كما أرادت بفرح نودع سيدة البهجة والأناقة صباح

08/12/2014 - 2:28:40

صباح صباح

كتب - محمد دياب

بفرح نودع سيدة الفرح والبهجة ، هكذا أرادت صباح لمحبيها ألا يبكوا وهم يودعونها ، فكما كانت طوال مشوارها الفني تنشر الفرح والبهجة في نفوس الجماهير لاتريد أن تصبح سببا في حزن أو بكاء، هل هناك امرأة بهذا اللطف والنبل؟ ، نعم إنها المطربة الكبيرة صباح التي غادرتنا الأربعاء الماضي لترتاح بعد مسيرة فنية طويلة وحافلة .


ظلت صباح طوال عقود طويلة أيقونة للجمال والأناقة والأنوثة والدلع، غنت وهي في الستين "أنا كده دلوعة دايما"، كان الزمن هو عدوها الأول وبقيت تحاربه غير مكترثة بانتقادات البعض ، كي تظل دائما كما أحبها الناس شابة جميلة حتى استسلمت أخيرا له لا ليراها الجمهور امرأة عجوز بل ليزيد الموت من تكريس صورتها التي تضج حيوية وجمالاً وشبابا .


حكى لي الموسيقار جمال سلامة أنه وطوال فترة عمله مع صباح في أغنيات فيلم "ليلة بكى فيها القمر" وتسجيل ألبوم "يالا نعيش الحياة" أنه دائما كان كلما التقي بصباح وجدها ترتدي أشيك الثياب وشعرها مصفف بطريقة جميلة وتساءل متى يمكننى أن أرى صباح في حالة عادية كأي امرأة في بيتها وفكر في تحديد موعد لمقابلتها في بيتها في الصباح الباكر ليرى كيف يكون مظهر صباح وهي مستيقظة لتوها من النوم بلا مكياج ولبس أنيق غير أنه فوجئ بها تفتح له باب شقتها وهي في أجمل حلة من الثياب وشعرها مصفف ، فأدرك أن هذه المرأة ترفض إلا أن تكون دائما جميلة وشابة


عاشت حياة حافلة


حياة حافلة بآلاف الأغنيات وعشرات الأفلام السينمائية وعشرات المسرحيات الغنائية والتمثيليات الاذاعية وعشرات المغامرات العاطفية وزيجات عدة كان مصيرها المحتوم هو الفشل وأزمات ومصائب حلت عليك ياصباح تمكنت بصبرك وإيمانك بالله أن تتجاوزيها رغم أن واحدة منها ربما كانت كفيلة بالقضاء على مستقبل فنانة غيرك لكنك كنت دائما "غير شكل" كما يقول أشقاؤنا اللبنانيين ، "غير شكل" في فنك وشخصيتك وحضورك وأدبك الجم لم تتفوهي يوما بكلمة مسيئة في حق زميل أو زميلة حتى ولو أساءوا إليك ، وقد آن لك أن تفضي كل ذلك عن ظهرك وترتاحي بعد أن أديت واجبك تجاه عائلتك التي بقيت المسئولة عنها ماديا وأدبيا منذ بدأت عملك في السينما العام 1945 وحتى رحيلك كل ما كسبتيه أنفقتيه على أسرتك ، أديت واجبك تجاه جمهورك في العالم العربي وتجاه وطنك لبنان الذي كنت أحد أعمدته الفنية الكبيرة وساهمت في نهضته الفنية مع الكبار أمثال عاصي ومنصور الرحباني وفيلمون وهبي وزكي ناصيف وفيروز ووديع الصافي ونصري شمس الدين وغيرهم .


واخيرا تجاه بلدك الثاني مصر الذى احتضن موهبتك وشكلها ومنحك الشهرة والمجد الذي لم تنكريه يوما عليه.


صباح صاحبة الأرقام القياسية


تبدو المطربة الكبيرة صباح حالة استثنائية في المشهد الغنائي العربي في القرن العشرين وربما الواحد والعشرين على أكثر من صعيد فقد امتدت مسيرتها الفنية لأطول فترة زمنية لفنان عربي نحو سبعين عاما وهي بذلك تضاهي طول مسيرة الموسيقار محمد عبد الوهاب التي بدأت منذ مطلع العشرينات وحتى بداية تسعينات القرن العشرين ، كما أنها صاحبة الرقم القياسي بلا منازع في عدد الأغنيات التي قدمتها نحو ثلاثة آلاف ومائتي أغنية ولا ينافسها في كم الأغنيات التي قدمها سوى المطرب الكبيرالراحل وديع الصافي ، غنت صباح تقريبا لكل ملحنى مصر ولبنان، في مصر غنت من ألحان زكريا احمد ومحمد القصبجي ورياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب وفريد الاطرش ومحمد فوزي ومحمود الشريف واحمد صدقي ومنير مراد وسيد مكاوي ومحمد الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي ومحمد سطان وحلمي بكر ومحمد علي سليمان وجمال سلامة وغيرهم ، وفي لبنان غنت لزكي ناصيف والاخوين رحباني وفيلمون وهبي وتوفيق الباشا وعفيف رضوان وروميو لحود ووليد غلمية ونجيب حنكش وعصام رجي وملحم بركات وسمير قبطي وإيلي شويري وآخرين ، قدمت صباح الأغنية الشعبية والوطنية والطربية والعاطفية التي تميل للدلع والدلال غنت الموال المصري واللبناني والموشح والطقطوقة والمنولوج والقصيدة لكنها لم تغن الدور ، بالإضافة إلى العربية غنت صباح بالانجليزية والفرنسية مثل " ستوب تاكسى دا مور" و"هالي دبكة يابا أوف" وأغنية "عالندا الندا" التي غنتها بالفرنسية في حفلاتها في مسرح أوليمبيا في باريس نهاية الستينات من القرن الماضي .


