كنت جن مصور!

08/12/2014 - 2:20:40

صباح صباح

كتبت - النجمة صباح

صحبت أسرتي في سن الطفولة إلي بلدة «ضهور الشوير» بجبال لبنان لتمضية جانب من فصل الصيف وهناك أقمنا في الطابق الثاني من فندق صغير يقع تحته دكان «فكهاني».


وكنت لصغر سني وشقاوتي وقتذاك أترك أحيانا في الفندق وحدي بينما تخرج بقية أفراد الأسرة للجلوس علي المقهي القريب أو التجول في تلك النواحي والتمتع بجمالها.


وضقت أنا بوحدتي ذات مرة فأخذت أفكر في طريقة أسلي بها نفسي.. وبينما كنت أبحث في درج من أدراج «التسريحة» الموجودة بالغرفة إذ عثرت علي «صنارة» قديمة ملقاة هناك فخطرت لي في الحال فكرة رائعة.


ربطت «الصنارة» في خيط طويل ثم ربطت معها مفتاحاً صغيراً ليكون بمثابة «الثقل» الذي يستخدمه الصيادون حتي تغوص الصنارة في الماء ولا يجرفها التيار وذهبت إلي النافذة وأدليت الصنارة إلي الطريق وأخذت أقوم بمحاولات كثيرة ومتعبة في نفس الوقت لأصل إلي هدفي.


وأخيراً تنفست الصعداء فقد علقت صنارتي ببرقوقة ضخمة من برقوق الفكهاني الذي يقع دكانه تحت الفندق وأسرعت بجذب الخيط ولحسن حظي لم يرني أحد وأنا أفعل ذلك فتشجعت وكررت المحاولة مرة ثانية وفي كل مرة كنت أفوز ببرقوقة ضخمة شهية الطعم!


ولكن أنظر ماذا حدث أليت الصنارة في المرة الرابعة وهنا مر «زلمة» ضخم الجسم عريض الكتفين يلبس طربوشا كبيرا وإذا بصنارتي تعلق بزر طربوشه!


وضربت معي لخمة فأسرعت بجذب الخيط.. وكم كانت دهشة الرجل حين وجد طربوشه يصعد فجأة في الهواء .. وجن من الغضب والغيظ فراح يملأ الشارع ضجيجاً وصياحاً!


ولما عادت أسرتي من الخارج أسرع الرجل يروي لها ما حدث مني وأضاف الفكهاني إلي ذلك حكاية البرقوق الذي اكتشف سرقة جزء منه وهكذا كان نصيبي علقة لا أنساها!


وإليكم قصة أخري تثبت أيضا أني كنت عفريتة:


تعرفنا في وقت الطفولة أيضا إلي أستاذ في إحدي كليات بيروت يدعي «انطون» وكان رأسه كبير الحجم إلي حد يلفت النظر وكان يحاول أن يداري جزءاً منه «بكاسكيت» واسعة يضعها علي رأسه دائما وكانت عيناه ضيقتين ومنحرفتين كعيني الثعلب ولعل اسمه مضافا إليه «محاسنة» هذه كلها هو ما كان يذكرني كلما رأيته بالمونولوج الذي شاع في ذلك الوقت:


يا أنطوان .. إيش ما تكون؟


طبعا دون يا أنطون- ولذلك كنت أجد نفسي كلما رأيته أغني جزءا من ذلك المونولوج وكنت لا أشعر بنفسي وأنا أفعل ذلك ولكني كنت انتبه فجأة علي نظرات نارية يوجهها إلي من داخل عينيه الثعلبتين فأكف للحال عن الغناء وأنا انتفض خجلاً!


وفي إحدي المرات أقبل «أنطون» علي بيتنا ولم يكن هناك أحد سواي وما كاد يدرك ذلك حتي التمعت عيناه ببريق الخبث ثم أقترب مني وأمسك بأذني وراح يعركها بأصابعه وهو يقول لي:


- شوها الغنوة يازعرة لو باسمعك تقوليها تاني باملص اضناتك دول!


وانصرف بعد أن تركت مخالبه أثراً ظاهراً في أذني واغتظت لسلوكه معي أشد الغيظ فدبرت في نفسي أن أنتقم منه شر انتقام.


وأتيح لي ذلك عندما أقيمت في منزلنا حفلة عائلية بمناسبة عيد رأس السنة .. وكان انطون ضمن المدعوين إلي هذه الحفلة وكان علي أنا وبعض صديقاتي أن نقدم بعض النمر في الحفلة وسار كل شئ علي ما يرام حتي جاء دوري فوقفت لأغني في لهجة مليئة بالشماتة والكيد المونولوج المذكور من أوله إلي آخره!


وكان كل ما في لهجتي وإشاراتي يوحي بأني اقصد انطون «إياه» بالذات ولم يستطع الموجودون أن يغالبوا أنفسهم طويلاً فما لبثوا أن ضجوا بالضحك واحاطت انظارهم بأنطون مما اضطره إلي الإسراع بمغادرة المكان!


الكواكب سبتمبر 1951