نرجوك ياصاحب عزازيل .. أن تعود .. المواطن السابق .. يوسف زيدان!

01/12/2014 - 10:12:29

يوسف زيدان يوسف زيدان

كتب - أحمد النجمى

أصدر بيانا! نفض يديه من كل ما يمكن أن يشتبك معه، وسجل على حسابه الرسمى فى «فيس بوك» الإثنين قبل الماضى» اعتباراً من هذه الليلة .. سأتوقف عن أى فعل وتفاعل ثقافى فى مصر والبلاد العربية.. ثم قدم استقالته من مكتبة الإسكندرية، واستقالته - أيضاً - من اتحاد الكتاب! هكذا رمى الأديب والكاتب والمثقف المعروف «يوسف زيدان» بحجر فى بحيرة الماء الآسنة، ليصنع دوامة تصور أنها كبيرة، لكن الماء سرعان ما استرد ركوده مجدداً، لعله ينتظر دوامة أكبر، على الرغم من أن دوامة «زيدان» هى الأولى من نوعها، فى تاريخ الثقافة المصرية!


سبق أن قدم مثقفون مصريون استقالاتهم من مواقع عملهم، احتجاجاً على مواقف سياسية أو اتجاهات فكرية، تحكم أماكن عملهم.. سبق أيضاً أن وقع مثقفون مصريون بيانات جماعية، لاتخاذ مواقف حاسمة تجاه قضايا بعينها.. لكن لم يسبق لمثقف مصرى أن أعلن اعتزاله العمل الثقافى برمته.


أتذكر الآن مصطلحاً صكه المثقف والكاتب الكبير د. شكرى عياد - رحمةالله عليه - عن «الفساد الثقافى»، قبل نحو 20 عاماً.. عاودنى هذا المصطلح وأنا أطالع أنباء انسحاب زيدان من الحياة الثقافية، وعدم اكتفائه بالاستقالة من موقعه فى مكتبة الإسكندرية - التى يعمل فيها منذ إنشائها كواحد من أهم الباحثين المختصين بالوثائق التراثية - والاستقالة من اتحاد الكتاب.


الفساد الثقافى - وله وجوه كثيرة، بدءاً من المساومات الصغيرة إلى قضايا فساد حقيقية - لا يقتصر على المؤسسة الثقافية الرسمية - أجهزة وقطاعات وزارة الثقافة - وإنما يتمدد إلى المحيط الثقافى كله، دور النشر الخاصة، معارض الفن التشكيلى، وغيرها من «المرافق» الثقافية، الفساد هنا يدور حول المال، لا نقصد به فساد الأخلاق بمفاهيمها الشرقية، لكننا نتحدث عن انهيار ضمائر، لا نتكلم أيضاً عن ضمائر المثقفين جميعاً، ولا نعمم فى إصدار الأحكام، فثمة مثقفون قابضون على الجمر، ربما يشكلون قطاعاً كبيراً، يعانى عواقب «الشرف»، لكننا بصدد «مسئولين» عن الثقافة سواء تلك التى تنتجها الدولة أو التى ينتجها القطاع الخاص.


هذا الفساد الذى تكلم عنه شكرى عياد قبل 20 عاماً، أذكر أنه كان ينوى إصدار مجلة وتحاربه وتفضحه، لكن الإمكانيات المالية وقفت ضد هذا المشروع، ولم يظهر مشروع مماثل.. ونسى المثقف المصرى هذه الإشكالية - برمتها - لاسيما أن الثقافة ظلت فى حالة «حرب وجود»، سواء فى ظل نظام «مبارك» الذى كان معنياً بإسكات المثقفين أكثر من الإفادة من دورهم، ثم نظام «مرسى والمحظورة» الذى كان معنياً بتكفير المثقفين و «أخونة» الثقافة.. خمدت تلك النيران التى شبت فى ثياب الثقافة، توشك أن تلتهم جسدها، وتولى الحقيبة الثقافية مثقف من طراز رفيع هو الدكتور «جابر عصفور».


غير أن تولى د. عصفور وتعيينه لقيادات جديدة مشهود لها بالكفاءة والنزاهة والفاعلية الثقافية فى مواقع ثقافية رئيسية - كالدكتور محمد عفيفى في المجلس الأعلى للثقافة، وأحمد مجاهد فى هيئة الكتاب، وسيد خطاب فى قصور الثقافة، وحلمى النمنم فى دار الكتب - جميع هذه الأسماء وما تمثله من تاريخ ثقافى، ومواقف وطنية أيضاً.. لم ينه الفساد فى أجهزة الوزارة، الأمر يحتاج إلى وقت وجهد وتخطيط، لكن الأخطر أن تظل أسماء فاسدة فى مواقع ثقافية حساسة.


