دهس طفولة حواء ! (2)

27/11/2014 - 9:38:20

رجائى عطيه رجائى عطيه

كتب - رجائى عطية

   أراد هواة مصادرة طفولة بنات حواء أن يستشهدوا استشهادًا مغلوطًا بزواج النبى - عليه الصلاة والسلام - من عائشة واختاروا فى تحديد سنها عند الزواج مرجوح الروايات وتركوا الروايات الراجحة، وتجاهلوا أن الزواج بالسيدة عائشة كان بالمدينة بعد سنوات من خطبتها بمكة وبعد مضى فترة بعد الهجرة بالمدينة، وتجاهلوا فى استشهادهم الذى داسوا به فى السيرة النبوية بغير فهم تجاهلوا أن النبى - عليه الصلاة والسلام - بنى بالسيدة خديجة أولى زوجاته، وهى تكبره بخمسة عشر عامًا، وأن أول من بنى بها بعد وفاتها كانت السيدة سودة بنت زَمعة، وكانت بدورها تكبره سنًّا بعدة سنوات وأرملة مسنة وغير ذات جمال وهرمت فى حياته، وتزوجها مواساةً وعزاءً بعد وفاة زوجها، وأن الزيجات النبوية كان كل منها لاعتبارات تتعلق بالدعوة أو بكفكفة الخواطر إلى غير ذلك من الأسباب التى أفاضت فيها كتب السيرة، بيد أن المتنادين بالزواج بالطفلات تجاهلوا كل ذلك وتجاهلوا الروايات الراجحة فى سن السيدة عائشة وأخذوا بالضعيف المرجوح ليستقيم لهم الغرض الذى يريدون غير واعين ولا مبالين بأنهم يخوضون بذلك خوضًا غير حميد فى السيرة النبوية.


على أن أخطر من ذلك فيما تردى فيه هذا المنطق المريض، أن كل ما يتصل بزواج الرسول - عليه الصلاة والسلام - حكم خاص به وبزوجاته فى حياته ومن بعد وفاته، وتناولت هذه الأحكام الآيتان 50، 51 من سورة الأحزاب, وأنه من ضمن هذه الأحكام القرآنية الخاصة بالنبوة تحريم زواج أمهات المؤمنين من بعده عملا بصريح الآية 53 من سورة الأحزاب احترامًا لجلال ومقام النبوة، فيقول الله عز وجل: « وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا » ( الأحزاب 53 ) .


 فهذا الحكم حكم خاص بالنبوّة وبأمهات المؤمنين لا ينسحب على غيرهن، وهو هو الذى اقتضى ألاَّ يسرح عليه الصلاة والسلام أحدًا من زوجاته حتى لا تترك كالمعلقة، ويستطيع من يستعرض سيرة المصطفى أن يتبين أن ما تقرر من حكم خاص لزيجات وزوجات النبى عليه الصلاة والسلام إنما كان لمقاصد تغيّاها الشرع وسياسة الدعوة فى ظروفها وفى أوانها, وأن معنى « الحكم الخاص » أنه خارج نطاق السنة التى يلتزم بها المسلمون أو يتأسون بها فليس لأحد ـ مثلاً ـ أن يحرم على زوجته أو زوجاته الزواج من بعده تأسيًا بما فرض على أمهات المؤمنين فهذا حكم خاص وليس سنة لاقتداء عموم المسلمين, ومن المؤسـف أن من يقحمـون النبى فى تأييد مرامهم يتجاهلون حقائق عديدة لا يلقـون إليها بالاً لأنها لا تساند مرامهم ويتجاهلون فى هواهم أن الرسول بنى بالسيدة خديجة وهى فى الأربعين وهو فى الخامسة والعشرين, وأن أول من بنى بها بعدها كانت السيدة سودة بنت زمعة المسنة التى تكبره بعدة سنوات, وأن زيجاته عليه الصلاة والسلام وفى إطار زمانه وظروفه كانت كل منها لاعتبارات اقتضتها النبوة ورسالتها والدعوة ومقتضياتها, وإن هذه الاعتبارات لم تكن انقيادًا لشهوات وإنما لإبانة عن أحكام كشأن ما يحرم أو لا يحرم تبعًا للتبنى كما كان الحال فى زوجة زيد بن حارثة وانفصالهما بعد أن دب الخلاف والكره بينهما أو تطبيب الجراح وإجراء الصلح ومنح الكرامة لبنى المصطلق بعد غزوة المريسيع أو تقنين الزواج بالكتابيات فى زواجه عليه الصلاة والسلام من صفية بنت حيي بن أخطب, ويتجاهلون أن الزواج من السيدة أم حبيبة بنت أبى سفيان كان رعاية وإكرامًا لمهاجرة تنصّرَ زوجها بالحبشة وتركها فعوضها الرسول خيرًا منه وألزم أبا سفيان العدو الأول للإسلام ـ حُجَّة, ويتجاهلون أن زواجه عليه الصلاة والسلام بالسيدة حفصة بنت عمر كان استجابة وإرضاء وتكريمًا لرغبة صاحبه عمر الذى أراد أن ينال شرف مصاهرة النبى كما ناله أبو بكر, ويتجاهلون أن الزمان آنذاك غير الزمان الآن, فلم تكن هناك أيامهم مدارس ولا معاهد ولا جامعات ولا كانت الأنثى تعد أيامها لشيء غير الزواج.       
( يتبع )