مالك حداد.. منفى الكتابة وطعم الاستعمار

20/11/2014 - 9:03:58

مالك حداد مالك حداد

كتبت - آمال فلاح .. كاتبة جزائرية

عندما شرع الجيل الذي شهد مذابح مايو 1945 في الكتابة، لم يجد غير صحافة اليسار الفرنسي لاحتواء رواياته التي تنضح ألما وتمردا. ولم يجد إلا اللغة الفرنسية أداة للتعبير عن تميزه وانتمائه لشعب غير شعب فرنسا. فقد وجد هذا الجيل في الماركسية كأيديولوجية تؤمن بحق الشعوب في اختيار مصيرها الحلم الأزلي للإنسان في المساواة والعدالة الاجتماعية.


لكن الماركسية لم تكن تعترف بالنزعة القومية للشعوب، في حين شكلت القومية والهوية محور وجود مالك حداد وأترابه. فلم يكن غريبا أن يضع نفسه في خدمة جبهة كل الجزائريين، مادامت تلك الجبهة قد أخذت على عاتقها مهمة تحرير الأرض.


الحرب ربطت مصيره بمصير شبان آخرين عرف معهم المهجر، وطراوة الأحلام، وهم الكتابة والوطن، كما عرف معهم حرقة التساؤل، ومن بعدها الصمت، كل على طريقته لبداية لقاء لا متناه مع الوطن.


فبعد استقلال الجزائر، فهم جيل مالك حداد أن اهتمام اليسار الفرنسي بالأدب الذي ينتجه ليس إلا اهتماما ظرفيا بأجواء غريبة عن النمط الفرنسي، اهتمام بالمحتوى، يجرد النص من جمالياته، ليغدو مجرد وثيقة تفصح عن نمط مختلف لمعيشة ولتفكير تلك المجتمعات المختلفة «المتخلفة».


صدمة، صدع بين هذا الأدب المكتوب باللغة الفرنسية، وبين قرائه الذين احتفوا به كظاهرة منعزلة، عبر قنوات قراءة سياسية بحتة، بعيدة عن النصوص المكتوبة نفسها.


هذه الحقيقة الصادمة دفعت بأبرزهم، مثل كاتب ياسين ومحمد ديب، ومن بعدهم رشيد بوجدرة إلى توقيف اللعبة والكف عن القيام بالدور المنتظر منهم، كما قننت كامل اهتمامات ومواهب مالك حداد لتصب في خدمة الوطن، في الوقت الذي كان يتمتع فيه بسمعة أدبية مرموقة وروايات منشورة في أكبر دور النشر الفرنسية «الانطباع الأخير»، «ليس في رصيف الأزهار من يجيب»، «سأهبك غزالة»، «الشقاء في خطر» و«التلميذ والدرس» وعدد من المجموعات الشعرية.


كان الذي يفصله عن الوطن «ليس البحر الأبيض المتوسط، بقدر ما كانت تفصلني عنه اللغة الفرنسية». وقال أيضا: «إن المدرسة الاستعمارية تحتل الروح كلما حصل طالب على شهادة الباكالوريا حصلنا على مواطن فرنسي».


بعد الاستقلال مباشرة، عاد لمدينته قسنطينة، وأسس مجلة (نوفمبر) ومن بعدها جريدة (النصر). فهل يصبح غريبا أن يؤرخ مالك حداد ليوم ميلاده بتاريخ مذابح مايو؟: "ولدت صباح 8 مايو 1945 هذا اليوم الذي سوف يظل للأبد «العار الفرنسي» وعار الضمير العالمي. في هذا اليوم، أقدم الاستعمار الفرنسي على قتل أكثر من خمسة وأربعين ألف جزائري، خرجوا متظاهرين يطالبون بالحرية عبر شوارع بعض المدن الجزائرية».


لغة أم منفي ؟


كان موعدي في بيته، وعلي الباب ارتسم اسمه. في أرجاء البيت الهادئ بقايا أنفاسه أشعار لم تر النور مشاريع روايات لم تكتمل، ونظرات ترعى الطفل الذي غدا رجلا وتحرس الوفاء المجسد في امرأة.


تطل النظرات من لوحة اتكأت وسط مكتبته، ومن بين الكتب عناوين له ولبعض من أصدقائه، محمد ديب، كاتب ياسين، مولود معمري، وخيوط صداقة امتدت إلى آخر لحظة. علقت زوجته: «كان دائما محاطا بأصدقائه».. وتتذكر كم كان البيت يعج بالأصدقاء، حتى إنه كان ينتظر الليل ليكتب «كان يكتب في المطبخ، فالمطبخ هو القلب النابض في البيت، ومالك كان يحب أن يغمره دفء الأشياء».


