأفكار، ومن ثم فإن العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية أضحت قيما متجذرة في قيم المصريين رغم حداثة عهد الثورتين، والدليل أن الشعب المصري قد ثار بعد ثلاث سنوات من ثورته الأولي علي فصيل سياسي حاول إقصاء التيارات السياسية الأخري في المجتمع، وقدم الدليل علي أن محاولة إقصائه عن القيام بدوره السياسي سيكون مآلها الفشل، كذلك إذا صحت هذه التصريحات المنسوبة للوزير فإننا من المؤكد سوف نسير في الاتجاه الممنوع فيه السير وفقا للمعايير العالمية للحكم الرشيد، فهناك تحولات هامة تأخذ مجراها الآن في نظم الحكم في العالم، وترتكز هذه التحولات علي زيادة دور المجتمع المدني وتعاون الأحزاب السياسية مع منظمات المجتمع المدني لتحقيق أهداف التنمية والرقابة الشعبية علي السلطة التنفيذية وهو ما يعرف بأسلوب الحكومة المنفتحة.


الحكومة المنفتحة ثمرة رئيسة من ثمار ثورة تكنولوجيا المعلومات، وتتطلب إصدار قانون لإتاحة المعلومات في المجتمع، وأولي هذه المعلومات مجرد نشر ميزانية الدولة، وميزانية الوزارات المختلفة علي مواقع هذه الوزارات علي الشبكة العالمية للمعلومات، حتي تتمكن منظمات المجتمع المدني من مراقبة صحة إنفاق الميزانية في البنود المخصصة من أجلها بالفعل وليس مجرد إنفاقها، فمثلاً إذا خصصت الميزانية لوزارة التربية والتعليم مبلغا لتدريب المعلمين فينبغي التأكد ليس من مجرد إنفاق المبلغ ولكن إنفاقه وفي بند تدريب المعلمين.


هذا الأسلوب للحكم يزيد من كفاءة المجتمع المدني ويحول اهتماماته إلي اهتمامات هامة في إطار من الشفافية، ويزيد من نطاق التفاعل بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني، كذلك يسعي هذا الأسلوب من الحكم إلي توسيع حق الشعب باكمله في إبداء رأيه في القوانين التي يسنها البرلمان - خلال السماح لأفراد المواطنين بالتعليق علي كل ما يدور داخل هذا البرلمان من نقاشات حول القوانين المزمع إصدارها ويتم ذلك عبر شبكة الإنترنت أيضا.


هذا المعيار الانفتاح والشفافية - للحكم الرشيد تظهر أهميته في أنه أضحي شرطا لاغني عنه لمنح المنح والقروض الدولية من جميع المؤسسات المالية العالمية، ومن ثم يمكن القول إننا بصدد تحوله إلي شرط لا غني عنه في المستقبل.


فإذا صحت هذه التصريحات المنسوبة لوزير التخطيط بشأن محاولة إغلاق المجال العام بنص قانوني، فإننا سنكون أشبه بإقامة حكم قراقوش في القرن الواحد والعشرين. وهو حكم لا مستقبل له لاعتبارات داخلية وأخري خارجية فكيف سيضمن له الوزير الاستمرارية، وهو الرجل الأكثر خبرة بالعلاقة بين معايير الحكم الرشيد، والتمويل الدولي.


وأخيرا فإنني أود الإشارة إلي أن أسهل شيء لدينا الهدم وأصعب شيء البناء، أسهل شيء هو المنع والحظر، وأصعب شيء هو التحاور والتفاعل، وأن تضرب الحجة بالحجة والفكرة بالفكرة، ولم تتوصل البشرية للآن إلي سلاح يقتل الأفكار والقيم، ولنا في الاتحاد السوفيتي عبرة، فمنذ الإمبراطورية الروسية والهاجس الأمني كان مسيطرا علي السياسة الروسية، إلا أن الهاجس تحول إلي أولوية مطلقة في العصر السوفييتي، حتي وصل الأمر إلي تقييد حركة الأجانب في العاصمة موسكو بخمسين كيلو متراً فقط من ثلث العاصمة، وصنع فيديو لا يعمل إلا في الاتحاد السوفييتي فقط وتقييد حركة الأجانب في السفر بقطارات معينة جميعها ليلية، حتي لا يري الأجانب شيئاً، والقطارات في الاتحاد السوفييتي تتحرك علي قضبان مقاساتها مختلفة عن العالم أجمع مما يتطلب تغيير عجل هذه القطارات علي الحدود وغير مصرح باستيراد ماكينات لتصوير المستندات مما أضعف قدرة القيادة السياسية علي دقة متابعة الإنتاج. واحتياجات الشعب، والأوضاع المعيشية، وضعف دقة متابعة حر كة الأدباء الجدد التي تطورت إلي انشقاق سياسي والتي قادها علماء وأدباء، اتهمهم النظام بالخيانة بسبب وحيد هو أنهم أحبوا بلدهم بأسلوب مختلف عن أسلوب الأجهزة الأمنية.


إن الاختلاف سنة من سنن الكون وفي جميع المجالات حتي الدينية.. وقد أشار إليها القرآن الكريم في أكثر من موضع وكان أقواها علي الإطلاق الاختلاف في العقائد، فكان قول العزيز الحكيم «ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين»، فهل نعيد اختراع العجلة وها هي أمامنا وفي أبهي صورها؟