النوبة الأصلية الوعاء الحافظ لجزء من إرث مصر الحضارى

20/11/2014 - 9:02:32

قرى النوبة بعد التهجير قرى النوبة بعد التهجير

كتب - حسن نور .. كاتب مصرى

ارتبطت حياة الإنسان النوبى منذ أن خلقه الله بالنيل الذى يشق نهره قرى النوبة كلها، من جنوبها إلى شمالها، ليطل عليه كل سكانها - الذين اعتادوا على ذلك - كل صباح حتى يغلبهم النعاس ليلا، لينتظروا صباحاً جديداً ليكحلوا أعينهم برؤيته مرة أخرى وهكذا كانوا على مر أزمانهم ، فمن مياهه يروون ظمأهم، ومنه يسقون زراعاتهم وبهائمهم، وفيه يغمس العرسان أجسامهم عشية زفافهم إلى عرائسهم، وعبر نهره الذى يشق كل قراهم من جنوبها إلى شمالها يتنقلون بمراكبهم، وفى مياهه كانوا يعمدون مواليدهم يوم سبوعهم، ومن مياهه كانوا يستخرجون لحماً طرياً لطعامهم، وفى أرجائه نشئوا ولعبوا واكتسبوا عاداتهم وتقاليدهم ، ولهذه الأهمية العظمى لنهر النيل عند كل النوبيين حرصوا على نقاء مياهه وطهره فلم يلقوا فيه ما يعكره أو يدنسه.


لقد نشأ النوبيون وترعرعوا وكبروا حتى صاروا شيوخاً على شاطئ النيل، وحرصوا على حياتهم على ضفتيه حتى بعد أن أغرقت المياه التى احتجزها خزان أسوان أمامه أراضيهم الزراعية ونخيلهم وأشجارهم لارتباطهم التاريخى والروحى بهذه الأرض إلى أن جاء عبد الناصر ليقتلعهم منها كما تقتلع الزرعة من جذورها، وأخرجهم من جنتهم إثر اكتمال بناء السد العالى وألقى بهم - بعيداً عن النهر - فى صحراء كوم أمبو ، فى منطقة كانوا يطلقون عليها «وادى الجن» بعيداً عن نهر النيل شريان حياتهم، وقد فعل ذلك على الرغم من يقين علمه أن مياه السد لن تغرق كل الأراضى الواقعة على ضفتيه والجارى استصلاحها فى الوقت الحالى لبيعها للمستثمرين بدلاً من إعادة بناء قرى نوبية عليها ليعوضوا النوبيين عما لاقوه جراء إخراجهم من قراهم الأصلية ... لكن لا ... يجب معاقبتهم على تضحياتهم المتتالية منذ استكمال بناء خزان أسوان الذى احتجز المياه جنوبه 1902 ، فأغرقت أراضى النوبيين الزراعية ونخيلهم وديارهم ، فاضطروا إلى الصعود إلى الأراضى التى تعلو على منسوب مياه الخزان ليقيموا - من جديد - عليها حياتهم ، إذ لم تفكر حكومات الملك فؤاد على إخراجهم من قراهم الأصلية حفاظاً عليهم وتراثهم الحضاري، أما فى عصر عبد الناصر فقد لاقوا جزاء كجزاء سنمار الذى أعدم بعد أن بنى قصراً لملك البلاد لا يدانيه قصر فى العالم حتى لا يبنى قصراً يدانيه لملك آخر.


