فاطمة تحكى.. وتبكى.. وترحل

01/12/2014 - 2:07:34

فاطمة رشدى فاطمة رشدى

كتب - يحيى تادرس

.. قبل أن أبدأ «الحكايات/الذكريات» - كان لى ملاحظة احتفظت بها لنفسى - أن فاطمة «الممثلة» - لا تستطيع مهما فعلت أن تفصلها عن فاطمة وذكرياتها.


.. وتستكمل فاطمة:


وأنا فى الباخرة قعدت استعرض جبل طارق:


معلومة جبل طارق مدينة كانت تؤلف إحدى مستعمرات التاج البريطانى - وفى الأساطير اليونانية كانت إحدى أعمدة هرقل - وهى شبه جزيرة جنوب إسبانيا عند الطرف الشرقى لمضيق جبل طارق الذي يصل البحر المتوسط بالمحيط الأطلنطى..


وترجع التسمية إلى القائد العربى طارق بن زياد الذى استولى علي شبه الجزيرة عام «711».. وقد سيطر البريطانيون على الجزيرة منذ عام «1704م» وجعلوا منها محطة بحرية وقلعة عسكرية .. وتطالب بها إسبانيا منذ الحرب العاليمة الثانية.


...


وسألت نفسى:


إيه اللى بيحصل ده يا «بت» يا فاطمة:.. بطل مقاومة وجواسيس ومغامرات وحكاية حب.. وعلى فكرة - أنا كنت ضعيفة قوى قدّام الحب مهما كانت نتايجه.


تضحك كنت ..... ولسه جسمى كله وخصوصاً قلبى بيرتعش قدام أى كلمة حب بس بشرط.. تكون م القلب..


إسمع.. إنت حبيت كام مرة


«وأفاجأ وارتبك» وتستكمل فاطمة:


ما تردّش وما اعتقدش إن فيه إنسان ما حبش.. لكن أنا؟ .. مريت بحكايات حب ليها العجب.. ممكن أقول بعضها لكن كلها.. هاتسبّب مشاكل كتير لشخصيات مهمة واعترف أنا أحياناً بابقى شريرة أوى وأفكر أقول الوزير ده ولا الشخصية الخطيرة دى ياما جابوا لى هدايا وياما بكوا وياما أتمنوا ولو نظرة منى وياما وياما وياما.. لكن أرجع لنفسى تانى واراجعها وأقول حرام.


.. وبالمناسبة.. فى مرة ما أنساهاش لقيت اتنين ما أعرف إن كانوا مباحث ولا فتوات زارونى فى الفجر


.. كنت تعرفى معالى الوزير


- وزير مين


-.. فلان الفلانى


وبلا وعى أصبح «رُوقة»


- رُوقة مين


- اسم الدلع بتاعه


- له عندك جوابات وصور وجوانتى وقلب دهب جواه صورته.. هاتيهم فوراً واوعى تجيبى سيرة لأى حد أنك كنتى تعرفيه.


كانت ليلة مرعبة لكن ربنا انتقلم لى.. بعد يومين سقطت الوزارة وطار الوزير تيفة وقابلته مرة فى شارع قصر النيل ومعاه واحدة كآبة الدنيا كلها ف وشها.. بصّى لى وبصيت له.. لحد ما طاطا رأسه وأنا سبته وراسى مرفوعة.


... أنا سارة برنار وهوه حتة وزير سابق.


و... تنفجر ضاحكة


- نرجع لحكايتك بعد جبل طارق


- من حب لحب لاستديو مصر للعزيمة.


معلومة: «أسست شركة مصر للتمثيل السينما عام 1925 وكان إنتاجها قاصرا على أشرطة قصيرة تشبه الأفلام الإخبارية تدور موضوعاتها حول شركات بنك مصر. ثم رأت أن تطور أعمالها بإنتاج الأفلام المصرية - فاشترت قطعة أرض «مساحتها 20 فدانا وأقامت عليها ستديو مصر وأصبح معدا للعمل عام 1935. كان أول انتاجها فيلم غنائيا للسيدة أم كلثوم «وداد» الذى عرض فى انحاء الشرق ونجح نجاحاً باهراً.. ثم انتجت «الحل الأخير/ العزيمة/ الدكتور/ حياة الظلام/ إلى الأبد/ عاصفة على الريف/ قضية اليوم/»..


ثم فتحت الشركة سينما ستديو مصر فى 15 مارس 1938 .. وقد كانت هذه الدار - من أرقى السينمات بمصر - لكنها الآن بعد أن تم اهمالها وتخريبها مجرد مقلب ضخم «للزبالة» ومرتعاً للكلاب والقط... والمعيز!


