شبابيــك.. الناجــــــــى

01/12/2014 - 10:27:23

محمد ناجى محمد ناجى

كتب - يوسف القعيد

لم أكن أدرى أنه سيصبح الاتصال التليفونى الأخير. ولكن هذا ما جرى. كان محمد ناجى فى الأهرام. وكنت فى الأهرام. وقال لى محمد الشاذلى رئيس مركز الأهرام للترجمة والنشر أن ناجى سيحضر إليه ليوقع عقد نشر روايته الجديدة: قيس ولبنى. التى نشرت مسلسله فى جريدة التحرير. وأنها ستصدر فى كتاب عن المركز بالأهرام. وأن ناجى يهمه أن يرانى فى هذه المناسبة.


محمد الشاذلى يعيش نشوتين. ولايته لمركز الأهرام للنشر والترجمة. لكن أهم من ذلك ألف مرة صدور روايته الجديدة: عشرة طاولة. التى نشرها له محمد رشاد كجزء من رهانه على الأصوات الأدبية الجديدة فى الإبداع الروائى والشعرى. بل وامتد نشاطه مؤخراً للإبداع النقدى بنشره كتاباً جديداً للدكتورة أمانى فؤاد عنوانه: الرواية وتحرير المجتمع. ورواية محمد الشاذلى ليست الأولى ولا أعتقد أبداً أنها ستكون الأخيرة.


لكن ظروفاً متداخلة ومعقدة جعلتنى أضطر للعودة لمنزلى بأسرع ما يمكن. واكتفيت بالاتصال بمحمد الشاذلى الذى أوصلنى بمحمد ناجى. وتبادلنا بعض الكلمات العابرة. سألته متى سيعود لباريس؟ قال لى بعد يومين أو ثلاثة. لكنه سيحاول مد أجل العودة أكثر لكى يرانا ويتابع مصرنا عن قرب قبل أن يعود إلى باريس لاستكمال علاجه.


قال لى ناجى إننا نسكن معاً فى مدينة نصر. ومن الممكن أن نلتقى هناك. وأن رقم تليفونى معه. ورقم تليفونه معى. وسنتواصل. كانت كلمة سنتواصل آخر ما سمعته منه. لكنه لم يستطع مد أجل إقامته فى مصر وعاد على وجه السرعة وبقى اللقاء معلقاً فى سماء بلادنا وما أكثر المعلقات فيها.


عرفت محمد ناجى عندما أصدر روايته الأولى: خافية قمر. التى صدرت عن دار الهلال سنة 1994. أى قبل عشرين عاماً مضت. وفى نفس العام صدرت روايته التى قال لى إنه كتبها أولاً: لحن الصباح. لكن لحن الصباح ظلمت فى ظروف نشرها الأولى وظلت شهادة ميلاد محمد ناجى الأدبية خافية قمر.


كان سلطان الواقعية قد استهوانا جميعاً. وكان بعضنا - وأنا واحد منهم - يكتب وعينه على الجماهير. والهم العام الذى يحرك الناس. ويتحرك قلمه محملاً بعبء اجتماعى. ولم تكن أحوال الكتابة فى مصر قد تبدلت وتغيرت مثلما رأيناها الآن. لكن خافية قمر جاءت لتقدم وهجاً للواقعية لا يأخذ منها التعبير عن الواقع. لكنه يضيف إليها الكثير. مما جاء إلينا من أمريكا اللاتينية تحت مسمى: الواقعية السحرية. مع أن أمريكا اللاتينية اتخذتها منا بالتحديد من ألف ليلة وليلة بعد ترجمتها إلى الإسبانية وأعادت تصديرها إلينا. فنظرنا إليها باعتبارها واقعية مستوردة انطلاقاً من عقدة الخواجة. فكل منا ينظر للعمل المترجم باهتمام أكثر مما ينظر به إلى العمل المؤلف.


كانت الرواية الثانية التى أقرأها له هى: رجل أبلة، امرأة تافهة. وقدم فيها السرد الدائرى الذى يبتعد عن فكرة السرد الذى يتحرك على شكل خط مستقيم بين نقطتين. وخلال هذا التحرك ثمة مفاجآت وإيماء إلى نهايات تضمن للكاتب متابعة القارئ له وعدم انصرافه عن القراءة مهما كانت المغريات.


