رثاء صحفى محترم

26/11/2014 - 10:22:44

طارق سعدالدين طارق سعدالدين

كتب - طارق سعدالدين

أحسنت إدارة مهرجان القاهرة السينمائى صنعاً بإصدار كتاب عن الكاتب الصحفى الراحل خالد السرجانى, يضم الكتاب بعض مقالات الراحل وأغلب ماكتب عنه بعد رحيله, خالد كان هو مدير المكتب الصحفى للمهرجان ولكنه أيضاً كان قبل ذلك وبعده هو أول من أدخل فن نقد الصحافة فى المطبوعات المصرية وذلك فى صفحته فى جريدة (الدستور) ثم فى جريدة (المصرى اليوم) بعد ذلك, وهو ما أورثه عدوات كثيرة فى حياته من الذين طالهم قلمه بالنقد, ومن المتنافسين معه فى الأماكن التى عمل بها, غير كتيبة الحاسدين والحاقدين من عديمى وقليلى الموهبة الذين تعريهم موهبته أمام أنفسهم وأمام القراء والزملاء.


شكل الموت الفجائى والدراماتيكى لخالد السرجانى فى صبيحة ليلة زفافه, وبعد عقد قران فى ساعة متأخرة من ليلة دعى إليها أغلب أصدقائه خبراً صادماً للوسط الصحفى الذى يعرفه ولقراءه المهتمين بما يكتب فإهتمت وسائل الإعلام بإبرازه, وإهتم كثيرون بالكتابه عنه كنموذج للصحفى المحترم.


والصحفى المحترم  هو الذى يعرف حقيقة أدواره ووظائفه فى المجتمع, ويمارسها بمسئولية وإلتزام تجاه هذا المجتمع وأفراده, وأول هذه الأدوار هو تقديم الأخبار للناس كما حدثت بلا تهويل أو تهوين أوتلوين من جانبه فهو مجرد ناقل أمين للحدث بحياد فلا ينحاز لطرف ضد طرف حتى ولو كان يوافق معتقده أو هواه السياسى أو الدينى أو العرقى, كما يحرص على الدقة فى النقل فلا يختلق مالم يحدث, أو يشوه الحقائق أو يحجب بعضها, فهو ينقل كل ما وصله من معلومات تأكد من صدقها مسندة إلى مصادرها بتوازن أى بحرص على تقديم كل وجهات النظر حولها ومن مختلف الأطراف المعنية بها.


ومن أدوار الصحفى المحترم كذلك إفهام الناس الإجراءآت والقوانين والسياسات التى تقدم للبرلمانات أو التى تتخذها الحكومات أو مختلف أجهزة الدولة التنفيذية, وكيف ستؤثر على حياتهم ومعيشتهم إقتصادياً وإجتماعياً فى الحاضر وفى المستقبل, وهو فى ذلك لايقوم بالدعاية لزعيم سياسى أو لحزب أو لتجمع لأصحاب مصالح أو لرجل أعمال, فهو هنا لايعمل لدى أى من هؤلاء ولاينتظر منهم مكافأة, فهل يعمل لدى قارئه أو مشاهده, حريص على أن يحظى بتقديره وإحترامه.


والصحفى المحترم كذلك هو عين المجتمع الحارسة التى تراقب اداء مختلف سلطاته التنفيذية والتشريعية والقضائية, فهو الذى يكشف مواطن الفساد والفاسدين فيها جميعاً, ورغم شيوع مفهوم أن أحداً لايمكنه التعليق على أحكام القضاء, ولكن الحقيقة أن الصحافة لايمكنها تناول قضية ينظرها القضاء بما يؤثر على عقيدة القاضى فيها, ولكن طالما أن القاضى حكم فى القضية فيمكن للصحافة تناول هذا الحكم بالمناقشة, تماماً مثلما يحق للمتهم الطعن على الحكم أمام درجة قضاء أعلى.


والصحفى المحترم كذلك هو الذى يجعل قلمه أو ميكروفونه أو كاميرته صوت من لاصوت له من المهمشين والفقراء, والذين يعانون فى المجتمع دون أن يدرى بهم أحد لتصل أناتهم إلى المسئولين فى الدولة.


كذلك الصحفى المحترم هو الذى يدق أجراس الإنذار فى المجتمع محذراً من الكوارث والأخطار المحدقة به سواء الطبيعية كالفيضانات والزلازل والبراكين, أو الصحية كالأوبئة أو الفكرية والسياسية التى يمكن أن تهدد وجوده أو سلامة أراضية.


والصحفى المحترم كذلك مسئول أمام نفسه وأمام مجتمعه بالحفاظ على وحدة وتماسك هذا المجتمع وبالحفاظ على تراثه الثقافى  والحضارى, وفى الأنظمة الديكتاتورية حيث يكون المطلوب هو تبنى فكر واحد بحجة التوحد والإصطفاف يكون دوره هو تقديم مختلف أنواع الأفكار والآراء للحفاظ على الثراء الفكرى للمجتمع وتنوعه.


والصحفى المحترم كذلك يعرف أن دوره فى نقل الحقائق للناس ورفع درجة وعيهم بما يحدث حولهم, ومساعدتهم على تكوين آرائهم لايعنى تحوله إلى زعيم سياسى يحشد الأنصار ويحرض على الخصوم, فالسياسى يعمل على زيادة أعداد أنصاره ومؤيديه بينما الصحفى مفترض أنه يعمل فى خدمة مختلف التوجهات فى المجتمع حتى ولو لم توافق مزاجه الشخصى, يتساوى فى ذلك محمد حسنين هيكل وأصغر صحفى فى أصغر جريدة.


 وهذا النوع من الصحفيين المحترمين أصبح نادراً فى بلاط صاحبة الجلالة الذى أصبح مليئاً بالخدم والجوارى والأغوات والفتوات والبلطجية, فهناك الصحفيين الذين يعملون كمندوبين للجهات التى يغطون أخبارها فى صحفهم, وهناك الذين يكتبون للقارئ الواحد طمعاً فى رضاه وعطاياه سواء كانت منصب أو عقد إعلانات أو برنامج فى قناة فضائية, وهناك الذين عينوا أنفسهم متحدثين رسميين بإسم أصحاب المناصب والنفوذ فيدافعون عنهم وعن أفعالهم ويهاجمون خصومهم وربما حرضوا على كراهيتهم أو قتلهم, ويصورون للناس أنهم أصحاب سلطة وحظوة طالما يطبلون ويزمرون لمن بيدهم الأمر.


 وسط ذلك كله عندما يموت صحفى محترم لم يخن نفسه ولاقارئه ولامجتمعه فالحدث يكون جللاً للصحافة وللمجتمع قبل أهله وأسرته وأحبائه, فرحمة الله ورضوانه ومغفرته لخالد السرجانى وكل من هو على شاكلته من الصحفيين الأحياء والأموات.