كلمات نجم الأخيرة ..

01/12/2014 - 10:29:46

غلاف الكتاب الصادر حديثا غلاف الكتاب الصادر حديثا

كتب - أحمد النجمي

«بابا .. إنت مت بصحيح ؟


مر علي الحادث الذي وقع وقيل علي أثره إنك رحلت مايزيد علي عام ، وبعد لا أستوعب، بل إنني لم أحزن لأنني لا أشعر بأنك تغيبت . طيب يا بابا ، سوف أروي لك ماحدث وأنت تفصل في الأمر ..!»


هكذا جاءت بضعة سطور من مقال كتبته «نوارة» لأبيها .. فإن ذكرت «نوارة» فهي هذه (الثورجية) الشهيرة ، المشتعلة بالوطنية ، التي يعرفها الناس من خلال (الميدان) والشاشات الفضائية ، أما إذا ذكر (بابا) في هذا السياق فهو الشاعر الكبير والفنان والمثقف الأشهر الراحل (أحمد فؤاد نجم) .. أما المقال الذي كتبته نوارة نجم في رثاء والدها الذي تقترب ذكراه السنوية الأولي - ديسمبر المقبل - فقد جاء في سياق كتاب زميلنا «عادل سعد» ، الكاتب الصحفي .. ومدير تحرير «المصور» ، كتابه الأول الذي صدر قبل أيام تحت عنوان «كلمات أحمد فؤاد نجم الأخيرة» ... الذي صدر قبل حلول الذكري الأولي لرحيل نجم بأسبوعين اثنين فقط.


ما أكثر الكتب التي ألفها الكتاب في سير ذاتية لمشاهير الراحلين، هذه (عملة رابحة) بالضرورة في سوق الكتاب، فأنت حين تسجل بقلمك كتاباً عن فلان أو علان، تضمن - علي الأقل - أن محبيه سيشترونه، فإن كان محبوه بالملايين، ضمنت توزيع آلاف النسخ التي ستطبعها دار النشر حول هذه الشخصية المرموقة، الكاتب رابح ودار النشر رابحة، وينسحب هذا المنطق - أيضاً - علي كتب السيرة الذاتية التي يسجلها أصحابها بأقلامهم، خلال حياتهم..!


لكن كتاب الزميل «عادل سعد» خارج هذه الحسابات.. فهو - طبعاً - ليس مذكرات نجم التي سجلها بقلمه، وهو أيضاً ليس سرداً لقصة حياة نجم بقلم عادل سعد، إنه - إن جاز التعبير - «دفقة» عاطفية من قلب عادل سعد، تجاه هذا الرجل النبيل، أحمد فؤاد نجم، حروف الكتاب حبرها المحبة، والأغرب أن من يقرؤها لايصل إلي متعة القراءة الحقة، إلا إذا كان محباً لنجم أيضاً..! هذا كتاب محبة، امتلأ بها قلب الكاتب، وعلي القاريء - وهو يستعد للقراءة - أن يكون محباً لنجم، مثل مؤلف الكتاب، وإلا فلن يستمتع به.


ولما كنت من محبي نجم، جالسته كثيراً منذ جلستي الأولي إليه (ربيع 1998) حتي قبيل وفاته ببضعة أشهر.. فضلاً عن قراءاتي لأشعاره وغوصي في محبتها، سواء مطبوعة أو مغناة، فقد قرأت كتاب عادل سعد كله في يوم واحد فقط.. علي الرغم من أنه من القطع المتوسط وصفحاته تزيد علي 210 صفحات، لكنها تأخذك سريعاً إلي عالم نجم، ذلك العالم شديد النقاء، الذي يسوده منطق (الفن) وحده، ذلك الفن النابع من قلب ينبض بحب عميق لهذا الوطن..!


الكتاب - لأن نبضه المحبة، والمحبة لا قانون لها - يقفز بك من مساحة إلي مساحة أخري بلا قانون، إلا قانون نجم نفسه.. نجح عادل سعد في أن يفكر بطريقة نجم وهو يكتب عنه، تقمص شخصيته، واقتبس عقله، فجاءت فصول الكتاب في شكل قصص وحكايات، وعم نجم لمن لايعرف كان حكاءً عظيماً، بعض هذه الحكايات لايعرفها إلا قلائل، وبعضها معروف لكنه في «ركن المنسيات»، مثل (مايطلبه المستمعون)، أغنيات قد تسقط مؤقتا من الذاكرة، فتعود إليك عبر هذا البرنامج.. وبعض هذه الحكايات تقرؤها لأول مرة..! ومفتتح هذا الكتاب بقلم إحدي زوجات نجم وأشهرهن - الكاتبة الكبيرة صافي ناز كاظم - وختامه بقلم إحدي بنات نجم وأشهرهن أيضا الناشطة السياسية «نوارة نجم».. وبين صافي ناز ومقالها، وابنتها نوارة ومقالها، تنساب فصول هذا الكتاب، رافضة أي منطق سوي منطق الفن ذاته، منطق (الفوضي المنظمة)، أعتقد أن عادل سعد استوحي هذا المنطق من شخصية نجم نفسه، فجاء الكتاب مشابهاً لشخصية صاحب الموضوع... أحمد فؤاد نجم !