كانت رواية شخصيات فيها بطل وبطلة. مما نشاهدهم فى الواقع النخبوى المصرى أو الثقافى المصرى. أو القاهرى المصرى. لكن محمد ناجى حفر كثيراً جداً فى أعماق الشخصيتين. ودخل تحت جلدهما. وحاول أن يقدم وجهين من رحلة التعب المصرى الطويلة. التى لا نعرف متى بدأت ولا نجرؤ أن نسأل أنفسنا: ومتى تنتهى؟. ويبدو أنها لن تنتهى. وأن حياتنا يمكن أن تنتهى قبل أن نصل إلى مثل هذه النهاية.


كنت فى زيارة لصديقنا القاص: سعيد الكفراوى. والذى يكتب فى روايته الأولى منذ سنوات ولم يتمها: بيته بيتنا ومكتبته مكتبتنا جميعاً. وعندما يقرأ نصاً يعجبه. تشعر أنه يريد من الناس كلها أن تقرأ النص لتستمتع بما استمتع به هو. فى هذه الزيارة اكتشفت أن محمد ناجى يسكن فى الشقة المقابلة لشقته. لم يكن سعيد الكفراوى قد انتقل بعد ليسكن فى المقطم. وأنا أحسد سعيد الكفراوى على هذه القدرة على الانتقال من مكان لآخر. مع أننى أرى ذلك من رابع المستحيلات. عرفت سعيد الكفراوى بعد عودته من تغريبته العربية. وكان يسكن على أطراف القاهرة. ثم انتقل إلى مدينة نصر. وسرعان ما تركها إلى المقطم.


ثم ذهبت مع ناجى أكثر من مرة إلى معرض القاهرة الدولى للكتاب. لاحظت عليه أنه لا يتكلم إلا عما يعرفه جيداً. وأن كلماته قليلة. وصمته أطول. وعندما استعدت ما سبق أن قرأته له قبل أن أعرفه. وما قرأت له بعد معرفته. اكتشفت أنه روائى لا يحركه للكتابة إلا ما يعرفه عن الدنيا. وأنه من المستحيل عليه أن يكتب عن تجربة استمع إليها من الآخرين. أو قرأ عنها خلال قراءاته. لكن المعرفة ربما المعاناة هى الأساس الجوهرى الذى يحركه للكتابة.


كما يحدث دائماً. وما إن أبلغنى المحرر الشاب مهند الصبَّاغ برحيل محمد ناجى. حتى اتجهت أبحث عن ديوان شعرى وحيد له. كتبه فى مطلع حياته فى بدايته الأولى. ثم نشر مؤخراً بعد أن دهمه المرض. ولكن مثل كل مكتباتنا جميعاً عندما تبحث عن كتاب لا تجده. وإن نجحت فى نسيانه سيخرج فى يدك دون أن تبحث عنه. لكن بدايات محمد ناجى بكتابة الشعر مكنته من هذا الصفاء اللغوى الذى نجده فى سرده. فلغته مصفاه من المبالغات ومن الأوصاف الكثيرة ومن ترهلات المفردات التى تملأ كثيراً مما نقرأه من السرد العربى الآن.


إن شعرية السرد. والسرد الذى يجنح نحو الشعرية أمر يتطلب الاهتمام من النقاد. ومن الحركة النقدية المصرية. وإن كنت أعتقد أن الحركة النقدية المغربية قد أولت هذا الأمر اهتماماً أكبر بكثير مما أوليناه نحن لها. فقد استفاد ناجى كثيراً جداً من كونه بدأ شاعراً. وبعد ديوان وحيد اتجه لكتابة النثر الذى خرج للدنيا نثراً شعرياً. حتى لو لم يقصد محمد ناجى ذلك.


ثم داهمه المرض الخطير. ولن أستعرض كثيراً فى هذا الأمر. لأنه كثيراً ما لجأ إلىَّ. وكثيراً أيضاً ما حاولت مساعدته إما بشكل مباشر أو عبر أصدقاء كلمونى عنه. ولأنى لا أحب الاستفاضة فى هذا الأمر. فأكتفى بالقول أن الكبد المصرى سيظل محنة المصريين جميعاً وليس محمد ناجى وحده. ويكفى أن أكتب الآن أن تجربة محمد ناجى الروائية تستحق أن نتوقف أمامها ونتاجه الأدبى يجب أن يتوفر للأجيال الجديدة لكى يقرأ نصه الروائى فى غيبته. بعد أن قرىء بشكل جيد فى حضوره.