عن الدولة والثورة وآلهة ليست في السماء

20/11/2014 - 9:07:00

سعد القرش سعد القرش

كتب - سعد القرش

حين أسس جرجي زيدان مجلة »الهلال« كان في الحادية والثلاثين. وفي سن الحادية والخمسين أصبح محمد نجيب على رأس السلطة بعد 23 يوليو 1952، ورآه الضباط الشباب شيخا كبير السن، ينتمي إلى جيل سابق، فكان الشقاق. في مراحل فتوة الدولة يخلو السياق من وصاية »الآلهة«بحجة الاستفادة من »خبرة الكبار«، هؤلاء الذين شاخوا ولم يحققوا إنجازا إلا مباركة أنظمة حكم متوالية، وتقديم بضاعة منتهية الصلاحية، يسخر منها جيل جديد من حقه أن يجرب، فيخطئ ليصيب، ويتعثر لينهض.


ملامح وجوه وأعمار المسؤولين مرآة تعكس عافية »الدولة«أو شيخوختها.


أحاول بإيجاز أن ألخص عقدة التماهي مع آلهة ومؤلهين في مواقع السلطة، وهي ردة حضارية لا وجود لها في التاريخ المصري إلا في خيال بعض المؤرخين. لا أميل إلى استخدام أفعل التفضيل، إذا اختص الأمر بمصر، ولكنها أكثر دولة في العالم عاشتحالة »الثورة الدائمة«، إذا استعرت عنوان كتاب ليون تروتسكي.


اندلعت الثورة الشعبية الأولى في نهاية الأسرة السادسة (2345 ـ 2181 قبل الميلاد)، ولم يغلق القوس بقيام ثورة 25 يناير 2011 التي تقترب من إتمام أربع سنوات »من الثورة«، لا »على الثورة«؛ لأنها مستمرة بإذن الشعب حتى تحقق أهدافها. قامت قيامة 25 يناير، ولم يهدأ الغبار، ولا اختفت رائحة الغاز والبارود، بعد موجتها الكبرى، الثانية، في 30 يوينو 2013. للثورتين سبب مشترك، ترهل جهاز الحكم وشيخوخته، أجلس بيبي الثاني على الكرسي في سن السادسة، وظل في الحكم 91 عاما، أطول فترة لحاكم في التاريخ، وكان من الطبيعي أن تتدهور الأحوال في نهايات عهد رجل »حكم البلاد أكثر من ثلاثة أجيال« كما يقول سليم حسنفي موسوعته »مصر القديمة«، ويسجل أيضا أنالشعب »قام بثورة اجتماعية طاحنة«، ربما لا تختلف عن الثورة على نظام حسني مبارك، إلا في شعارها الأول:»الحرية«.


لا يخشى المصريون عواقب الثورة، ولو أدت إلى فوضى ظاهرية، يثورون ثقة في أن »الدولة«، هذا المعبود الشعبي، إن لم تتجدد عافيتهابالإصلاح، فلا بد من ثورة، جراحة لاستئصال وباء، ربما يطول الشفاء، ولكنها ضرورة. لا يعنيهم المأثور الإسلامي: »اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي«.ولكنأوهام بعض المؤرخين تسربت إلينا وصارت كأنها »الحقيقة«، منذ راج قول كعب الأحبار لعمر بن الخطاب: »إن الله عندما خلق الدنيا جعل لكل شيء شيئا، فقال الشقاء أنا لاحق بالبادية، وقالت الصحة وأنا معك. وقالت الشجاعة أنا لاحقة بالشام، فقالت الفتنة وأنا معك. وقال الخصب وأنا لاحق بمصر، فقال الذل وأنا معك«. قلت »راج«، ولست الآن بصدد التحقق منه.


أساطير لا تختلف عن استسهال الكلام عن »عبادة الفرعون«.


لا يوجد في التاريخ المصري منذ تأسيس الدولة قبل عام 3100 قبل الميلادحاكم حمل لقب »فرعون«، كان المصطلح يعني بيت الحكم، لا نقول القصر؛ فلم يهتم ملوك مصر القديمة بتشييد القصور، بل الصروح والمعابد والمدن والموانئ. كان أمنحتب الثالث بناء عظيما، ولم يكن ابنه أمنحتب الرابعفي قامة أبيه، فالتمس العظمة في شيء آخر، تغيير عاصف، أطلق على نفسه اسم »أخناتون«، ونقل العاصمةمن طيبة »الأقصر« إلى أخيتاتون شمالا »تل العمارنة في المنيا«، وغير ديانة »آتون« التي تسمح بالتعدد إلى ديانة»آتون«.