معلومة أخرى: العزيمة: قصة وسيناريو وإخراج «كمال سليم» وحوار بديع خيرى، تصوير فرانسوا فاركاش، موسيقى عبدالحميد عبدالرحمن، مونتاج كمال سليم، مناظر ولى الدين سامح، تمثيل حسين صدقى، فاطمة رشدى، أنور وجدى ، مارى منيب إنتاج 1934.


...


وتكمل فاطمة: طلعت باشا كان عايز ينتج فيلم عن الحارة المصرية لأن معظم الأفلام، وقتها كانت بتدور فى القصور و«الفيلل» الفخمة وأبطالها باشوات وبكوات وهوانم..


دى كانت مغامرة منه، لكن الباشا طلعت فى الفيلم ده بالذات كان حاسس أوى بمصر الناس الغلابة..


.. المهم مين بنت الحارة الجميلة الشاطرة الحبوبة اللى ممكن تلعب الشخصية دى - هنا بيجى دور كمال سليم اللى عرفت بعد كده أنه شافنى ع المرسح.. وحبنى.. ويمكن كمان هو اللى شجع «الباشا» على إنتاج الفيلم ده علشانى.


وتضحك.. أنا وقتها كنت جمال ودلال وخفة و«سكس أبيل» و.. صديقة الطلبة وبالمرة.. سارة برنار الشرق.


.. المهم.. فين فاطمة؟.. فى باريس.. اتصلوا بالسفارة المصرية.. فين فاطمة... ما نعرفش عنها حاجة.. ما أنا كنت ساعتها فى البحر بعد ما طردونى من جبل طارق.


المهم.. بعد ما وصلت مصر بيومين اتصل بيا قاسم وجدى - اللى كان من أهم مديرى الإنتاج والريجسيترات فى السينما واللى اكتشف ممثل كان اسمه أنور يحيى النقاش وأطلق عليه اسم.. أنور وجدى كأنه أخوه شقيقه.


- إنتى فين؟


- ف الدنيا


- دوختينا


- ما أنا دى هوايتى أدوخ أى حد عايزنى!


- المهم حمداً لله على السلامة..


- الأهم .. عايزنى ليه


- ستديو مصر هاينتج فيلم اسمه العزيمة لمخرج شاب اسمه كمال سليم تعرفيه.


- أسمع إنه ابن ذوات وله مغامرات و..


- كل ده موش مهم.. هوه عايز يقابلك بسرعة.


....


- دوختينا


- .....


- بقى أنا يا آنسة فاطمة رشحتك وصممت تكونى بطلة الفيلم بتاعى وطبعا الفيلم هاينجح لمجرد الناس ما هتعرف إنك البطلة... وعلى فكرة «الباشا» بيعتبرك رائدة من رواد السينما وأفلامك «فاجعة فوق الهرم/ والهارب/ وتمن السعادة/ والطريق المستقيم و... وأضفت أنا بكل فخر:


وما تنساش أنى أنتجت وأخرجت وحرقت فيلم الزواج لأنه ما عجبنيش...


- بقى كل ده يطلع من الكتكوتة اللى قدامى.


.. وما تنساش كمان إن الكتكوتة دى هيه سارة برنار الشرق فى المرسح.


.. ويضحك كمال:


نقطة تانية قبل ما نمضى العقد.. أنا عارف إنك موش مهتمة بالماديات لأن ميزانية الفيلم محدودة جدا.


.. وبلهجة حزينة.. زى ما يكونوا متوقعين أنه هايفشل وموش هايجب إيراد.


وقاطعته .. ها اقبض كام.


- 160 جنيه.


- موافقة.. هات العقد


- ودلوقت نحدد مواعيد الجلسات عشان تستوعبى الدور.


وتتعدد اللقاءات اللى طالت عن اللزوم وبإحساس الأنثى اللى جوايا حسيت إن الفيلم والدور والجلسات دى كلها كان وراها.. حكاية حب.. لكن أنا عملت روحى عبيطة وموش فاهمة.. موش كفاية جلسات يا أستاذ كمال خصوصا أن الدور سهل وموش محتاج..


ويقاطعنى كمال: عندك حق.. وكان صوته مليان آسف وحزن.


وابتدينا تصوير.. وبعد التصوير كان ياخدنى يفرجنى ع الاستديو ويسمعنى عبارات غزل رقيقة..


كنا بناكل فى الاستراحة م التصوير آكلات بسيطة .. سميط ودقة وجبنة رومى وفول وطعمية.. لكن بالنسبة لى مع كمال كانت أشهى م الكباب والكفتة.


....


المهم انتهى التصوير والفيلم اتعرض فى سينما ستديو مصر ونجح نجاح باهر.. واتذكر أن الناقد والمؤرخ السينمائى الفرنسى «جورج سارول» اللى قال عنه إن الفيلم ده نقل البيئة المصرية المحلية للعالم كله.


.. وبفخر تكمل .. واعتبروه من أهم 100 فيلم فى العالم وقتها ...