يستهل عادل سعد كتابه بفصل مهم عن الستينيات وثورة الشعر التي انفجرت فيها.. استعرض فيه بإيجاز تجارب «نجيب سرور» و«أمل دنقل»، ثم جاء الدور علي «أحمد فؤاد نجم»، فيقول (.. ومن بين المعدمين علا صوت هجاء العامية أحمد فؤاد نجم، ليسب آباء وأمهات كل الذين أهانوا مصر وباعوها، وينفجر غضباًً ضد كل اللصوص..) ويذكر عادل سعد جزءاً في هذا السياق من أبدع مانظمه نجم (.. يعيش التنابلة في حي الزمالك، وحي الزمالك مسالك مسالك، تحاول تقرب تهوب هناك، تودر حياتك بلاش المهالك، لذلك إذا عزت توصف حياتهم، تقول الحياة عندنا مش كذلك، وممكن يصادفوك في وسط المدينة، إذا مر جنبك أتومبيل سفينة، قفاهم عجينة.. كروشهم سمينة، جلودهم بتضوي.. دماغهم تخينة، سننانهم مبارد تفوت في الجليد، مافيش سخن بارد بياكلوا الحديد....).


ويحصي عادل سعد السنوات التي قضاها نجم في السجن، 18 عاماً علي فترات متقطعة، وبحسبة بسيطة تكتشف أن نجم - الذي توفي عن 84 عاماً - عاش نحو (خمس) عمره - بضم الخاء - في السجون.. ومنذ ولد (من رحم أم أنجبت 17 بطناً، مات منهم 11 طفلاً، وبقي 6 أطفال، وضاع في الشوارع واحد وتبقي خمسة)، هام نجم علي وجهه، فكانت حياته (صراعاً) مع الحياة في حقيقتها، ولم تكن حياة عادية، من تلك التي نحياها بين نعيم وشقاء.. كانت حياة نجم شقاء في معظمها، ولم يكن يطمئن إلي أوقات الراحة والهدوء فيها.


وبعد الفصل الذي يحصي فيه سعد أهم محطات حياة عم نجم، الذي عرفه لأكثر من عشرين عاماً، ينتقل إلي جزء أكثر خطورة في كتابه، الفصل الثاني.. مذكرات الفاجومي، وقد يحسب القاريء أنها تلك المذكرات التي سجلها نجم في جزءين في التسعينيات، ولاقت رواجاً هائلاً، حتي سماه بعضهم بـ «الفاجومي» عوضا عن (نجم)، لكن كان ثمة جزء ثالث من هذه المذكرات لم ينشر بعد في المذكرات التي تم نشرها كان أحمد فؤاد نجم قد توقف عند ذكريات طفولته.. في قريته بالشرقية، وسنوات شبابه، واعتقاله، لكن المرحلة التي تلت ذلك لم يكن قد كتب عنها نجم شيئاً.. يقول عادل سعد في كتابه «.. نجحنا في جريدة «الصباح» في إصدارها اليومي في إقناع عم أحمد - يقصد أحمد فؤاد نجم - بأن يكتب الجزء الثالث من الفاجومي، عن الأحياء والموتي من المثقفين، الذين تقابل معهم في دروب العاصمة، للأسف لم تستمر المذكرات سوي ست حلقات، وتوقفت، وكانت القاهرة وقتها تغلي علي مراجل الثورة عقب استيلاء الإخوان علي الحكم..» ويمضي عادل في سطوره ليكتب واقعة طريفة، هي أن «الساعي» الذي كانت الصحيفة ترسله لجلب المقال من نجم وقع في غرام الشاعر الكبير، وأعلن أنه الوحيد الذي سيذهب لإحضار مقالاته، وكان أحياناً يجلس ليستمع لعم أحمد وينسي المقال، كما يذكر عادل واقعة أقـدم.. حـين كـان مكلفاً باستكتاب نجم 30 حلقة لصالح جريدة «الاتحاد» الإماراتية، يقول عادل.. «كنت أحياناً أذهب إليه منهاراً، لأنه نسي أن يكتب وليس أمامنا سوي ثلاث ساعات للحاق بالمطبعة، فيمسك بورقة ويكتب، وخلال ربع ساعة أحملها لأطير للجريدة، وأنا أقسم بأن أمزقها، لأن كل ما فيها بالتأكيد كلام فارغ، لكن وبمجرد جمع المقال وجلوسي لمراجعته، أكتشف أن عم أحمد أهداني مقالاً مدهشاً، وأن المقال بلا غلطة..».


