ليلة بكي فيها القمر .. عندما تشرق الشمس وتغرب صباح

08/12/2014 - 2:18:10

صباح صباح

كتب - محمد جمال كساب

رحلت فجر الأربعاء الماضي عن دنيانا الفنانة الصبوحة. «شمس الشموسة الشحرورة» كما كان يطلق عليها بعدما حققت مكانة كبيرة جدا علي قمة الغناء العربي بصوتها العذب الشجي واسع المساحة ،  غنت  العديد من الأشكال الطربية كالأغنية الخفيفة والموال والرومانسية والوطنية باللهجات المصرية واللبنانية.. و كانت دائما عاشقة للحياة تبحث عن  الحب والحنان .


ولدت جانيت جرجس فغالي في 10 نوفمبر 1927 ودرست في مدرسة الراهبات. حصلت علي الثانوية العامة من المدرسة اليسوعية ببيروت والدها كان يعمل حلاقا ويتملك احد الصالونات الخاصة بهذه المهنة وبدأت موهبتها في البزوغ منذ الطفولة حيث شاركت في الغناء والتمثيل بالمسرح المدرسي والحفلات فكانت تلميذة شقية عفريتة عاني منها زملاؤها وراهبات المدرسة ومع ذلك كان صوتها وجمالها يغفر لها كل ذلك اتساقا مع القاعدة التي تقول« الحسنات يذهبن السيئات».


وكانت تشاهد السينما برفقة امها واشقائها وخاصة أفلام ليلي مراد وتعجب بها وتدعوا لله أن تصبح ممثلة ومطربة مثلها وتعتبرها مثلها الأعلي وتذهب لغناء ما تشاهده في حجرتها بالمنزل وتسبب الضجيج لوالدها الذي يقوم بزجرها وضربها علي شقاوتها لأنه ينشد الهدوء بعد عمله الشاق.


ذات يوم سمعها رجل اسمه عيسي النحاس صديق عمها الشاعر اسعد فغالي وهي تغني فأعجب بصوتها الشجي وعرض عليها عمها احترافها الغناء لكنه قال إن والدها رجل محافظ سيرفض ذلك وبعد إلحاح منه تقول صباح: توسلت لعمي لكي يجعلني أغني وبعد محاولات عديدة قال لي: انا سمعتك كثيرا وأعلم أن صوتك جميل وموهوبة لكني أريد أن اسمعك مرة أخري وبعدها أقرر هل سأوافق علي عملك بالفن أم لا؟ وطلب منها عقد امتحان لها ففرحت جداً فأخذت تشدو بأغاني ليلي مراد وأم كلثوم والمواويل اللبنانية وبعد أن أفرغت ما في داخلها من أغنيات نظر إليها عمها وانفرجت أساريره ورقص قلبها فرحا فهذه الابتسامة معناها نجاحها في الامتحان الأول وبادرها بقوله: أنت صوتك جميل وسأفعل المستحيل لكي تغني ثم جاء لوالدها الذي كان يعمل حلاقا في صالون ويملك تاكسيين فرفض الأب احتراف ابنته الفن وخوفا من كلام الناس أخبره أخوه بأن الفن لا يتنافي مع التقاليد وأن النبي داود عليه السلام كان يغني ويعزف علي مزماره والصوت الجميل هبة من السماء والبنت صوتها رائع وموهوبة وبعد إلحاح وافق الأب علي مضض وطلب أن يسمعها في حفلة عائلية وبالفعل أخذ عمها يدربها إلي أن جاء اليوم الموعود للامتحان الثاني وكان أبوها القاسي ينظر إليها بغضب وتحاشت النظر إليها خشية الارتباك وأن تفسد عليها الفرصة وأخذت تنظر إلي عمها الذي يمثل طاقة الأمل لها وهو يشجعها ويبتسم في وجهها.


وبعد انتهاء الحفلة دوي التصفيق الحار والتهاني من أقاربها نجحت في الاختبار الثاني ووافق والدها علي عملها بالفن بشرطين أولهما أن لا تظهر علي المسرح في مكان يرتاده المخمورون وتكتفي بالحفلات الخاصة وثانيهما أن يرافقها أحد أقاربها بصفة دائمة.