كانت صباح المطربة العربية الوحيدة التي تمصرت دون أن تنسلخ عن غناء وطنها وفنه ولهجته الغنائية.


في مطلع الخمسينات أطلقت عدة اغنيات خلال اقامتها القصيرة هناك منها" ياهويدالك " و"دخل عيونك حاكينا" وغيرها وكانت انطلاقتها الحقيقية في المساهمة في نهضة الأغنية اللبنانية مع وديع الصافي وفيروز ونصري شمس الدين ، غير أن مساهمتها القوية لم تبدأ إلا مع العام 1960 عندما قدمت أوبريت " موسم العز" مع الاخوين رحباني في مهرجانات بعلبك الدولية ثم أوبريت "الشلال" مع روميو لحود العام 1963 وأوبريت "دواليب الهوا" مع الاخوين رحباني مجددا في بعلبك عام 1965 ، انتقلت صباح للاقامة الدائمة في بيروت عقب أزمتها مع النظام في مصر وازمتها مع عائلة طليقها انور منسي بخصوص حضانة ابنتها هويدا ومن هنا كان الانطلاق والتركيز في إثراء الغناء اللبناني الشعبي تحديدا كانت صباح وستظل سيدة من نطق بالأوف والميجانا والعتابا وأبو الزلف وكانت السيدة أم كلثوم من عشاق صوتها عندما يصدح بالمواويل اللبنانية وكانت تطلبها منها كلما التقيا ، واستطاعت صباح أن تستقطب الموسيقار محمد عبد الوهاب ليضع لها ألحان أغنيات باللهجة اللبنانية فقدم لها أغنيات : "عالضيعة " و" كرم الهوى" و" جاري أنا جاري" و"كل مابشوفك" ، كما لحن لها الموسيقار محمد الموجي أغنية "بوسه مابسنا " في مسرحية "حلوة كتير" ولحن لها فريد الأطرش باللهجة اللبنانية أيضا "عالصورة امضيلي " و"حلوة لبنان" .


مع انتصاف عقد الستينات أصبحت صباح المطربة تمتلك شخصيتين غنائيتين لا تنافر بينهما بل انسجام تام المطربة المصرية التي تسمعها وهي تغني الاغنية الشعبية المصرية " انا هنا يابن الحلال" و"الحلو ليه تقلان قوي" و"أسمر أسمر طيب مالو" و"مال الهوى يامه مال" و"الغاوي ينقط بطاقيته " فتتخيلها في هيئة بنت بلد مصرية بالملاية اللف والمنديل أبو قوية ، ثم تعود ونسمعها وهي تغني أبو الزلف والميجانا والعتابا و"يا مي طل من الطاقة" و"يا امي دلوبني الهوى" و"جيب المجوز ياعبود" تراها في ذهنك فلاحة من الضيعة شحرورة تغرد وهي التي أخذت اللقب " الشحرورة " من عمها الشاعر أسعد فغالي الذي لقب بـ "شحرور الوادي" ومن أطلق عليها اللقب كانت المنتجة آسيا داغر عندما استقدمت صباح الي القاهرة في مايو من العام 1944، صباح المصرية اللبنانية صنعت أغانيها في مصر ولبنان البهجة والفرح والدلع والشقاوة وعشق الحياة فهي من غنت "حب الدنيا وسيب الدنيا تحب" و"يالا نعيش الحياة " بعد أن جاوزت الستين من عمرها وغنت أيضا "اللي بيحب الدني بتحبو الدني وبيعيش العمر لحظة ولدني " وصباح عاشت عمرها كله لحظة ولدني وطفولة .


بين صباح ومنيرة المهدية


حسب علمي لاتوجد مطربة عربية غنت لنفسها قبل صباح سوي المطربة منيرة المهدية التي كان أشهر أغنياتها لنفسها هي "انتصارك يامنيرة" ، لقد دلل الشعراء صباح وكتبوا لها أغنيات تدلل فيها نفسها دون أن يزعج هذا الأمر الجمهور بل بالعكس استقبل ذلك بحب ورغبة في تدليلها وأنها تستحق ذلك وهي التي طالما دللت الجمهور بأغانيها المبهجة ، الأخوين رحباني كتبا ولحنا لها أغنية "جيب المجوز ياعبود" التي تقول فيها "وخلي الشحرورة الصبوحة تغني ويهب البارود" أي تنطلق البنادق بإطلاق الأعيرة كلما غنت تعبيرا عن الفرح والبهجة ، ظلت هذه الأغنية اشهر الاغنيات التي تغنت بها صباح لنفسها لكن هنالك أغنيات أخرى مثل " حزورة" التي تطب فيها من الجمهور حل فزورة وأن من سيعرف الحل "سيربح قلب الشحرورة" ، وفي أغنية "دق الكف وقوم عالساحة" تقول في كلماتها : "وجيبلي الشحرورة تغنيلي وقيعدني تحت التفاحة " ، أما في الأغنية التي قدمتها للأطفال "تكتك ياعصفور" تقول للأطفال وهي تحدثهم كمعلمة مدرسة : " ببلادي فيه شحرورة بتغني من الشحرور " ، أما أشهر الأغنيات التي نعرفها في مصر هي : "حب الدنيا" التي يخاطبها فيها الكورس بقول "شمس الشموس ياصبوحة عزال كتير ظلمونا وفاتولنا قلوبنا مجروحة " التي قدمتها في فيلم "نار الشوق " للمخرج محمد سالم وكان من أطلق على صباح لقب "شمس الشموس" هو الفنان عبد السلام النابلسي الذي كان صديقا وفيا لصباح.