رضوى عاشور.. الحب فى قلبها والحرب خيط مضفور!

08/12/2014 - 11:12:17

رضوى عاشور أثناء توقيع روايتها الطنطورية رضوى عاشور أثناء توقيع روايتها الطنطورية

تقرير- شيرين صبحي

"الحب فى قلبها والحرب خيط مضفور/ تصبر على الشمس تبرد والنجوم تدفى/ ولو تسابق زمنها تسبقه ويحفى/ تكتب فى كار الأمومة م الكتب ألفين/ طفلة تحمى الغزالة وتطعم العصفور/ وتذنب الدهر لو يغلط بنظرة عين/ وبنظرة أو طبطبة ترضى عليه فيدور/ وأمى حافظة شوارع مصر بالسنتي/ تقول لمصر يا حاجة ترد يا بنتي/ تقولها احكى لى فتقول ابدأى إنتي".. (تميم البرغوثى عن والدته رضوى عاشور)


لكن رضوى عاشور لن تعود تحكى لنا الحكايات، أو تخبرنا بأسماء الشوارع، أو تذنب الدهر بنظرة، فرضوى التى اختار لها جدها اسم جبل قرب المدينة المنورة، تضرب به العرب المثل فى الرسوخ، قررت أن تضع الحمل عن كاهلها، وتغمض عينيها للأبد وتودعنا تلك "السيدة العنيدة المستعفية" الفخورة بانتمائها إلى "جنس آدمى طور على مدى آلاف السنين شيئاً ثميناً اسمه الكبرياء".


يبدو أن رضوى فى كتابها الأخير "أثقل من رضوى" كانت تعلن دون صخب عن عزلتها الأخيرة التى لن تعود منها ثانية، بعد أن سطرت لنا سيرتها الصريحة عندما بلغت الرابعة والستين "أعى أن هذه السنوات ستُفلت حتمًا من حدودها، لأن أعمارَنا كما هو معروف، تفيض عن أعمارنا، تقفز بلا استئذانِ إلى ما قبلها أو ما حولها، وتمتد متشعبة فى التاريخ والجغرافيا"، قررت أن تكتب وهى على مشارف الموت، دون أن تنكسر أو تستسلم "قلت ذات مرة إن كتاباتى الروائية محاولة للتعامل مع الهزيمة، قلت: الكتابة محاولة لاستعادة إرادة منفية".


تصف لنا شخصيتها، فهى المصابة بالتسرع، كثيرة الحركة، عصبية، نحيفة، قصيرة الشعر، مهمومة بمصر وفلسطين والإمبريالية وحبائل المؤامرة الممتدة شرقًا، غير همومها اليومية المتعلقة بمكان صف السيارة، أو علاقتها القوية للغاية بينها وبين طلابها ورفقائها بالجامعة. لكنها تظل تحمل روح الطفلة "ما إن تجد الشارع خالياً نسبيا، حتى تروح تركل أى حجر صغير تصادفه بقدمها اليمنى المرة بعد المرة؛ فى محاولة لتوصيله إلى أبعد نقطة ممكنة".


لم تكن رضوى تجاوزت مرحلة المراهقة عندما ثارت على مشروع "رضوى جميلة كدمية" كما كانت تردد والدتها نقلاً عن المُدرسة الفرنسية التى التقت بها خارج المَدْرسة فى حفل عيد ميلاد زميلة من زميلاتها، لأنه "لا يروق لها، وإن قامت بدور الدمية أثقلها، ولم تقدر على مواصلته أكثر من دقائق معدودة". آمنت بأن خلاصها مرتهن بجعل جسدها وروحها وعاء للمعرفة لتشكل قطيعة نوعية مع كل فكر لا يحقق الارتقاء بالمجتمع.


كانت رضوى تعى أنها "امرأة محظوظة" بزواجها من الشاعر الفلسطينى مريد البرغوثى وإنجاب ابنها الوحيد الشاعر تميم، لكنها عانت من قسوة الحياة بعدما أبعد زوجها عن مصر فى فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات بسبب اعتراضه على زيارة السادات إلى إسرائيل، وظل ممنوعًا من دخول مصر لمدة 17 عاما وهو ما أحدث تشتتًا كبيرًا لأسرتها.


عندما اندلعت ثورة 25 يناير المجيدة، انشغلت مع أسرتها بالمشاركة عبر تلاميذها نوارة نجم والأخوين الكفيفين مصطفى سعيد ومحمد عنتر وسلمى سعيد وسواهم "التى دَرستْ لهم، وشاركوا فى الثورة بقسط وافر، رافضة لعب دور المرجع والأصل الذى تفرع عنه هؤلاء الشباب، فى ثورة لم أخطط لها ولم أشارك فيها بشكل مباشر، بل غبتُ اضطراراً عن كل نشاطاتها فى شهورها الأربعة الأولى، وحين شاركتُ كانت المشاركة خافتة وهامشية لأننى لم أتعافَ تماماً من مرضي؛ ولأننى ستينية، قدراتى على الكر والفر محدودة، وعندما حاولتِ الكتابة عنها بدت لى غير ممكنة لأننى هيابة، لا أثق فى قدرتى على إضافة جديد من خلالها، والأهم أننى كنت أتوجس من فكرة القفز أمام أولئك الشباب وإعاقتهم أو إرباكهم، وإن حسنت النوايا، برؤية قاصرة أو توجيهات تنتمى لجيل سابق وتجربة مغايرة".


آمنت رضوى بأن "الحياة، برغم كل شيء، تتجدد وتستمر وتتجاوز، وأن الموت تؤطره الحياة؛ فهى تسبقه وتليه، وتفرض حدوده، تحيطه من الأعلى والأسفل". وبالرغم من إصابتها بمرض السرطان، إلا أنها كانت تحمد الله على كل شيء فى أيامها الأخيرة بنفس راضية، ولم تغضب من أى شىء رغم مرضها. كانت تقول عن نفسها "أنا من حزب النمل. من حزب قشة الغريق، أتشبث بها ولا أفلتها أبدًا من يدي. من حزب الشاطرة التى تغزل برِجل حمارة. لماذا لا أقول إننا، كل أسرتنا، لا أعنى أنا ومُريد وتميم وحدنا، بل تلك العائلة الممتدة من الشغيلة والثوار والحالمين الذين يناطحون زمانهم، من حزب العناد نمقُت الهزيمة. لا نقبل بها. فإن قضت علينا، نموت كالشجر واقفين، ننجز أمرين كلاهما جميل: شُرف المحاولة، وخبراتٌ ثمينة، تركةٌ نخلفها بحرص إلى القادمين".