الثورة التي أنهت حكم أخناتون عام 1362 قبل الميلادلا تخص الكهنة، ولكنها ثورة شعب أحس بخطورة تلاشي المسافة بين الكاهن والملك»أخناتون«الذي جمع السلطتين في شخصه.كان يمكن للشعب أن يرضى باستقرار زائف، يضمنه بقاء ملك كاهن، ولكن الثورة عصفت بأخناتون وعاصمة حكمه، تلك التي اختفت في سنوات فوضى تالية دفعت قائدا عسكريا من عموم الشعب، ولا ينتمي للنبلاء، إلى إنقاذ البلاد. هكذا أمسك القائد »حور محب«بمقاليد السلطة. لم يورثها لأحد من أسرته، وآلت لزميله رمسيس الأول، وكانت بداية الأسرة التاسعة عشرة، عصر الرعامسة.


حتى في الفوضى المصاحبة للثورت المصرية لا تستباح الدماء، كما استبيحت مثلا في عهود أخرى، وكانت الكعبة ساحة لإحداها، إذ ضرب جيش عبد الملك بن مروان الكعبة بقيادة الحجاج بن يوسف الذي قتل عبد الله بن الزبير وصلبه عام 83 هجرية، لم يراع ضعف أمه ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر الصديق. وفي عام 120 هجرية سينهي والي الكوفة خالد بن عبد الله القسري خطبة العيد قائلا: »أيها الناس اذهبوا وضحوا بضحاياكم، تقبل الله منا ومنك، أما أنا فإني مضح اليوم بالجعد بن درهم«، وذبحه أسفل المنبر.


ولن يخلو تاريخ العباسيين من الدماء، هذا شأن السياسة والسياسيين، والأعجب هو شأن رجال الدين. كان هارون الرشيد الحاج التقي الورع يحب جارية لأبيه المهدي، وروادها فقالت: »لا أصلح لك، إن أباك قد طاف بي«، ولكن قاضيه أبا يوسف »فقيه الأرض وقاضيها«، كما كان يدعى، وجد إجابة عن سؤال الرشيد وحيرته: »اهتك حرمة أبيك، واقض شهوتك، وصيره في رقبتي«. هذا يهون بجوار حرمة الدم الأكثر قداسة من هدم الكعبة، وقد هان دم المصريين على »الخلفاء«، فعلى سبيل المثال يروي ساويرس بن المقفع في »تاريخ البطاركة« أن مروان بن محمد رد على راهب توقع زوال حكمه بأن :»أحرقه بالنار وهو حي«، وكانت ثورة البشموريين في شمال مصر قد بدأت، وتفاءلوا بصعود العباسيين، ولم يلبث الخليفة المأمون، الذي يحظى الآن بشارع كبير في القاهرة، أن استباح دماء الثائرين وأحرق مساكنهم، وأخذهم عبيدا إلى بغداد.


استمرار الثورات ينزع القداسة. لا عصمة لمخلوق، هكذا تكرر انسلاخ مصر عن دولة الخلافة. يسجل حسين نصار، في كتابه »الثورات الشعبية في مصر الإسلامية« أن المصريين أسهموا »في أول ثورة كبيرة عانتها الخلافة الإسلامية«، ورفضوا أن يستبدل مروان ب نمحمدواليا اسمه حسان بن عتاهية بالوالي حفص بن الوليد، فذهبوا إلى المسجد: »ودعواإل ىخلع الخليفة مروان بن محمد وحصروا حسان ف يداره ثم أخرجوه من مصر... ثم أخرجوا حفصا من السجن وولوه مصر. واتصلوا ببعض الثائرين في فلسطين لتوحيد كلمتهم«، فرشح الخليفة واليا آخر اسمه حنظلة بن صفوا نلكنهم رفضوه، »وحاربوه فهزم وحينما رأى الخليفة ذلك سك تعنهم ... على مضض «. ويقول نصار: »لم يكن يمرعام أو عامان(في العصر العباسي) حتى تقوم ثورة«.


أخلص من هذا إلى أن الثورة ثمرة الوعي والتمرد، ونفي قداسة يريدها لأنفسهم غير الواثقين، ولا يليق بشعب فتح صفحة 25 يناير أن يمنح قداسة لأحد. الحرية والحق في حياة كريمة هي الأقدس، وعلى الجيل الذي عجز عن الإنجاز في السياسة والثقافة أن يعتزل،وعلى كل مبدع ألا يتماهى في آخر متحقق أو كبير السن، وهي علاقة مركبة، تمنح كبير السن نشوة الشعور بأنه سلطة، يضفي بمقتضاها على من يظنهم صغارا، على الرغم من إنجازهم الكبير.. الثورة، فطوبى للمتمردين.