اشتعلت المعركة مجدداً، أسفرت عن انسحاب يوسف زيدان من المشهد الثقافى برمته .. قال زيدان فى حسابه على الفيس بوك استكمالاً لما ذكرناه منها والذى نشره على الموقع الأشهر قبل نحو عشرة أيام «.. لن أشارك من الآن فصاعداً، فى أى حدث عام، ثقافى أو غير ثقافى، فى مصر أو فى غيرها».


لماذا؟ .. لأن الدكتور جابر عصفور - كما كتب زيدان - قال منذ عامين فى صحف معروفة كلاماً صريحاً حول سراج الدين «ومع ذلك أصدر عصفور قراراً - فور توليه وزارة الثقافية - يضم هذا الذى وصفه بالكذاب، لعضوية المجلس الأعلى للثقافة..» وأضاف زيدان « الآن .. يصدر رئيس الوزراء قراره هذا المنشور فى كل الصحف، لتكريم المذكور «يقصد سراج الدين» بمنصب المستشار الثقافى لرئيس مجلس الوزراء.. مضى زيدان ليؤكد في نهاية بيانه «أنه لا فائدة ترجى من أى جهد ثقافى يبذل فى هذا الوطن.


الفعل العكسى.. هو ما قام به زيدان.. فإن كان متأكداً من الفساد، فلماذا لا يحاربه؟ لماذا لا يبقى فى موقعه ويكشفه بالمستندات للرأى العام، الأغرب موقفه من اتحاد كتاب مصر، الذى أدانه زيدان فى نص استقالته وعدد الأسباب فى هذه الإدانة، فذكر منها تبرع الاتحاد لأسهم بملايين الجنيهات لمشروع قناة السويس الجديدة، قائلاً: الاعتراض هنا ليس على المشروع.. وإنما على هذا «الشروع» فيما لا دخل للاتحاد به»!


لماذا لم يعلن زيدان هذا الغضب على سياسات اتحاد الكتاب - الذى يشغل عضويته طيلة ما يقرب من ثلاثين عاماً - من قبل، وقد مر الاتحاد بملابسات سيئة متعددة، أما تبرع الاتحاد لمشروع قناة السويس فمردود عليه بأنه سيعود فى صورة أرباح للأعضاء، كسائر من ساهموا فى الاكتتاب لهذا المشروع النبيل، فالملايين لم تضع على الاتحاد كما تصور زيدان، بل على العكس تم استثمارها.


يوسف زيدان - صاحب الروايات الناجحة والمقروءة والداعية لحالة من التفكير وأشهرها «عزازيل» - اعتزلنا غاضباً، عاقب الجميع حين غضب.. وفى تصرف غير مسبوق، يحق له أن يتوقف عن العمل في مكتبة الإسكندرية، وأن يستقيل من اتحاد الكتاب، هذا خيار مطروح أمامه، لكن الخيار الأكثر شجاعة - ونحن لا نزايد عليه - كان المواجهة، سواء الفساد فى مكتبة الإسكندرية أو الممارسات المالية التى لا تعجبه فى اتحاد الكتاب.. أن يواجه كل ذلك بالحقائق الدامغة التى يتكلم عنها.. نعود فنقول أن هذا خياره، لكن الغريب.. والذى لايمكن الجدال بشأنه أنه لايحق له الانسحاب من الحياة العامة.. حين يفعل الكاتب هذا يتحول إلى «مواطن سابق»، فالكاتب يمارس «المواطنة» فى صورة الإبداع، وحين يمتنع عن أية مشاركة فى الحياة الثقافية، يكون قد اختار «حماية الذات» والانكفاء عليها، اختار أن يصون ذاته، يحميها مما يتصور أن يكسرها، وفى المقابل..


يكون قد اختار «الاستغناء عن المجموع»، ذلك الذى قضى حياته يخدم ويكتب لأجله، يا دكتور زيدان لست مجرد موظف كبير فى مكتبة الإسكندرية ولا مجرد عضو فى اتحاد الكتاب، ولا مجرد روائى، أنت مثقف كبير فاعل ومؤثر، نرجو أن يتراجع عن قراره ويراجع موقفه.. ليكون - كما كان - إيجابياً على الدوام..!