إلي أبي الذي ذهب إلي لجنة الانتخابات في صباح قائظ

11/06/2014 - 10:32:34

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بقلم : حمدى رزق

لاتحزن يا أبي، وإن لامك أحفادك علي خروج في يوم قائظ تتوكأ علي عصاك في حب الوطن، خرجت ياوالدي لاتلوي علي شيئ، تقصد السبيل، وما أنبله، والله من وراء القصد، لانريد منكم جزاء ولا شكورا، يلومونك، ويؤنبونك، ويسخرون ويتندرون، بأيكم المجنون الذي ينهي شيخا إذا صلي في حب الوطن، متي كانت الأوطان حصريا علي الشباب يرسمون علي أرضيتها الأسفلتية ألعابا بهلوانية تنتهي ببرك دماء وأشلاء


لاتحزن يا أبي وإن لامك أحفادك علي خروج في يوم قائظ، يقولون ما أخرجه، ما الذي استنفره، مالذي استيقظه..وهو من سكت علي فساد، ويخطئونك بأثر رجعي يا أبي، ماله يخرج من صمته إذ فجأة وقد صمت طويلا علي طغيان.


لاتحزن يا أبي وإن تكالبوا علي سيرتك العطرة بهوان، رهين المحبسين كنت، لقمة العيش، ومطالب العيال، كانت دعواك أن الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، كانت اللقمة مغموسة بمر الأيام، وشربة الماء ملح أجاج، وتتمتم الشفاه بقناعة المؤمن، فضل ونعمة، وتقبيل اليد اليمني قبل الأكل وبعده، رب أدمها نعمة واحفظها من الزوال.


لاتحزن يا أبي وإن لامك أحفادك الثائرون دوما، شباب الثورة مستمرة والكفاح دوار، كنت منهم ذات يوم، والله ما أعرفه عنك، ما هنت، ما بعت، ما فرطت في الكتاب من شيء، افرح من قلبك، قر عينا، أتي الأحفاد بما لم يأت به الأولون، ثار الأولاد علي مالم تطق عليه صبرًا، أحفادك طهروا بر مصر ممن تنادوا بليل ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون، تخيل ياوالدي.. ولم يستثنوك، ولم يرحموك في شيخوختك، لست استثناء من مقصلة الفساد التي طاحت، وطوحت بالبشر والحجر وسرطنت النبات.


لاتخش علي أولادك الذين انفجروا أشلاء في ميدان التحرير، يريدون الخلاص مما كنت أنت فيه، مما كنا نحن فيه، مما هم فيه، أنت أيضًا كنت تريد الخلاص من ربقة ظالمة طوقتك، أطبقت علي أنفاسك، وأنفاسهم، وأنفاسنا، أزهقت من هولها النفوس، وتاهت من هولها العقول، كفر من كفر بالمصرية التي كنتم بها تتغنون، وتغني بها المنشدون في سالف الدهر كفوني الكلام عند التحدي، أنا تاج العلاء في مفرق الشرق ودراته فرائد عقدي، إن مجدي في الأوليات عريق من له مثل أولياتي ومجدي، أنا إن قدر الإله مماتي لا تري الشرق يرفع الرأس بعدي، رفعت مصر رأسها أخيرا، خرجت من الكهف، يادوب بتغير الريق، وبتشرب الشاي بالحليب، شاي الصباح مر مسكر، صباحك سكر يامن نمت باكرا لتصحو باكرا لتلحق بطابور الانتخابات .


لاتحزن يا أبي من شباب غض سخروا من هرولتك إلي لجنة الانتخابات، لم يروا سواك في برواز الصورة، في تلك اللحظة الملهمة، تخفت الخفافيش في ظلامها اليائس خلف البرواز الصدئ، خلف الجدار، فئران مذعورة، وتركتك وحيدًا، وحيدًا، وحيدًا، وحيدًا مشيعا باللعنات في الفضائيات، انتخابات العواجيز، ثوار 19 ينتخبون، وهم من كانوا ينتحبون علي الشباب، خرجت خوفا علي الوطن وطمعا في مستقبل أفضل للشباب، كنت هدفا سهلا للساخرين، صيدا ثمينا لكاميرات مفترسة، ضحية لنفوس غاضبة، كسرت القيود، فككت العقال، انطلقت لاتلوي علي شيء سوي مسخرة الآباء والأجداد، كسرة النفس أليمة لو تعلمون.