وهذا ما توافر في أول حفلة تشارك بها في أول فرصة سنحت لها حيث نظمتها نقابة الصحفيين في دمشق وقام عمها بعمل دعاية لها من خلال الاتصال باصدقائه الصحفيين وحضرها عدد كبير من علية القوم وغنت كما لم تغن من قبل وسط صيحات الإعجاب والتصفيق وحققت نجاحاً ساحقا جعل الصحف تخرج في اليوم التالي تشيد بصوتها وكيف استطاعت ابنة الثلاثة عشر عاما ان تشق لنفسها طريقا في عالم الفن والشهرة واطلقوا عليها اسم «شحرورة الوادي» والسبب في هذا اللقب أن عمها اسعد فغالي كان مشهورا باسم شحرور الوادي وبذلك بدأ الصحفيون والإعلاميون يلقون الضوء عليها ويشجعونها.


وتأتي نقطة الانطلاق عندما نشرت الصحف لها صورة كبيرة وتحتها عناوين تتنبأ وشاء القدر أن يحضر «قيصر يونس» مندوب ومعتمد وموزع حفلات المنتجة آسيا ليشاهد لها مسرحية «الأميرة هند» وأعجب بها كما كان قد طالع الجرائد التي كتبت عنها وفي هذا الوقت كانت آسيا تحضر لأفلام جديدة وطلبت منه ان يبحث لها عن فتاة صغيرة صوتها حلو وجميلة فلم يجد افضل منها فذهب لوالدها لكي يحصل علي صورة لها دون ان يفصح عن غايته لكن جانيت ألحت عليه لمعرفة السبب فأخبرها أنه سيرسل الصورة إلي إحدي شركان الإنتاج في مصر لكي تعمل في السينما وفرحت جدا وظلت تنتظر لمدة شهر حتي جاء رد الشركة بالموافقة علي المشاركة في أعمالها وبعد فترة قصيرة جاءت المنتجة آسيا إلي لبنان لمشاهدتها وحددت موعدا لمقابلتها وعندما رأتها آسيا نظرت وجدتها فتاة صغيرة ونحيفة ثم أردفت بقولها «الأصل أحسن من الصورة بكثير» وأثنت علي جمالها وخفة دمها ولباقتها وذهبت لوالدها للتعاقد معها علي بطولة فيلمين في مصر أم الدنيا هوليود الشرق فوافق الأب والعم والأسرة.


ومن القاهرة  بدأت طريق الشهرة والنجومية وجاءت لمصر وقامت آسيا بإطلاق اسم «صباح» عليها لأنه جذاب وجديد.


قدمت صباح ما يزيد على مائة فيلم مع كبار الفنانين والمخرجين أولهم «القلب له واحد» بطولة «أنور وجدي وإخراج هنري بركات عام 1945 في أول عمل لها وظهرت بدور فتاة شقية تحت العشرين من عمرها تتميز بالدلع وخفة الدم وهذه الشخصية نجحت بشكل كبير مما جعل المخرجين يسندون إليها أدوارا قريبة من هذه الشخصية وحصلت علي أول أجر لها «150» جنيها.


وقدمت «صائدة الرجال» بطولة أحمد فراج سيناريو محمد عثمان وإخراج حلمي حليم و«نار الشوق» إخراج محمد سالم وجسدت فيه دور الأم لأول مرة لابنتها «هويدا» بطولة حسين فهمي وشاركت رشدي اباظة بطولة «ايدك عن مراتي» وقامت بدور الراقصة بديعة مصابني في «كازينو بديعة» إخراج علي رضا الذي يروي سيرة حياة الراقصة بديعة مصابني.


