دهس طفولة حواء! (4)

11/12/2014 - 9:28:11

رجائى عطيه رجائى عطيه

كتب - رجائى عطية

يتطلع مرضى الشهوات إلى الزواج بالأطفال فى عصر قطعت فيه الحضارة الإنسانية أشواطًا بعيدة للتقدم وإنصاف حواء، وقطعت فيه مصر شوطًا محمودًا فى رعاية الطفولة والأطفال، قارن شطحات هذه الشهوات المريضة بأبواب ومواد قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 ولائحته التنفيذية 2075/2010 .. سوف ترى أن مواد القانون تستهل بأن الدولة تكفل حماية الطفولة وترعى الأطفال وتعمل على تهيئة الظروف لتنشئتهم تنشئة صحيحة من كافة النواحى فى إطار من الحرية والكرامة الإنسانية، وتكفل لهم كحد أدنى حقوق الطفل الواردة باتفاقية حقوق الطفل العالمية وغيرها من المواثيق الدولية, وتحرص المادة الثانية على بيان أن الطفل فى عرف هذا القانون المقصود بهذه الرعاية كل من لم يتجاوز عمره 18 سنة ميلادية كاملة, وتمضى مع أبواب هذا القانون ولائحته التنفيذية فتجد بابًا للرعاية الصحية للطفل, وبابًا لرعايته الاجتماعية، وبابًا لتعليمه، وبابًا لرعاية الطفل العامل والأم العاملة، وبابًا لرعاية الطفل المعاق وأهله، وبابًا لثقافة الطفل، وتندهش وأنت ترى هذه الرعاية الإنسانية للطفولة والأطفال غائبة تمامًا عن تفكير وخلق ونظر من يشتهون الطفلات ويصادرون على طفولتهن وحقوقهن فى الرعاية والتعليم والتثقيف، ويتحولون بهن إلى مجرد أوعية للشهوات، وينزلون بمعنى السكن والعشرة لمستويات دنيا تحيل الطفلة إلى ملبية لشهوة أو خادمة لأغراض سيد يسود بماله أو بسلطة زواجه لا يبالى بغير ما يريد إشباعًا لرغابه وسيادته!


لا يبالون ولا يبالى الأولياء الذين يبيعون أطفالهم بما يشبه سوق النخاسة, بأن المادة 17 من قانون تنظيم التقاضى فى الأحوال الشخصية رقم 1 لسنة 2000, قد نصت على أنه لا تقبل الدعاوى الناشئة عن عقد الزواج إذا كان سن الزوجة يقل عن 16 سنة ميلادية أو كان سن الزوج يقل عن 18 سنة ميلادية.


يطيب لأصحاب هذا النظر أن يلبسوا مراميهم لباس الدين وأن يتمسحوا فى الدين، ويذكرنا ذلك بما كتبه فضيلة العالم الجليل الدكتور محمد عبد اللطيف دراز فى كتابه الضافى «بين السنة والبدعة» ويورد من آفات حدوث أو إحداث البدع ومنشأ الابتداع فى الدين تحكيم الهوى فى الدين والأخذ بما يميل إليه القلب وتشتهيه النفس بغير إذن من الشرع، طلبًا لما فى الشيء المراد من ذلة تُجتلب, وهذا الهوى يميل بالنفس عن فطرتها السليمة ويضع قيادتها فى يد الأغراض والشهوات الدنيا فتهوى بها ـ كما يقول ـ نازلة عن مطالبها القدسية إلى طلب الحظوظ العاجلة من مال أو شهوة أو مآرب أو أغراض, وهذا الهوى ـ كما يقول ـ مذموم كله، وأحكامه مردودة جملة، ولذلك لم يرد فى القرآن ذكر إلاَّ قرينًا للذم والتحذير: « أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ » ( محمد 16 ), « وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » ( القصص 50 ) .


وعلى خلاف ذلك تجد أن الأحكام العقلية لم تذكر هى أو العقل فى معرض الذم قط، وإنما ورد التحذير من اتباع الظن كما فى قوله تعالى: « وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا » ( يونس 36 ).


فإذا كانت الأحكام العقلية تنقسم بين الصواب والخطأ، فإن الخطأ لا يأتيها إلاَّ إذا كانت اتباعًا للظن أو استسلامًا للهوى، وفى ذلك قيل فى القرآن المجيد: « إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى » ( النجم 23 ).


فى أزمان الهبوط تجد بعض الناس إذا فكروا ـ أسارى الظنون والأوهام، وإذا أرادوا ـ فهم أسارى الأهواء والشهوات، ويعلم الله ـ فيما يقول الشيخ دراز ـ إن الناس لا تصلح أعمالهم إلاَّ إذا صحت علومهم ومحصت إرادتهم، وأنزلت الشرائع محررة للعقول من سلطان الظن ومخلصة للقلوب من سلطان الهوى!