تاريخ صحراء المماليك حائر بين الأوقاف والآثار .. المساجد التاريخية مقالب للقمامة ومأوي للكلاب الضالة!

08/12/2014 - 10:49:49

الاثار الاسلامية المهملة الاثار الاسلامية المهملة

تحقيق - محمود أيوب

صحراء المماليك واحدة من أهم المناطق الأثرية الموجودة بالقاهرة، يعود تاريخها إلي العصر المملوكي العثماني.


لكن تلك المنطقة باتت تعاني من الإهمال الشديد بعد أن سقطت من حسابات الحكومة، فمسجد الظاهر بيبرس توقف العمل به منذ أكثر من 7 سنوات منذ عهد الدكتور أحمد قدري، رئيس هيئة الآثار الأسبق ، كما ان هناك آثاراً لم يتم ترميمها منذ قيام لجنة حفظ الآثار العربية بالعمل فيها في فترة حكم الخديو عباس حلمي الثاني، ونتيجة للإهمال الشديد من المسئولين في حفظ اثار المنطقة أصبحت تتعرض إلي حوادث السرقة وباتت العديد من الآثار الإسلامية علي وشك الانهيار.


وقد أعلنت وزارة الآثار منذ فترة طويلة عن تبنيها لمشروع تطوير منطقة "صحراءالمماليك" والعمل علي إحيائها مرة أخري، لتعود كسابق عهدها علي خريطة السياحة الإسلامية، إلا ان ذلك القرار بات حبيس أدراج الوزارة و لم يتم البدء فيه حتي الآن.


وتختلف صور التعدي علي آثار المنطقة مابين احتلال المبني والإقامة فيها وتشويه المباني عن طريق تعليق لافتات عليه، وهو ما يحدث في المناطق الأثرية المجاورة للمناطق السكنية، وهناك 10آلاف بلاغ بالتعدي علي المناطق الأثرية التي قدمت للجهات الأمنية ولم يتم البت فيهما حتي الآن،


فالآثار الإسلامية في مصر لا تحصل علي اهتمام مثل الآثارالفرعونية، فمصر مليئة بالآثار الإسلامية .


قمامة ونفايات وسرقة وسقوط أعمدة وتهالك للجدران وإهمال شديد وتجاهل وتقصير من هيئة الآثار في منطقة "صحراء المماليك" المعروفة بمنطقة قايتباي بحي منشية ناصر بمحافظة القاهرة، والتي يقبع فيها العديد من الآثار الإسلامية أشهرها جامع السلطان قايتباي والذي وضعت الدولة صورته علي الجنيه المصري، ومجمع السلطان الأشرف برسباي ومجمع السلطان الناصر بن برقوق.


تجولت «المصور» داخل منطقة " صحراء المماليك " تحدثنا مع المواطنين هناك للوقوف علي حيقيقة الإهمال ورصد حجم التعديات التي تتعرض لها المباني الأثرية ،والتي أصبحت مقلبا للقمامة، وضحية لمافيا البناء المخالف وأصحاب الورش، بجانب تعرضها للسرقات.


ومنها مسجد وخانقاه السلطان فرج بن برقوق وقبة الأمير جاني بك الأشرفي وقبة الأمير قرقماس وخانقاه ومسجد وضريح الأمير أشرف برسباي وتكية الأمير أحمد أبو سيف ومسجد وضريح السلطان قايتباي وحوض وساقية السلطان قايتباي وقبة عصفور وقبة وضريح الأمير سليمان.


خارج الخدمة


عم عفيفي 57 سنة أحد سكان المنطقة يعمل في ورشة لتصنيع منتجات خان الخليلي يقول: هذه الآثار تتبع السلطان الأشرف برسباي كان بها مدرسة أصبحت مهملة نتيجة مرور الزمن والتقصير ويد الإهمال من جانب الدولة والمواطنين.


وبنبرة حزينة يقول عفيفي، مناظر قبيحة لا يمكن أن تراها بعينيك في المنطقة، خاصة أنك تجد فيها أعظم الآثار الإسلامية فضلاً عن الاستيلاء علي بعض المسكان الأثرية بوضع اليد علي الرغم من تواجد قسم شرطة قايتباي بالقرب من هذه الآثار ونتيجة عدم الاستقرار الأمني.


وعن زيارة المسئولين للمنطقة يقول : لم يتم زيارة هذه المنطقة أو ترميمها منذ زيارة حسني مبارك في عهد الدكتور أحمد قدري رئيس هيئة الآثار المصرية في الثمانينيات، وتم فيها ترميم تكية أحمد أبو سيف والتي كانت مخصصة لإقامة "الدراويش الخاصة بالصوفية" ، ولكن يد الإهمال من جانب المواطنين هنا لا تعد ولا تحصي.