و«الأيدي الناعمة» أمام صلاح ذو الفقار وإخراج محمود ذو الفقار و«الرجل الثاني» لنفس البطل إخراج عز الدين ذو الفقار و«دموع العشاق» أمام محمود ياسين وإخراج أحمد يحيي و«الوسام» بطولة فريد الأطرش وفؤاد المهندس وإخراج محمد سالم و«ليلة بكي فيها القمر» أمام حسين فهمي وعماد حمدي و«بلبل أفندي» وازاي انساك ثم أمام فريد الأطرش «ثلاثة رجال وامرأة» بطولة زوجها أحمد فراج وجسدت ابنة يوسف وهبي في «شمعة تحترق» ووقفت أمام عبدالحليم حافظ في «شارع الحب» وأمام الممثل السوري دريد لحام قدمت «المليونيرة» والرجل الثاني والرباط المقدس ونار الشوق ونهاية حب والعتبة الخضراء وأمام إسماعيل ياسين طريق الدموع وتوبة والليالي الدافئة والمتمردة والحب في خطر.


قدمت صباح ما يزيد علي ثلاثة آلاف أغنية متنوعة لكبار الملحنين أمثال محمد عبدالوهاب ومحمد الموجي ومحمد علي سليمان وحلمي بكر وفريد الأطرش ود.جمال سلامة وتميزت بتقديم الأغاني الخفيفة السريعة الرتم وهذا ما ساعدها كثيرا علي النجاح لأنها تناسب شخصيتها المرحة حيث تتميز حنجرتها بأنها داغر مرنة قادرة علي أداء كل الألوان.


قدمت عشرات المسرحيات بلبنان ومصر أبرزها «ست الكل» إخراج زوجها وسيم طبارة، «الأميرة هند» و«المارتينيز»، «الأرملة الطروب»، «صاحبة الجلالة» ألحان محمد الموجي وتأليف بهجت قمر، «شهر العسل»، إخراج وسيم طبارة.


و«البرنسيسة» بطولة صلاح ذو الفقار وابنتها هويدا، تأليف بهيج إسماعيل، ألحان بليغ حمدي، الموجي، إخراج السيد راضي، «وادي شمسين» إخراج إلياس الرحباني، «فينيقيا 80»، «القلعة»، «موسم العز» مع فرقة الرحبانية تلحين وديع الصافي، «هالو كايرو» بطولة زوجها فادي لبنان، «كنز الأسطورة». كما أنشأت صباح فرقة مسرحية باسمها في لبنان قدمت عدة أعمال.


عندما تقدمت الشحرورة في طفولتها لاختبارات الأطواق الجديدة في الإذاعة اللبنانية سقطت في أول امتحان لكنها لم تيأس وأخذ عمها يدربها ونجحت في المرة الثانية. وقدمت بعد ذلك العديد من الأغاني والحفلات.


وشاركت في عدة مسلسلات أهمها «الحب الضائع»، «لم نعد جواري لكم».


وبالنسبة للتليفزيون فقد قدمت صباح سيرة حياتها في مسلسل «الشحرورة» بطولة كارول سماحة، تأليف فداء الشندويلي، إخراج أحمد شفيق.


وهي المرة الأولي التي يتم فيها تجسيد السيرة الذاتية لفنان وهو علي قيد الحياة.


وعملت صباح في الصحافة في إحدي الجرائد اللبنانية وحاورت عدداً كبيراً من السياسيين والفنانين منهم رئيس الوزراء اللبناني الراحل رشيد كرامي، الموسيقار محمد عبدالوهاب. وكانت تري أن التجربة مفيدة جداً وأن الفنان عليه أن يمارس العمل بعدة مجالات حتي يتعلم من تجاربه.


حصدت الصبوحة العديد من الجوائز والتكريمات من الدول العربية أبرزها وسام الأرز من رتبة فارس من الرئيس اللبناني الأسبق شارل وهي أول فنانة تحصل علي هذا الوسام بعد سيدة الغناء العربي أم كلثوم والموسيقار محمد عبدالوهاب.


كما منحها الرئيس أنور السادات جواز سفر مصري حباً لها ولفنها ولعطائها العظيم وحصلت علي وسام الأردن من الملك حسين.


كرمت من مهرجاني الإسكندرية السينمائي والإذاعة والتليفزيون.


وستظل الشحرورة خالدة بفنها الجميل الصادق وابتسامتها العذبة الأنيقة.