لقد أولى عبد الناصر اهتمامه بإنقاذ آثار النوبة والإبقاء عليها فوق أراضيها التى لن تصلها المياه المحتجزة أمام السد، والتى جمعها فى منطقة «وادى السبوع» شمال أبو سمبل - القرية التى تم رفع معبدها إلى مستوى أعلى من مستوى موقعه القديم، ومن هذا يبين بما لا يدع مجالاً للشك أن عبد الناصر كان يعلم علم اليقين بأن هناك أراضى شاسعة حول بحيرة السد لن يطولها ماؤه وكان يمكن بناء قرى نوبية عليها، فلماذا كان إصراره على إخراجهم من موطنهم الذى عاشوا فيه آلاف السنين - منذ عهد الفراعنة وبالتحديد الأسرة 18 - وهنا يثور سؤال مهم.. هل كان لديه هاجس من ناحيتهم بأن يحدثوا قلقاً أو اضطراباً لمصر...؟ وهل حدث أنهم فعلوا هذا من قبل ...؟ كيف يكون ذلك وقد لبوا نداء الملك مينا عندما استعان بهم فى حربه ضد الهكسوس وهزمهم بفضل الجند النوبيين الذين طالب أحفادهم بعد آلاف السنين بتجنيد أبنائهم فى الجيش بعد أن كانوا قد أعفوا من الخدمة به للاشتراك فى شرف الدفاع عن الوطن الأم (مصر) إذا ما فكر أى موتور فى الاعتداء عليها، وكيف يتفق هذا مع هاجس الانفصال عن الوطن الذى يشيعه البعض لغرض دنىء فى نفسه، ربما يكون هذا الهاجس قد شغل عبد الناصر فأسرع باتخاذ قرار إخراجهم من موطنهم الأم دون أن يسأل نفسه، سؤالاً بديهياً مفاده: هل لدى النوبة مقومات إقامة دولة...؟ ليصل إلى نتيجة حتمية مفادها استحالة ذلك، ثم إن الشيء المحير للعقل هو كيف يخطر على باله ذلك؟ ولم يفكر فى مثله بالنسبة لمواطنى سيناء - وحاشا لله أن يفكروا فى ذلك ولكنه مجرد سؤال لتشابه المواقع والظروف - إن هذا الهاجس لدى البعض مازال يمثل طعنة نافذة فى قلب كل نوبى مصرى شريف من حقه أن يتساءل عن ما أحدثه عبد الناصر فى تشتيتهم وإخراجهم من موطنهم: هل تعتبرنى الحكومة المصرية مواطناً مصرياً أم مستوطناً...؟ فإذا كنت الأولى فلماذا الإصرار على بعثرتى فى طول البلاد وعرضها وتشتيتى على مر الزمان....؟! إن أهمية موقع بلاد النوبة الأصلية حول بحيرة النوبة - السد العالى سابقاً - يتمثل فى أنه وعاء حافظ للتراث النوبى المتمثل فى طقوس الاحتفال بالمواليد وطقوس بناء الدور والاحتفال بالمواليد وبناء الأسر الجديدة وطقوس السفر والاحتفال بختان الأطفال وطقوس الحزن على الموتى ، والأهم من كل ذلك الحفاظ على اللغة النوبية التى تمثل الوعاء الحافظ للتراث النوبي، وهذا الوعاء يتجسد جليا فى بلاد النوبة الأصلية التى كانت تضم بين حناياها كل قبائل النوبة وأفرادها الذين حرصوا على التفاهم فيما بينهم بلغتهم الأصلية، فظلت فتية، وعفية طوال مدة إقامتهم بين جنباتها، ولم يطله الوهن إلا بعد أن أطيح بناسها إلى أرض تختلف تماما فى كل شيء عن موطنهم الأم، والخوف أن تتوارى بعد هذا الوهن بعد رحيل أجيال الأجداد والآباء الذين بدءوا حياتهم فى بيئة كانت سبباً فى الحفاظ على اللغة التى حرصوا أن تكون لغة التواصل فيما بينهم ، إن ميزة حكومات الملك فؤاد أنها لم تفكر فى إجلاء النوبيين عن موطنهم إثر بناء خزان أسوان 1902 وتركتهم يختارون مواقع جديدة لقراهم حول نهر النيل ووراء الخزان الجديد فاحتفظوا بذلك بكل تراثهم الثقافي، الأمر الذى أثلج صدور النوبيين، غير عابئين بملاليم التعويضات التى صرفتها لهم حكومة صدقى تعويضاً عن دورهم وأراضيهم الزراعية ونخيلهم وأشجارهم ، فهم كفيلون ببناء غيرها كما بنوا تلك التى أغرقتها مياه خزان أسوان، وياليت فعل عبدالناصر بالنوبيين مثلما فعل الملك فؤاد وتركهم فى موطنهم الأصلى حول بحيرة النوبة دون مد يد العون لهم، لكانوا أقاموا مبانيهم بأنفسهم على الطراز نفسه الذى اعتادوه، والذى نال إعجاب شيخ البنائين المصريين المهندس الدكتور حسن فتحى والذى حاكاه عند بناء المساكن فى البر الغربى للأقصر، أما العلب الإسمنتية التى أقامتها حكومة عبد الناصر للنوبيين شمال كوم أمبو فكانت فوق أراض متحركة دوماً (باجه) مما أدى ويؤدى إلى تشقق جدرانها بصفة دائمة، إن هذه الدور لا تمت إطلاقاً بصلة للدور التى يقيم فيها بنو الإنسان، إذ كانت واطئة الجدران قميئة، مطلية بالطمى، لا تتفق إطلاقاً لإقامة بنى الإنسان خاصة النوبى الذى اعتاد على البراح والإضاءة والنظافة... إلخ ، فقام بهدمها وأعاد بناءها لتتواءم مع طبيعته كإنسان، لكن الأمر المؤسف والمخزى هو أنه مازال الكثير من الأسر النوبية التى كان لها دور فى النوبة الأصلية لم تعوض عن تلك الدور فى المنطقة الجديدة المسماة بمنطقة التهجير حتى الآن - أى بعد مرور واحد وستين عاماً من التهجير ، والتى أطلق عليها وقتئذ لفظ غريب «المغتربون» وذلك بحجة عدم وجودهم فى ديارهم أثناء عملية التعداد فى المرة الثانية 1961 ، حيث أجرى تعداد المساكن التى كانت مقامة فى النوبة الأصلية على مرتين (1959 ، 1961) ، أليس هذا بظلم فادح مازال واقعاً على هؤلاء المواطنين الذين أغرقت الدولة دورهم ولم تعوضهم عنها حتى الآن؟ ويطلق عليهم لفظ كئيب «مغتربون» مغتربون عن ماذا ...؟ عن وطنهم الأم مصر أم عن ماذا ...؟! واحد وستون عاماً ومازال اللفظ الغريب يطاردهم ، فمازالوا مغتربين حتى كتابة هذه السطور... أليس هذا بمأساة ، وظلم فادح أوقعته الدولة على بعض مواطنيها، بعكس ما فعلته مع سكان منطقة القناة الذين أعادتهم لديارهم بعد إزالة آثار العدوان مباشرة مع احتفاظهم بالمساكن التى آوتهم فيها الدولة وقت العدوان، فلماذا هذه التفرقة فى المعاملة...؟ ربما لأن هؤلاء مواطنون، أما النوبيون فرعايا، ربما.


