70 سنة سياسة .. قبلة علي خد الصبوحة أدخلتها السياسة من أوسع أبوابها

08/12/2014 - 2:15:33

صباح صباح

كتب - محمود الرفاعي

«طول عمرى مبحبش الكلام فى السياسة، لانها من وجهة نظري عبارة عن مؤامرت و حروب ودمار ورصاص، فهى ليست حياة فلا أطيق ان اسمع سيرتها وازمتها» هكذا وصفت الفنانة الراحلة صباح علاقتها بالسياسة باختصار، فهى ترى أن الله ارسلها فى الحياة من اجل امتاع الناس بصوتها وفنها فقط وقررت ان تترك السياسة للمهتمين بها، ولكن فى خضم الحياة وظروفها الصعبة كان ولابد ان تقع صباح فريسة فى عدة أزمات سياسية، وان تكون علاقات وصداقات قوية مع عدد من رموز السياسة خاصة في مصر ولبنان الدولتين التي عاشت فيهما حياتها التى امتدت الى ما يقرب من مائة عام.


أخدوا لبنان


بلاشك كانت صباح تعشق لبنان مثلما يعشق المصريون وطنهم، إلي درجة انها اصبحت فى سنواتها الاخيرة تندب حظها على ما يجري فى بلدها لبنان خلال السنوات الاخيرة من انتشار للطائفية وتعدد المذاهب، فخلدت صباح فى يوم ما تتذكر بيروت وجمال بيروت تحت حكم الرئيس الراحل كميل شمعون ورئيس الوزراء الراحل رياض الصلح وأيضا بيار الاب، فأطلقت جملتها التاريخية هؤلاء ماتوا وأخدوا لبنان معهم كناية على ان ما تبقي حاليا ما هى الا بقايا لبنان.


فصباح قبل وفاتها ظلت تحلم باليوم الذى ترجع فيه لبنان لسابق عهدها وقالت «لست متحيزة لبلدي ولكني زرت كل دول العالم ومن خلال ذلك اقول إن بلدي أحلي بلد فى العالم فحرام هيك الدمار الذى اصبح ينتشر فيها».


رغم كراهية صباح للسياسة الا ان أول موقف سياسي لها حدث وهى فى مرحلة الطفولة وبالتحديد فى عامها الرابع عشر، واشتركت مع مدرستها فى تقديم مسرحية غنائية بعنوان "الاميرة هند" والتى ذاع من خلالها صيت صباح واصبح البعض يطلبها للغناء فى الحفلات مثل ما فعل نقيب الصحفيين اللبنانيين روبير ابيلا ورغم أن والدها كان رافضا للامر إلا ان والدتها نجحت فى الضغط عليه الى ان جاء اليوم التاريخي والفاصل فى حياة صباح حينما طُلب منها الغناء بين فواصل مسرحية تعرض على التياترو الكبير ببيروت يقدمها هواة من كبار عائلات مدينة بيروت وسيحضرها رئيس الوزارء رياض الصلح.


رأت صباح لاول مرة وجهاً سياسياً فى حياتها حينما وقفت على خشبة المسرح بين فصلي المسرحية الاول والثاني وحينما رأت الجماهير والوزير احمر وجهها بحياء وحاولت ان تهرب ولكنها تذكرت كلمات والدتها التى قالت لها دولة الرئيس سيسمعك اليوم فعليك ان ترفعي رأس عائلتك.


ومع تذكرها تلك الكلمات وقفت الطفلة صباح بشموخ وعلا صوتها خلف عازف الناي سركيس باسيم وراحت تتغني بعدد من الاغنيات والمواويل الشعبية والقصائد الزجلية التي كان يرتجلها ويؤلّفها عمّها المرحوم أسعد الفغالي، الذي اشتهر بلقب "شحرور الوادي" ومنها موال تمتدح فيه رياض الصلح، الذى شعر بالفخر وراح يصفق لها تصفيقا حادا، وعقب انتهائها من وصلتها الغنائية نزلت صباح من فوق خشبة المسرح ومرت بجوار رياض الذى أوقفها وقبلها على خدها وقال لها «أحسنت يا عروس».


علاقات صباح مع رؤساء لبنان لم تتحدث عنها المطربة كثيرا ولا اعرف ما السبب، فصباح تكلمت كثيرا عن علاقاتها بالحكام العرب والمصريين لكن اللبنانيين اكتفت بعلاقتها برياض الصلح فقط وبتصريح وحيد عن الرئيس السابق كميل شمعون الذى قالت عنه:"الرئيس كميل شمعون كان ملكا حقيقيا، وحينما أطلب منه أي طلب كان ينفذه مباشرة ويزورني كي يخبرنى النتيجة، كان هو وزوجته يريدان لبنان منارة الشرق".