وتمضي الحلقات الست التي يوردها عادل سعد في كتابه من «الفاجومي - 3»، وهي تنشر في كتاب لأول مرة، وذاكرة الكتب أبقي من ذاكرة الصحف.. ليستعرض فيها نجم صفحات من حياته لاسيما في السجن، بروح نقية طيبة، وبرواية تأخذك سريعاً بين صفحاتها، تجعلك تتساءل: لماذا لم يتحول نجم إلي كتابة الرواية، أو علي الأقل.. لماذا لم يكتب الرواية إلي جانب شعر العامية؟ لقد كان حكاءً فريداً..!


ثم يأتي الفصل الثالث من الكتاب، وهو عبارة عن 28 حلقة كتبها نجم في رمضان2011، لجريدة الاتحاد الإماراتية - تلك التي ذكرناها في السطور السابقة - ويقول عادل سعد إن الحلقات التي كانت علي وجه التحديد «28 حلقة»، كان يحرص علي الحصول عليها يومياً، تكشف بوضوح طبيعة العلاقة بين الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، وتنطوي علي رأي الشيخ إمام - رفيق درب نجم، وملحن كثير من أشعاره، ومغنيها أيضاً - في أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وفتحية أحمد والشيوخ درويش الحريري وعلي محمود وزكريا أحمد والشيخ الجليل محمد رفعت، وتبتعد هذه الحلقات قليلاً عن السياسة، لكنها «ترسم بانوراما لمنطقة حوش قدم وما يجاورها من حوار وأزقة في القاهرة المملوكية ومن عاشوا في هذه الأماكن في فترة السبعينيات وساهموا بشكل أو بآخر في تشكيل وجدان هذا الوطن وظاهرة نجم والشيخ إمام..».


الكيان الفني نجم - إمام، ليس فقط موضوع الفصل الثالث وما يتضمنه من الحلقات الثماني والعشرين التي كتبها نجم للاتحاد الإماراتية، لكن هذا الكيان كان موضوع المقال الذي افتتح به عادل سعد كتابه، بقلم الكاتبة الكبيرة «صافي ناز كاظم»، وهي إلي جانب كونها زوجة سابقة لنجم، ناقدة من طراز فريد للفن والأدب.. تقول صافي ناز «.. الشيخ إمام يعني المكمل والمتكامل مع الشاعر أحمد فؤاد نجم، وهما معاً: أروع كيان فني عبر أدق تعبير عن رؤية النبض الشعبي، وواكب مشاعره، وردود أفعاله، فأصبح بصدقه وأصالته المتميزة من مفاخرنا القومية في الإبداع والوطنية..»!


وبعد الفصول الثلاثة يختتم عادل سعد كتابه بمقال «يوم الأربعاء» لنوارة نجم، ذلك الذي اجتزأنا منه عبارة في مقدمة هذا المقال، نوارة كاتبة ذات قلم فريد، تقول في مقالها عن موت أبيها «.. مقلب بايخ يابابا، في كل المرات السابقة كنت تصاب بجلطات ووعكات صحية وكنت أذهب إليك ونصطحبك إلي الطبيب، وأحاول أنا وأم زينب عبثاً أن نمنع عنك السجائر التي كنت تدخنها في العناية المركزة، حتي بلغ بك الأمر أن قلت لأم زينب: وانت مالك انت أدخن ولا ما أدخنش؟ فأجابتك: أنا مراتك.. فقلت أنت: ولا اعرفك.. إنت طالق ثم أشعلت سيجارة، ورددتها بعد أن أطفأت السيجارة.. قالت أم زينب للطبيب: ده رمي عليا يمين يا دكتور.. فأجابها الطبيب: وده يجوز له أيمانات؟ واحد بيدخن في العناية المركزة ويعاكس الممرضات.. وكل واحدة فيهم تخرج فطسانة علي روحها من الضحك.. المفروض إن ده طبيعي..؟»!


لعل هذه الفقرة تكشف لك أيها القارئ الكريم طبيعة شخصية نجم، تلك التي انعسكت بالضرورة علي شعره، لم يكن الرجل عبثياً ولا بوهيمياً، كما يحب البعض أن يختصر شخصيته، وهو اختصار مخل، كان مستمسكا بالحياة، يضحك، يعاكس الممرضات، يدخن السيجارة، كل هذا لم يكن مقصوداً في ذاته عنده، لكنه كان يمثل أبجدية الحياة.. تلك التي يتجاور فيها الضحك والجمال والمزاج الخاص.. ليخفف - كل ذلك معاً - من آلام الحياة المبرحة، بهذه الروح يأتي كتاب عادل سعد الذي انضم إلي المكتبة المصرية والعربية أخيراً، ومن هنا تأتي جدارته بالقراءة..