ويضيف: نحن كأهل للمنطقة ذهبنا أكثر من مرة إلي هيئة الآثار والتي تقطن بالمنطقة بجانب مسجد السلطان برقوق، ووعدونا بوضع ميزانية لترميم هذا الصرح الكبير من الآثار ولكن حتي الآن لم يحدث شيئ ويبقي الحال كما هو عليه.


القضاء علي الفوضي


أحمد محمد نجار يقول : منذ أكثر من 15 عاماً لم يأت أحد لزيارة هذه المنطقة العامرة بالآثار الإسلامية من الدولة للوقوف علي ما يحدث فيها من إهمال وتقصير شديد.


ويضيف تاريخ هذه الآثار يعود لأكثر من 200 سنة وكان هناك اهتمام كبير من جانب الدولة ولكن فترة كبيرة لم يزر هذه المنطقة أحد حتي الآن للوقوف علي هذا الإهمال علي الرغم من تواجد مكتب هيئة الآثار علي بعد خطوات ولكنهم يجلسون علي المكاتب ولم يقدموا شيئاً حتي الآن للمنطقة.


رمضان الجمل 47 سنة يقول: التنمية في مصر لن تكتمل أو تتحقق إلا بمساعدة المواطن والقضاء علي الفوضي في الشارع وعلينا أن نتكاتف وراء الرئيس الجديد لإزالة هذه السلبيات تجاه المنطقة وعلي المسئولين أن ينزلوا علي أرض الواقع.


ويضيف : المواطن أيضا لابد أن يكون لديه توعية بقيمة هذه الآثار، ولكن هذا الإهمال لم يحدث إلا بعد 25 يناير، وهيئة الآثار لم تفعل شيئاً تجاه هذه المنطقة .


عجز الحراسة


من جانبه قال الدكتور ضياء، مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمي لآثار القاهرة والجيزة، إن مشكلة الآثار الإسلامية أنها تقع في مناطق شعبية أبعد ما تكون عن الوعي الأثري، مشيراً إلي أن سكان هذه المناطق يفتقرون إلي الخدمات الضرورية.


وتابع: القمامة تلقي علي الآثار والتعديات علي الآثار لا حصر لها وعيب وزارة الآثار وجود عجز في الحراسة لذلك فلا يوجد حراسة علي معظم الآثار طوال الـ24 ساعة مما يؤدي لحدوث تعديات، ويؤدي بطء إجراءات الإزالة إلي تفاقمها.


وأوضح مدير عام البحوث الأثرية، ضياع المسئولية بين الأوقاف والآثار يؤدي إلي سرقة التحف المنقولة كالمنابر وغيرها فالأوقاف هي المالكة والآثار هي الجهة المشرفة.


وأضاف ضياء، النظافة من المفترض أن تتولاها الأحياء المعنية، لافتاً إلي أن وزارة الآثار يقع علي عاتقها ترميم هذه الآثار و صيانتها وإعادة استخدامها والكثير من مشاريع الترميم متوقفة لعدم وجود اعتمادات مالية في ظل تدهور السياحة وهي المصدر الرئيسي للدخل في الوزارة.


ويري مدير عام البحوث الآثرية، أنه يتم تخصيص شرطة مستقلة للآثار لأن الموجود حاليا هي شرطة السياحة والآثار ويكون لديها آليات إزالة التعدي فورا.


خانقاه الأشرف برسباي


وعلق الدكتورعبد الله سعيد، مدير عام الشئون الأثرية بمنطقة آثار شرق القاهرة قائلاً : الجزء الخلفي من السور المحيط بتكية أحمد أبو سيف احد الآثار العثمانية المسجلة بالمنطقة وتهدم معظمها ولم يبق إلا الواجهة الرئيسية علي الشارع وعلي يمنها الجزء الخلفي من خلاوي خانقاه السلطان الأشرف برسباي.


وقال سعيد، واجهة خلاوي خانقاه الأشرف برسباي والتي توجد علي يسار المدخل الرئيسي للمسجد مكونة من طابقين السفلي منها شبابيكه علي شكل فتحات السهام والتي يطلق علها المزاغل.


اما الطابق العلوي كان يطل علي الشارع من خلال ثلاث فتحات أوسعها وأكبرها الفتحة الوسطي ولم يبق من تلك الخلاوي سوي الواجهة الخارجية وبعض أجزاء من الجدران الداخلية والتي تحفظ لنا التخطيط الأصلي لها.