لاتحزن، أولادك في ميدان التحرير شبوا عن الطوق، افرح بهم، قر عينا، صدقني أنهم يحفظون لمصر الجميل، حسنو الرباية، وطنيون، لا باعوا ولا اشتروا بمصر ثمنا بخسا، مصر عندهم أغلي ما في الوجود،لا تحزن منهم إن حملوك إثم الطغاة، إن حاسبوك حساب الملكين، إنما أنت مثلهم ضحية الإفساد والفساد الذي مارسته طغمة حاكمة بليل، طوقتك بذيولها، ومنعتك من رؤية الحقيقة العارية، ما كنت تدري ما الكتاب، كتاب الثورة.


لا تحزن، كتابك بيمينك، عمرك، شبابك، كهولتك، شيخوختك، سنوات طوال، طولها أشغال شاقة في حب الوطن، خدمة إجبارية في أرض الوطن، كنت تتوق للراحة بعد عناء، إذن استرح من وعثاء الطريق، امسح عنك غبار عصر مغبر القسمات، لا تحمل نفسك مالا طاقة لك به، حان وقت الراحة، قر عينا، كنت تتمني وقتا مستقطعًا للعلاج مما ألم بك وأثقل حركتك، وأرهق صحتك، استرح بلغت الرسالة وأديت الأمانة، هناك جنود مجندة ترعي ثورة أولادك، تحميها من الاختطاف الذي يناوشها، الغربان، تحوم حول الحمي توشك أن تواقعه، ألا لكل وطن حمي، ألا إن حمي الوطن محارمه، ومحارم وطننا الخيانة والتخوين والقتل علي الهوية،وماكنا معذبين في الأرض.


لا تحزن، وأرفع الرأس هل تري من فتور؟ ثم أمعن البصر مرتين، ستجد أولادك في ميدان التحرير ينشدون الحرية، لا يتعطشون للدماء، الثورة المصرية برائحة الياسمين، ورد معطر، وبلون اللوتس القوي الفخيم من زمن الفراعين، شبابها منور بين الأمم، عظيمة يا مصر يا أرض النعم،يا مهد الحضارة يابحر الكرم، نيلك دا سكر جوك معطر.


لاتحزن يا أبت، إنهم يحبونك، لكنهم يكرهون عيشتهم التي تركتهم عليها، وثاروا عليها، دنيتهم التي إسودت في أعينهم، ينعون مستقبلهم الذي صار شائهًا مشوها بفعل عمليات التجريف التي مارستها عصابات النهب المنظم لثروات البلاد، خربوا النفوس ودقوا الرءوس، ونهبوا الفلوس، حقاً الفلوس بتغير النفوس!.


لاتحزن، مابدر من نفر من أولادك عفويا لا ينقص من قدرك، من قدر جيلك، ولادك أصلهم طيب، من شجرة طيبة أصلها المصري ثابت وفرعها صاعد في السماء، رهانك الذي كنت تراهن كسب الرهان، شبابك الذين أحببت، مصريون بحق وحقيق، نفر منهم ضل بهم السبيل، أضلتهم عصابات معلومة الأهداف، لكنهم المصريون الحقيقيون لايضلون، سرعان ما يفيقون إلي الواقع، وينحازون لدموع الأمهات، يكفكفون الدمع، ولصرخات البنات، يطمئنهم، وتأوهات الجدات في قعور البيوت، يبلسمون الجراح بقبلات حانيات علي الرءوس التي اصطبغت بالأبيض الثلجي .


أحبك حبين، حب هو دين لك في رقبتي فأنت أبي وإن أنكرك المرجفون، وحب لأنك أهل لذاك، أما الذي هو دين، فأنت من أودعني سر الحياة، دائم السؤال كنت، وإني لأسأل عنك وأسأل الله أن يحفظك، أما الذي أنت أهل له، لم تفرط في حق اعتقدته، حقك علي يا من خرجت في الإسراء والمعراج تركب عصاك وحيدا إلي لجنة الانتخابات.. تصلي بالشباب صلاة مودع في حب الوطن.