.. فاطمة .. تتجوزينى


- كده خبط لزق؟


- إنتى عارفة أنا باحبك أد إيه


- عارفة لكن إحنا ما ننفعش لبعض


- عشان ظروفى المادية.. لكن أوعدك أنى هااستقيل من وظيفتى فى استديو مصر واشتغل لحسابى الخاص.. أنا أتولدت بفضلك فى العزيمة ولازم أكبر وتكبرى معايا.


و.. وافقت مبدئيا من غير وعد صريح.. مجرد أمل - بعدها اتحول كمال لشخصية ثانية،إنسان غيور بشكل فظيع.


بتكلمى مين.. بتضحكى لفلان ده ليه.. أوعى تشتغلى مع حد غيرى.. بوكيه الورد ده تعرفى صاحبه.


المهم.. صاحب كازينو مشهور فى اسكندرية حضر ومعاه عزيز عيد «زوجى سابقاً» وعرض عليه تقديم مسرحية فصل واحد فى الكازينو بتاعه.. وافقت لكن كمال اتجنن والسبب.. عزيز عيد.


- لكن ده قبل ما يكون جوزى السابق فنان كبير.


- ولو


- وركبنى العناد وابتديت نشاط ضخم فى عدد كبير من الكازينوهات.


- لكن السينما.


- السينما فيها عيب كبير.. أن الجمهور بعيد عنك ما يربطوش بيك غير شاشة لكن المرسح!.. بيشوف الجمهور والجمهور كمان بيشوفك.. تحس بالهتافات والتصفيق وحتى كلمات الاعجاب والغزل.


.. كنت آد إيه محتاجة لده كله.


.. ونجحت نجاح مروع وده جنن كتير من المنافسين وهات يانقد وهجوم وشتايم.


- شتايم!


- وما هو الفن.. لكن ولا همنى ده كله


.. وتصمت فجأة..


محمد فوزى ...


- ....


- فى كازينو «مونت كارلو» في الاسكندرية.. صاحب الكازينو - وكان ايطالى موش فاكرة اسمه قدم لى شاب يلحن الأغانى اللى ها أغنيها فى الاستعراض اسمه «محمد الحوّ».


ولحن لى «محمد» عدد كبير من الأغانى.


- فاكرة منها حاجة.


- يوم ما قلت أنك مسافر ع الحدود ياحبيبى.


- تغنى فاطمة أمام جمهور المقهى اللى كنا نجلس بداخله:


يامصر حبك ألهمنى/ انشد وأقول فيكى أمانى


يا اللى الفؤاد يبكى هو سنى / ياواخدة روحى ووجدانى


....


والمهم تفتكر مين اللى كان بيكتب الأغانى ده


- مين


- الممثل زكى إبراهيم


معلومة:


من أصل تركى.. مثل حوالى 45 فيلماً وكان دائما يودى أدوار الشيخوخة.. .من أهم أفلامه:


«سلفنى 3 جنيه، شاطىء الغرام، أمير الانتقام، رسالة غرام، قطار الليل، لحن الوفاء، بورسعيد، سوق السلاح».


.. أما آخر أفلامه فيلم «العبيط 1965».


وقد غادر الدنيا عام 1971.


...


المهم.. كمال سليم حس إنى لا يمكن اتخللى عن الفنان عزيز عيد .. يعمل إيه.. عرض على عزيز أنه يشتغل معاه ف فيلم إلى الأبد..


وهنا ليه ملحوظة عن تأثير الحب.. بعد العزيمة كمال سليم ما أخرجش فيلم زيه والسبب؟ ... الحب


المهم - كان حفظ الألحان اللى بأغنيها فى الكازينو - لازم له جلسات طويلة مع الملحن الشاب الجديد وقتها محمد فوزى واللى تنبأت له أنه هايكون ملحن ومطرب كبير.. وده اللى حصل.


معلومة:


ولد فى 15/8/1918 بقرية كفر الجندى مركز طنطا تخرج فى معهد الموسيقى العربية وتزوج ثلاث مرات - الأولى من خارج الوسط وله منها 3 أبناء المهندس نبيل، د. منير، المهندس سمير، والثانية الفنانة مديحة يسرى وجاب منها عمرو والثالثة كريمة فاتنة المعادى.. وله شقيقة فنانة شهيرة «هدى سلطان».. له حوالى 300 فيلم.. وقام بتلحين حوالى 400 أغنية - ولحن للأطفال أشهر لحن لايزال «علامة» فى أغانى الأطفال حتى الآن «ذهب الليل» .. وقد توفى فى 20/10/1966.


مجموعة من الصحفيين الأجانب


.. هكذا قفزت فاطمة بالحديث


- ما لهم


- طلبوا مقابلتى وهات يا أسئلة بالأنجليزى طبعا وأنا ضربت لخمة.. كنت أعرف طبعا جود مورننج وسانك يو.. وطبعا «أى لف يو»!