دفء قسنطينة، تلك المدينة التي أرضعته قيم الوطنية والكفاح، وروعة تلك الحضارة الوافدة التي فتحت أمامه آفاقا لم يكن يحلم بها. لكن المدرسة الفرنسية التي علمته أبجدية المعرفة عملت على محو الجوانب الأصيلة في شخصيته: "لو كان مالك حداد إنسانا حرا لنهم من معارف الغرب بلذة وراحة، لكن تلك الحضارة الطاغية كان لها طعم القهر، طعم الاستعمار.


إن الاستعمار هو الوجه الحقيقي للغة الجميلة التي اكتسبها، فأجادها وأبدع فيها، لكنها لم تكن لغته.


من ضمن الأمور التي يستعيدها الإنسان حين يسترد حريته، (اللغة والهوية). فالوطن ليس مجرد علم وتراب، ومالك حداد رغم كل القشرة الحضارية المكتسبة جزائري، لكنه جزائري لا يمتلك الأداة التي عبرها يلج تلك المساحات المغيبة من تراثه وتاريخه، وهوية شعبه. لم يكن مالك يحس بالذنب لأنه يجهل لغته، كان يحس بالذنب لأنه لم يكن لديه الخيار.


هذا الجرح، الفاغر فاه، جعله يعي أن حبه لبلده لا يتماشى مع استلابه اللغوي، ومن ثم حكم على نفسه وزملائه بالتلاشي، ماداموا «يزعجون» الإطار الجديد لبلد مستقل.


شكل الحكم بالإعدام، أو الانتحار الأدبي، منعطفا جديدا منحه فرصة المساهمة في تشييد الوطن «لقد ظن الجميع أنه كف عن الكتابة. ذلك لم يحدث قط».


فقاعة صراع امتصت صاحب «سأهبك غزالة». فقاعة عملاقة مشكلة من استلاب ثقافي وانتماء متجذر انفجرت ليتطاير منها الألم. وكان عليه الانصياع ليخف من حجم ووجع الألم، «سنظل نمثل دروسا للتاريخ، فنحن أبرز نماذج للخسارة والضياع، وكذا للانحراف والزيغ الاستعماري».


ظل يكتب الشعر والرواية، لكنه لم يعد ينشر.


كان يكتب مقالات في الصحف حول الهوية الوطنية، وحول الأمية المتفشية «اللغة الفرنسية منفاي، لكن بعض المنافي نافعة، فقد سمحت لي هذه اللغة بخدمة بلدي».


لقد كان يعي بشدة أن الأمور ينبغي أن تتغير، وتلك كانت مهمته الجديدة لفتح نافذة "لنري ما في الخارج ونفتح أعيننا لنري ما في الداخل».


حتى لو كتبت بالعربية من سيفهمني؟


سؤال تجيب عنه الزوجة فتقول لي: «عندما عرضت عليه إدارة الثقافة في وزارة الثقافة والإعلام عام 1968، تردد ثم ضحك كثيرا، لما اكتشف المكتب الضخم والسكرتيرة».


على رأس هذه الإدارة، حاول مالك حداد بعث الحياة في القطاع المتوفي، ومع الوزير بن يحيى زرع الحياة في قطاع النشر والسينما والمسرح والنحت.


دبت الحياة أيضا في أزقة العاصمة، وتحولت الثقافة إلى عيد يومي من خلال المهرجانات الشعبية، وخاصة المهرجان الثقافي الإفريقي الأول 1969، حيث كانت عودة الجزائر لأول وربما لآخر مرة إلى الحضن الإفريقي. إنعاش الثقافة في تلك الحقبة كان معناه بعث الهوية التي عمل الاستعمار على طمسها «هؤلاء الذين انتزعوا الاستقلال لن يقرؤوننا أبدا فهم يجهلون حتى وجودنا ذاته».


حين سأله كاتب إسباني إذا كان يعتبر نفسه روائيا أم شاعرا؟، أجاب مالك حداد: «ببساطة، وجدت في السرد وسيلة للتعبير عن مآسي الشعب الجزائري، وللتعبير عن علاقتي بهذا البلد».


وعندما قرر مالك حداد أن يضع قلمه، كان يؤمن بأن على الشباب حمل المشعل. كان يؤمن أنه على أيدي الشباب سوف تكتب أروع صفحات الأدب الجزائري. ولهؤلاء الشباب أنشا مجلة «وعود» لنشر كتاباتهم. لقد وضع القلم لتمسك به أنامل الأجيال الجديدة.


بعد 15 سنة من وفاة أول أمين عام لاتحاد الكتاب الجزائريين، أهدته الروائية أحلام «مستغانمي» روايتها «ذاكرة الجسد» قائلة:


«إلى مالك حداد، ابن قسنطينة، الذي أقسم بعد استقلال الجزائر ألا يكتب بلغة ليست لغته، فاغتالته الصفحة البيضاء، ومات متأثرا بسرطان صمته، ليصبح شهيد اللغة العربية وأول كاتب قرر أن يموت صمتا وقهرا وعشقا لها».