طوغان

01/12/2014 - 2:12:56

احمد طوغان احمد طوغان

كتب - عاطف بشاي

رحل "طوغان" شيخ رسامي الكاريكاتير المصريين.. وأحد الرواد الكبار من رعيل المدرسة الكلاسيكية في ممارسة هذا الفن مع "رخا" و "صاروخان"


كان فناناً مدهشاً.. قادراً علي أن يوقعك في غرام رسومه منذ اللحظة الأولي التي تقع عيناك عليها فيشيع الألفة والحميمية بينك وبينها.. فتحبها بخطوطها البسيطة والرشيقة.. وبشخوصها التي تمد جسورها الودودة لتصل اليك بسلاسة ونعومة وأناقة.. دون اقتحام أو إلحاح.. بل تدعوك الي معايشتها وتتبع مسارها أينما ذهبت.. والتفاعل الوجداني معها.. ذلك علي الرغم من أن فن الكاريكاتير شأنه شأن فن "الكوميديا" يعتمد علي مخاطبة "العقل" لا "الوجدان" ومن خصائصه التي تميزه عن فن "التراجيديا" أنه يقيم حاجزاً ويخلق مسافة بينك وبين شخصياته ليتيح لك فرصة تأملها ومناقشة قضاياها دونما أن نتوحد بها أو تنشأ بينك وبينها علاقة عاطفية.


لكن "طوغان" يستدرجك بلطف ويضحك عليك.. فهو يوهمك في البداية أن شخوص لوحاته تلك من الفقراء والبسطاء في القرية الذين يفرحون ويتهللون لعودة عمدتهم من الحج.. ويستقبلونه بالطبل والزمر والرايات والزغاريد.. ويدعونك إلي مشاركتهم تلك البهجة البادية في مظهرهم العام وفي تعبير الفنان عن هذا المظهر بخطوط رشيقة وألوان مشرقة.. ويوحي إليك بخبث أن الكل سواء.. والفرح يعم الجميع.. الفلاح المعدم.. والعمدة المتخم والأولاد البؤساء الحفاة.. والبنات الذابلات.. والشجر والترعة والساقية والطيور.. ومحلاها عيشة الفلاح..


لكنك ما تلبث أن تكتشف أن ذلك مظهر زائف.. فالفقر الضاغط.. والبؤس البادي علي الوجوه الشاحبة.. ونظرات القلق والخوف التي تطل من عيون الأطفال المتلصصين يسيطرون علي المشهد رغم بقائهم في خلفيته..


هؤلاء الفلاحون انفسهم هم الذين يساقون في لوحات أخرى - نراها من خلال معرضه الأخير الذي ودعنا على إثره - مكبلين بالأغلال.. ويجلسون القرفصاء في مواجهة العمدة.. يحيط بهم الخفراء انتظاراً للعقاب الأليم وبطش رمز الطغيان في القرية البائسة.. وهم ايضا الذين يتحلقون _ في ليلة قمرية _ علي الأرض والمصاطب حول صبي نحيل يعزف موالاً حزينا يثير شجنا مترعاً بغدر الزمان وتصاريف الأقدار.. بينما نرى في لوحة أخرى صبيا آخر متغضن الملامح كشيخ عجوز يرمي سنارته في الترعة منتظراً أن تجود عليه بسمكة مستحيلة طال انتظارها كـ "جودو" الذي لا يأتي أبداً.. لكن الأمل باق.. والصبر لا ينفد..


لذلك فليس من الغريب ان يكون من ضمن تصريحات الفنان الكبير الصحفية أن الكاريكاتير تلخيص لمعاناة شعب وتحويل قهره اليومي إلي نكتة ساخرة تتجاوز متعة الفكاهة إلي احتجاج ضد الفساد والظلم والانحراف.


عاش "طوغان" ثائراً شريفاً يحارب بريشته من أجل عدالة اجتماعية مفتقرة و لم يضبط في يوم ما يهادن سلطة أو يتقرب من مسئول .. فكان بحق نموذجاً عظيماً لفنان ملتزم أثرى فن الكاريكاتير وعاش بفنه بإخلاص زاهد وموهبة كبيرة تستحق إعادة التأمل في مسيرته العامرة الطويلة..


وداعاً أيها الفنان الكبير.