عشق فاروق


حكايات صباح مع الأنظمة مصر، شملت جميع الحكام بدءا من الملك فاروق حتى الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك فى فترة ازدهارها الفنى، خلال فترة الملك فاروق لانجد وكثير عن علاقتهما بعضهما البعض الا ان معلومات تداولت خلال تلك الفترة تؤكد على ان الملك كان يعشق صباح كثيرا خاصة فى أيامه الاخيرة قبل ان يتم نفيه خارج البلاد كما ان هناك اقاويل تؤكد بأنه كان ينفق عليها كثيرا وينفذ لها كل ما تطلبه، دون تأكيد أو نفى المعلومة ولكن الملك السابق كان له علاقات كثيرة بعدد من الفنانات لذلك هذه القصة من السهل تصديقها نظرا لشهرة صباح وجمالها الذى كان يطيغها على الجميع خلال بداية فترة الخمسينيات من القرن الماضي.


كراهية جمال


فى آخر حواراتها الصحفية بمصر مع مجلة الاذاعة والتليفزيون قالت صباح عن علاقتها بجمال عبد الناصر:" ربما أكون قد احببت عبد الناصر خلال السنوات الاولي من حكمه، ولكني مجملا اعتقد انني لم اكن احبه لانه أمم الفن واتخذ قرارات كثيرة اضرت بالامة العربية كلها ومازلت تلك القرارات أعانى منها حتى الآن".


اضافت :" ارى ان الجميع خُدع فى عبد الناصر، فرغم انني كنت سعيدة للغاية بالوحدة العربية التى تمت بين مصر وسوريا وغنيت لها من الموسكي لسوق الحمدية الا انه عندما جاءت نكسة 1967 اظهرت كمية الخداع الذى كان يوهمنا به، وظل يقول هنحارب هنحرر ولم يفعل أى شئ".


وعن سبب كراهيتها لعبد الناصر:"اعتقد ان ناصر لم يفعل اى شئ كل ما فعله هو انه أمم السينما وجعلها «قطاع عام»، وجعل شوية موظفين يتحكموا فينا، وكان شخصية صعبة ولا تستمع لأحد بعكس الرئيس السادات".


رغم قسوة رأي صباح فى ناصر الذى قد يغضب البعض حينما يقرأونه، إلا ان علاقة صباح وعبد الناصر كانت مضطربة، ولكن مما لاشك فيه هو ان صباح مجملا كرهت عبد الناصر وكفرت بفترة حكمه.


ولكن بعض المقربين لصباح خلال احدي الفترات أكدوا على ان صباح كانت مغرمة للغاية بجمال عبد الناصر، وان سوء وتدهور علاقتها معه حدث بسبب بعض الفنانين الذين غاروا من كمية الحب الذى تظهره صباح له فتدخلوا وأوشوا له ضدها.


من حب صباح لناصر، اعترفت بانها تغنت بأغنية من سحر عيونك ياه من أجل عبد الناصر وهى الاغنية التى لحنها محمد عبد الوهاب


من سحر عيونك ياه من رمش جفونك ياه


قالت صباح عن تلك الاغنية نعم أنا جعلت جمال يحبني، وأغنية " من سحر عيونك ياه" كانت موجهة له، ومن أجل عيون جمال، محمد عبد الوهاب وهو من لحنها، قال: " لا يوجد مطربة عربية تستطيع أن تتدلع بكلمة "ياه" آنذاك إلا صباح، هذه تحتاج إلى جرأة ومغامرة"، ويومها كان مسئولا على الرقابة نجيب محفوظ فمنعها من الإذاعة والتليفزيون، وطلب مني عدم غنائها على المسرح، لكنني غنيتها في حضور الرئيس جمال، وأخبرته بأنها ممنوعة أمام الجميع وعبر بث مباشر للإذاعة والتليفزيون، فأمرني بإعادة غنائها مرة ثانية، وأمرهم ببثها يومياً، وفي اليوم الثاني كان كل الشارع المصري يردد "ياه".


كما أن عبد الناصر صاحب فضل كبير عليها، فهو من منحها الجنسية المصرية، ربما حدث بعد ذلك عدد من الاختلاف السياسية ولكن يحسب له أنه من أعطاها الجنسية، الى ان جاءت الطامة الكبري بمنع أغنيتها " بياع كلام" التى كتب كلماتها سمير الطائر ولحنها حلمى بكر والتى كانت تقول


كلام كلام كلام بس مابخدش منك غير كلام


علقت قلبي في الهوي بكلام كتير راح في الهوي


وحلفتلي حنعيش سوي وانت اتاريك بياع كلام


استغل الرئيس العراقى صدام حسين خلافاته مع جمال عبد الناصر وقرر ان يستخدم الاغنية ضده ويوهم الجميع بأن صباح تغنى الاغنية لعبد الناصر لكونه دائما ما يتحدث دون ان ينفذ وهو الامر الذى اوشي به عدد من المقربين لجمال وأوكدوا له ان صباح فعلت هذا الامر مما جعله يتخذ قرارا بمنع اذاعة الاغنية وبدأ التضييق على صباح بمصر ومع تفاقم الازمة بين صباح وناصر قام الاخير بسحب الجنسية التى كان قد اعطاها لها ربما يكون هذا هو السبب الرئيسي وراء انقلاب حالة صباح من حب لكراهية الرئيس الراحل.