.. لكن اللى أنقذ الموقف أديب ومؤلف كبير مافيش داعى أذكر اسمه.. وحكاية حب جديدة ونهايتها معروفة.


....


لكن اللى أنا فاكراه وباحس بمرارة لما أفتكره.. فيلم «إلى الأبد» لكمال سليم.


الفيلم من إنتاج 1941 - إنتاج ستديو مصر تمثيل فاطمة رشدى، راقية إبراهيم، سليمان نجيب، عزيز عيد.


وعشان كمال كان عايز يكسبنى بأى شكل - اختار عزيز عيد يمثل دور عربجى حنطور لكن لما شاف أد إيه كنا قريبين من بعض أنا وعزيز ابتدا يهاجمه.


- إيه اللى بتعمله ده يا أستاذ.. ده موش تمثيل.. أنت يظهر موش فاهم الدور ومالكش فى السينما...


حسيت أنه بيهينه وده فنان كبير وقيمة عظيمة أزاى يتهان بالشكل ده.. حاولت أوقفه عند حده فشلت.


.. سبت الاستديو وصممت أخرج من حياة كمال للأبد:


- إنتى فاكرة نفسك مين؟: .. ياما بنات أحلى منك وأجمل وبنات عائلات بصحيح يتمنوا نظرة منى.


- خلاص روح لهم وسيبنى ف حالى.


- إنتى لو سبتينى ها أقتلك فاهمة.. ثم أنا عارف كل مغامراتك وحكايات حبك الفاشلة:


- دول معجبين بفنى.


- فنك هااه هااه هااه.. إنتى ست.. أنتى.. مرغوبة وأنا موش مغفل.. أنا لو مت هاتكونى السبب ف موتى لكن قبل ما أموت ها أقتلك.


.. كان حوار هستيرى.. وكنت شايفة معاه مسدس خفت طبعا وعلى فكرة.. كمال ده كان له معجبات كتار من الطبقة الراقية لكن .. همه مجرد بنات ولا ستات لكن أنا.


وترفع رأسها بفخر... الفنانة العظيمة فاطمة رشدى.


بعدها عملنا جولات فى السودان والقدس...


وتصمت فجأة


فندق الملك داود


- ماله ..


- ده الفندق اللى نزلت فيه قبلى فى نفس الجناح بتاعى الملكة نازلى.. وأسمهان.. المهم بعد ما خدت حمام ورقدت على سرير عمرى ما نمت علي سرير زيه.. سمعت طلقات رصاص.. قمت مفزوعة.. إيه اللى حصل.


.. معركة ضخمة بين اليهود وأهالى القدس.


وطبعاً ياروح ما بعدك روح.. لمينا هدومنا وسافرنا فى الفجر..


ورحلة جديدة فى حياتى بطلها.. «يوسف بيه» .. لكن أنا حكيت عنه كتير قبل كده.. المهم.. مثلت ف عدد كبير من الأفلام «مدينة الغجر، غرام الشيوخ، الريف الحزين، بنات الريف».


وتصمت فاطمة:


.. ياااه.. كأن اللى فات ده كله مجرد أحلام.. اتولدت .. تعبت واستريحت .. وقت الفقر والغنى.. اتحبيت وحبت.. اشتهرت.. لفيت الدنيا.


«تبكى فى صمت» وكبرت وعجزت وانتهيت وصبحت مجرد ذكريات وشريط سينما بيمر قدام عينى وعلى رأى يوسف بيه ما الدينا إلا مسرح كبير...


.. و بعدها تغلق «البلوك نوت» الذى كنت أسجل فيه أحاديثها..


- يحيى.. كفاية.. ده اللى أقدر أحكيه - لكن حياتى ماليانة تفاصيل وشخصيات موش عايزة أسبب لهم حرج.


.. أخرجت منديلى لتستخدمه فى مسح دموعها.


- لأ.. المنديل يعنى فراق.. إيه رأيك لو نلف سوا على المسارح القديمة اللى معظمها اتقفل أو اتهد..


.. وهذا ما حدث


بعدها بشهور «23 يناير 1996» ترحل الإنسانة الفنانة التى لم تتكرر - فاطمة رشدى وحين أشاهد فيلم «العزيمة» على شاشة الـ «t.v- اتذكرها - وأعترف أننى لم أكتب كل ما حكته لى واستحلفتنى ألا أنشره.. وهذا ما فعلت.. إن ما لم تذكره فاطمة كان أقرب للاعترافات التى يقولها البعض منا بلا وعى..


وها أنا - ياست فاطمة ألتزم بوعدى لك.


.. فاطمة رشدى وحياة حافلة ولدت.. عاشت.. رحلت ولم يبق منها سوى فنها الرائع..