وأضاف : أهم ما يوجد بتلك الواجهة هو الشريط الكتابي المكتوب بخط الثلث البارز بدقة ومهارة يتضمن الأوقاف التي أوقفها الأشرف برسباي علي خانقاته وعلي قبة أخيه يشبك الموجودة بتلك المجموعة لحفظها من السرقة والضياع وحتي تظل سندا وشاهدا علي المشرف علي الوقف من اي تلاعب فيه.


تكية أبو سيف


وأوضح أن الجزء الخالي كان تكية للدراويش والصوفية تعرف بتكية أحمد أبو سيف وهي كانت مخصصة لإقامة الدراويش وتتكون من عدد من الخلاوي والغرف من عدة طوابق وملحق بها سبيل للشرب وهو الموجود بالناصية الخارجية المطلة علي الشارع.


والتكية هي الشكل المتطور عن شكل الخانقاه في العصر المملوكي والخانقاه كلمة فارسية تعني رباطا للصوفية أو المكان المخصص للإقامة والتعبد وفي العصر المملوكي أصبح شكل الخانقاه يجمع ما بين تخطيط المسجد والمدرسة، تتكون من صحن أوسط مكشوف يحيط بها أربعة أروقة أو إيوانات وملحق بها عدد من الغرف او الخلاوي المخصصة لإقامة الصوفية.


وتابع يعرف أن أول خانقاه بمصر تلك التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي وكانت تعرف باسم خانقاه سعيد السعداء ثم انتشر إنشاء تلك الخانقاوات لانتشار التصوف في مصر وحرص السلاطين والأمراء علي التقرب من الصوفية والتبرك بهم فأنشاوا لهم تلك الخانقاوات ولم يقتصر الأمر علي ذلك بل أنشأت خانقاوات.


البناء العشوائي


وعن الإهمال قال مدير عام الشئون الأثرية، يعد ملفا كبيرا جدا وخاصة فيما يخص الآثار الإسلامية عامة وجبانة المماليك خاصة وتتعدد أشكاله منها التعديات بالبناء داخل المنطقة الأثرية بالمخالفة لقانون حماية الآثار لأن البناء داخل المنطقة يتم بشكل عشوائي ودون الحصول علي التراخيص اللازمة، ومن هنا تكمن المشكلة التي يتحمل فيها الجزء الأكبر محافظة القاهرة ممثلة في حي منشأة ناصر المسئول عن المنطقة.


وأضاف: ارتفعت الأبراج السكنية داخل منطقة الجبانات واختفت بينها الآثار المملوكية دون أي تحرك من قبل الأجهزة المسئولة، واقتصر دور الآثار فيها علي تحرير المحاضر وإصدار قرارات إزالة لتلك التعديات دون المقدرة علي تنفيذها مجرد قرارات علي الورق.


وأوضح : من التعديات ما يرجع إلي السلوك البشري المتمثل في تحويل المواقع الأثرية إلي مقالب للزبالة وتجميع القمامة بشكل مستفز والحي لم يقم بدوره بشكل كامل فاقتصر علي رفع القمامة من أمام الآثار الموجودة بالشوارع الرئيسية فقط واهمل الأخري الموجودة بالحواري بل وصل الأمر إلي هدم أجزاء من الأسوار المحيطة بالأثر لإلقاء القمامة بداخلها تحت أعين وبصر الحي المسئول.


تحف حائرة


وقال سعيد تحولت الساحات الأمامية أمام اهم المجموعات الأثرية بالمنطقة الي مواقف لسيارات النقل الثقيل وعمل ورش لإصلاحها في منظر يسئ للسياحة بالمنطقة فضلاً عن حرق القمامة الموجودة ببعض الآثار بالمنطقة، مما أدي إلي حرق الجدران الأثرية من حجارة واخشاب الشبابيك مما ينذر بانهيارها في أية لحظة.


ولفت إلي أن توزيع المسئولية فيما بين وزارة الآثار ووزارة الأوقاف جعل الآثار وما فيها من تحف حائرة بينهما من حيث المسئولية عن التأمين والحماية ومن ثم تعرض الكثير منها إلي النهب والسرقة والتحطيم والضياع دون تحديد الجاني والمسئول عن ذلك.


وأكد أن وزارة الآثار عجزت عن الوفاء باحتياجات الآثار من ترميم وصيانة نتيجة للعجز المالي بالوزارة كل ذلك أدي الي تعرض الكثير منها إلي الخطر الذي ينذر بانهيارها وفقدانها للأبد.