حالة عشق


تقول صباح عن فترة حكم محمد انور السادات وذكرياتها معه :" السادات كان فنانا وكان يحبني للغاية، ودائما عندما يقابلني ما كان عليه سوي ان يفتح يده ويستقبلني بترحاب، ويحدثني وهو يضحك ويقول لي ايه الجمال ده يا صباح ونفس الامر لزوجته الجميلة جيهان فهى كانت صديقة لي وكانت تعشقني ولا انسي ان الرئيس السادات هو من أعاد لي الجنسية المصرية مرة أخري".


اضافت :" السادات كان ذا دم خفيف وعاشقاً للفن لانه كان بداخله فنان، حزنت كثيرا لموقف العرب ضده بعد حرب اكتوبر، فمع توقيعه لاتفاقية السلام لم يكن يريد انقسام العرب، فالرجل كان ذكىاً للغاية ودافع عن مصلحة بلده وارضه، وياريت كان العرب قد وافقوه فى آرائه".


استكملت :" انا عشت فى مصر ايام السادات وعلى مسئوليتي أقول ان هذا الرجل لو كان عاش ولم يقتل على يد الارهابيين لكان جعل مصر جنة، انا بكيت كثيرا عليه عندما قتل ولكن من الصعب ان انساه لانه صاحب فضل كبير علي".


صباح تحدثت عن السادات فنيا اكثر من التحدث عنه سياسيا، فدائما ما كانت تشكره وتعبر عن حبها له، اشارت الى ان السادات كان يعشق منها غناء اغنية الجلابية وكان دائم استقبالها فى منزله فى كافة حفلاته العائلية، وأكدت على انه كان يحب الفلكلور اللبناني والدبكة بالتحديد.


مبارك وسوزان


عاشت صباح خلال مدة حكم الرئيس السابق مبارك لمصر فترة زمنية جيدة، رغم ان الشعب المصري كان يعاني فيها من سوء وفساد نظامه الا ان صباح كانت مختلفة تماما عنهم فهى كانت من عشاق مبارك وكانت تحب للغاية زوجته سوزان ثابت وكانت تري ان مبارك هو القائد الفعلي لمصر والوطن العربي وكانت تأمل فى ان يظل فى حكمه.


ربما الفترات الاخيرة من حكم مبارك كانت صباح قد انتقلت مرة اخري إلي لبنان لكي تبقى هناك بجانب ابناء شقيقاتها.


حكام العرب


بعيدا عن علاقة صباح بالرؤساء المصريين، فقد كان للمطربة علاقات عديدة مع عدد من الحكام والملوك العرب، فعندما تحدثت عن الملك الحسين ملك الاردن قالت عنه :"الملك حسين كان وفياً معي وذكياً، وأنا اسميت ابنه الأمير علي من زوجته الملكة عالية، ولهما عندي معزة خاصة.


وهناك قصص عديدة حول علاقة صباح بالملك حسين، حيث يقال ان حسين كان مهووسا بصباح وحاول ان يتزوجها الا ان اسرته الحاكمة وقفت فى مشروع الزواج لكون صباح فنانة ولا يجوز ان يتزوج ملك من فنانة


وعن الاسرة المالكة بالكويت قالت صباح :" احببت الشيخ عبدالله المبارك، فهو شيخ الكرم والذوق اصلا واهل الكويت لهم مساحة كبيرة في قلبي، ما خلوني أحتاج لأحد، ولي قصة حب كبيرة في الكويت.


اما عن علاقتها بالملك العراقي فيصل الثاني فتقول :" الملك فيصل كان ذكياً وكريماً ومهذباً، وأحبني أنا وعبد الحليم حافظ، ذات يوم طلبت منه سيارة هدية للفنان عبد السلام النابلسي ونفذ طلبي، أما الرئيس السوري حافظ الأسد، فقالت عنه :" لم يكن عادياً بل قائداً، وكان يعرف كل شاردة وواردة في الفن والثقافة، ونظراته ثاقبة". ولانها انسانة مازلت حتى يوم رحيلها تمدح بكل حب العقيد الليبي الراحل معمر القذافي فكانت تقول عنه انه انسان ولم يتركها فى يوم ما ودائما ما كان يتكفل بعلاجها ولم تطلب منه شيئا فى كبرها إلا وينفذها لها وفي احدى المرات عرض عليها الاقامة فى ليبيا بقصر فخم ولكنها رفضت فقام بشراء بيت لها بمنطقة الحازمية.ولذلك حزنت عليه كثيرا عندما علمت بخبر وفاته.


ثورات الربيع


رحل كل هؤلاء وتغيرت الساحة السياسية و انطلقت ثورات الربيع العربي وصباح قعيدة فى بيتها لا تستطيع الكلام، بسبب سنها مرضها ولكنها أطلقت جملة وحيدة بعد انتفاضة العرب في ثورات الربيع التى حاولوا فيها اعادة الحرية والديمقراطية لبلدانهم فقالت :"لا اعرف الكثير عن ثورات الربيع العربي ولا استطيع ان اعبر عن انها جيدة او سيئة ولكني اتمنى ان يعم الخير والسلام فى جميع البلاد العربية التى زرتها وكنت واحدة من مواطنيها فى يوم من الايام، فالوطن العربي جميل يحرم علينا ان نسئ له.