إن حكومة السودان عاملت مواطنيها النوبيين الذين أغرقت مياه السد قراهم معاملة المواطنين الذين لهم حق تجاه حكومتهم، إذ نقلتهم إلى قرى جديدة، بعيدة عن مياه السد وعوضت كل أسرة عن بيتها ببيت جديد بالإضافة إلى خمسة عشر فداناً لزراعتها ، تصوروا هذا وقارنوه بما عومل به النوبيون المصريون فى وطنهم..! إن النوبيين المصريين يؤكدون أهمية الاستجابة لرغبتهم الملحة فى العودة إلى موطنهم الأم حول ضفاف البحيرة لا للحفاظ فقط على المعمار النوبى الذى تميزوا به والمعتمد على زخارف الواجهات والأسقف والعقود البرميلية والأفنية السماوية والمنادر الواسعة بعرض المبنى وأبوابها الهلالية المطلة على أحواش البيوت من جهتها الشمالية حتى توفر التهوية لتناسب قضاء وقت القيلولة تحت أسقفها، ولكن للحفاظ أيضاً على العرق النوبى من جهة والتراث المتميز الذى يمكن أن يمثل مصر فى المحافل الدولية..


إننى لا أتصور أن يهمل المسئولون فى مصر الأسباب التى من شأنها الحفاظ على الموروث الثقافى لعنصر من عناصر مواطنيها وهى تعلم أن حب الإقليم الصغير هو أفضل الأسباب لحب الوطن الأم الذى اهتم به وبموروثاته، وليتحقق هذا أرى إصدار قرار جمهورى بإعادة بناء القرى النوبية، حالاً وبدون إبطاء، حول بحيرة النوبة (السد العالى).


إن التنوع الثقافى لبلد ما، وتعدد اللغات فيه والحفاظ عليها أمر يعكس غنى هذا البلد وقيمته الحضارية، خاصة إذا ما كان هذا الأمر يعبر عن هذه العناصر الثقافية مستمدة من التاريخ البعيد لهذه الفئة من المواطنين (أسامة فرحات «المسكوت عنه فى قضية النوبة» مجلة الهلال - عدد أغسطس 2014).


لذلك فإننى أوصى الآباء والأمهات النوبيين بضرورة التحدث مع أبنائهم وأحفادهم بلغتهم التى تلقوها شفاهة من آبائهم وحافظوا عليها على مدار السنين بحرصهم على التحدث بها فيما بينهم فى النوبة القديمة ، خاصة وأن الخطر يحدق بها فى النوبة الجديدة التى تحيط بها قرى الصعايدة الذين يتكلمون لغة مغايرة، وللحفاظ على هذه اللغة أرى أن تقررها وزارة التربية والتعليم على الطلبة النوبيين فى منطقة أسوان على وجه خاص، ووزارة التعليم العالى بإنشاء قسم لها فى كليات الآداب على غرار أقسام اللغات الشرقية والإنجليزية والإسبانية ... حتى يحافظوا على هذه اللغة التى استفادت منها مصر فى حربها ضد عدونا اللدود فى حرب 73 - (المرجع السابق) - فهل تستجيب لهم حكومة الثورة الجديدة؟