تعديات بالسرقة


أما بالنسبة لمسجد قايتباي يقول سعيد، يعد درة آثار مصر الإسلامية عامة وجبانة المماليك خاصة وتحفة معمارية وفنية ولكن للأسف لم يجد الترميم المناسب والاهتمام المطلوب فتعرض المسجد للعديد من السرقات منها سرقة حشوات كرسي المصحف المطعمة بالعاج والأبنوس وفقدانه للأبد.


وتابع: سرقة حشوات المنبر الخشبية المطعمة فأصبح بلا طعم أو معني وفقد روحه الأثرية ، محاولة سرقة القطع الحجرية الموجود عليها آثار أقدام يقال إنها لقدم النبي محمد والنبي إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.


وأضاف : توجد أمثلة معدودة لها في العالم الإسلامي وقد اشتراها السلطان قايتباي بنفسه وحرص علي وضعها في مسجده هذا حتي أصبحت مكانا ومقصدا للعديد من الرحالة ومحبي آل البيت للزيارة والتبرك ، واخيرا سرقة الحشوة النحاسية المزينة للباب الرئيسي للمسجد من الخارج والتي لا توجد إلا امثلة قليلة جدا منها بالمساجد الأثرية فأصبح باب المسجد بلا هوية فنية.


بالإضافة إلي ذلك يعاني حوش الدفن الملحق بالقبة الضريحية من ارتفاع نسبة الملوحة والرطوبة من تسرب المياه الي الجدران الأثرية مما أدي الي تهدم معظم التراكيب الحجرية وشواهد القبور التي كانت تحفظ للمكان قيمته وتاريخه.


الأشرف برسباي


أما بالنسبة لمسجد الأشرف برسباي فهو الآخر يتبع الأوقاف وتشرف عليه الآثار وتعرض منبره للسرقة فسرق باب المقدم بالمنبر وفقد للأبد والفاعل مجهول، ويوجد بالمسجد شريط كتابي نادر يتضمن الأوقاف التي أوقفها السلطان برسباي علي المسجد والقباب الموجودة به مهددة بالاندثار نتيحة عدم الترميم ومهددة بالسقوط.


وتحولت آثار المنطقة وخاصة القباب منها إلي أماكن مهجورة مغلقة مأوي للحشرات والكلاب ومأوي للخارجين علي القانون وتراكمت القمامة والمخلفات بداخلها حتي سدت أبوابها.


مخاطر


وأوضحت بعض الدراسات المخاطر التي تهدد الآثار الإسلامية بصحراء المماليك، أن الآثار الإسلامية في مصر تتعرض للعديد من العوامل التي قد تؤثر عليها بالسلب وتعمل علي تلف الآثر وفنائه منها عوامل بشرية وعوامل طبيعية مثل المياه الجوفية.


وأضافت الدراسة، العوامل البشرية التي تسبب فيها الإنسان عن طريق التخلص من النفايات والقمامة بإلقائها أمام بعض المباني الأثرية وذلك بسبب قلة الوعي الأثري من قبل كثير من عامة المجتمع.


وأشارت إلي أن انتشار القمامة حول المناطق الأثرية يؤدي إلي حدوث تلوث بصري وبيئي كما يفقد الأثر صورته الجمالية، وكذلك إهمال ترميم بعض المباني الأثرية يهدد أمن وسلامتها.


وتابعت : حيث تتعرض معظم المناطق الأثرية في مصر إلي خطر المياه الجوفية ، والتي تؤثر علي صحة الأثر وتعمل علي سرعة تلفه، والقضاء عليه نهائيا، لقد أعرب خبراء الترميم المصريون عن خشيتهم من تهافت الآثار المصرية التي صمدت لآلاف السنين، خلال ثلاثين سنة فقط ، وتلك المشكلة تعمل علي ذوبان وتلف الحوائط ومحو النقوش والرسومات علي الجدران، وقد تعرضت أعمدة معبد الأقصر لهذه المشكلة أيضا إلي أن تم عمل لجنة لحل تلك المشكلة ولكن لم تتخذ خطوة حتي الآن بصدد هذه المشكلة.


وقالت الدراسة إن هناك أشياء تعمل علي زيادة المياه الجوفية في الأماكن الأثرية مثل وجود الترع و المصارف بجوار الأثر كما حدث فى معبد الكرنك إلى أن تم ردم هذا المصرف ، و مياه الصرف الصحى و مخازن دورات المياه فى المساكن بجوار المناطق الأثرية .