تمور البصرة على دروب تشيلي!

20/11/2014 - 8:59:22

كتاب التساؤلات كتاب التساؤلات

كتب - حسين عبد الزهرة مجيد .. كاتب عراقي

لا تعرف نفس الشاعر متى وأين


تموت، لكن السؤال الذي يجول بذهن القارئ حين يقرأ لشاعرٍ متوفٍِ هو هل العمل الأخير الذي يتركه الشاعر أخيرٌ بالنسبة إليه، أم إلى القارئ؟ ذلك لأن القلة من الشعراء تركوا بإرادتهم وصاياهم الأخيرة في طيات كتابهم المنجز. وفي كثير من الأحيان يبدو أن ما تركوه لا يعدو كونه كتاباً بسيطاً لا يتناسب أثره مع اللحظة الشعرية المقابلة للحظة الانطفاء أو الرحيل حين يعانق الرجلُ الأرضَ العناق الأخير.


ويمكن لزائر متحف دوستويفسكي في سانت بطرسبورج اليوم أن يرى المنضدة التي كتب عليها الروائي الكبير روايته "الأخوة كرامازوف"، كما يرى خلف المنضدة الوسادة السوداء التي مات عليها. ولا يمكننا الفصل بين المنضدة والوسادة، ذلك أن الكاتب رحل عن دنيانا بعد أقلّ من شهر على صدور روايته. ولو عدنا إلى فيكتور هوجو فنجده يقول في مقدمة كتابه "التأملات": إن على القارئ أن يقرأ الكتاب وكأن صاحبه قد مات. كما أنه أخبر أحد الأدباء بأن الكتاب يمكن تقسيمه إلى أربعة أجزاء هي على التوالي: شبابي الميت، قلبي الميت، ابنتي الميتة، وطني الميت. مهما يكن، فإن الشعراء القدامى والمحدثين يكثرون من الكلام عن الموت، لكنهم لا يموتون. يقول ألبير كامو: إن على الكتاب أن يبقى ناقصاً، وهذا ما أعطى موت كامو المبكر في حادث السيارة معنىً مأساوياً مضافاً، إذ إن كل ما كتبه لم يكن غير البداية، بداية العمل الأدبي، أو بالأحرى مسودة ناقصة للبداية، وهي ملحمة مفتوحة على المصير، لا نهاية لها.


إذاً هناك نوع من الأدب يراد به أن يكون الوصية الأدبية الأخيرة، يظهر بعد وفاة صاحبه. وهذا ما يصفه الروائي التشيلي روبيرتو بولانو بأنه أشبه بعمل العبد الذي يقاتل حتى الموت في ساحات روما القديمة، لا لشيء إلاّ لإمتاع الناس. والكاتب البائس هنا يستمد الشجاعة من ذلك المجالد العتيق، فيحفر على الورق ما يعتقد أنه لعبة الحياة مع الموت. وهذا بالضبط ما أراده شاعر تشيلي الكبير بابلو نيرودا حينما ترك على المنضدة ثمانية دواوين شعرية متفرقة، ثم رحل في الثالث والعشرين من سبتمبر 1973 .


صدرت الدواوين الثمانية في الأرجنتين في العام نفسه، ولا نعرف ترتيبها، من الأول، ومن الأخير. ومن بين هذه ديوانٌ صغير بعنوان "كتابُ التساؤلات"، ترجمته إلى العربية السيدة سحر أحمد، ثم ظهرت منه نسخة جديدة مزدوجة هذا العام، مَزيدةً ومنقحة بعنوان "بابلو نيرودا: كتاب التساؤلات - حسين عبد اللطيف: كتاب الإجابات". وهذه تجربة غير مسبوقة أن يقابل شاعر عربي شاعراً أجنبياً.


وصورة الموت حاضرة في كل صفحة من الديوان، وهي صورة يكتبها طفل برئ لا يعرف من الموت شيئاً، لكن الكتاب بمجمله يعبر عن رؤية الشاعر لعذاب الإنسانية المستديم. ثمة تساؤلات شخصية عن الشاعر نفسه، وتساؤلات عن الرياح، وأخرى فلسفية بحتة، والكل يأتي بلغة شديدة البساطة. وكلُّ سؤالٍ يتطابق مع رؤية خاصة، أو موقف معين يقفه الشاعر من العالم حوله. لكن البساطة التي نراها هنا هي بساطة خادعة، ذلك أننا لا نملك إجابة وافية عن التساؤلات المطروحة. يفتح نيرودا تلك الكوة البعيدة المظلمة من أيام الطفولة، وينظر إليها بعينٍ أوسع وأرحب، لينبش كلَّ ذكرى عزيزة على النفس، وكل تجربة يظن أنها ماتت، وما زالت حية في النفس، جمرةً تحت الرماد.


أما بناء القصائد في الديوان فيستمد أصوله من التراثين اليوناني والروماني، وكأننا الآن مع نيرودا في ندوة الشعراء في أثينا. لا حاجة اليوم إلى الفلسفة، فالكل يتبارى في مقطّعات شعرية قصيرة، أشبه بالأحاجي تنطق بالحكمة. تلك هي الأبيجرامات، أو الأنقوشات. وكما جلس نيرودا في بلاط ليستليس الأثيني، وتحاور مع شارلكليس، ومارتيليس من الشعراء، يجلس الآن حسين عبد اللطيف ليتحاور مع نيرودا، ومرجعيته شعره الخاص، بالإضافة إلى موروثه العربي المبثوث في أمهات الكتب العربية كالعقد الفريد، وكتاب الوزراء، والدر المنثور، وغيرها. يقال: إن والي خراسان أساء يوماً إلى الرعية، فكتب له الرشيد توقيعة ـ أو أبيجراماً ـ يقول فيه: داوِ جرحك، لا يتّسع. كما أن الأبيجراما معروفة في الأدب العربي الحديث، ولها أمثلة كثيرة منها كتاب ميخائيل نعيمة الرائد "كرم على درب"، و"جنة الشوك" لطه حسين، و"هوامش على دفتر النكسة" لنزار قباني، و"نصوص شرقية" لعبد الوهاب البياتي، و"توقيعات شعرية" لعز الدين المناصرة. يقول طه حسين: إن أول ما يمتاز به هذا الفن هو القصر، والتأنق الشديد في اللفظ، ثم الحرية المطلقة التي قد تدفع أصحابها إلى الإفحاش في المعنى، واللفظ أحياناً.


تترجم سحر أحمد ديوان نيرودا ترجمةً دقيقة ومتينة، ثم تجمع التساؤلات والإجابات في كتاب واحد، يسأل فيه نيرودا، فيجيبه الشاعر العراقي (البصري) حسين عبد اللطيف. ظهرت الإجابات بعد أربعين سنة من التساؤلات، وجرى توزيع النسخ القليلة من الكتاب في مجلس العزاء الذي أقيم على روحه. كان الشاعر العربي فرحاً بما حقق، ويحق له ذلك، فقد حاور ثالث اثنين، دانتي وشكسبير.


يتساءل نيرودا قائلاً:


أين ترك البدرُ


كيس طحينة الليلة؟


فيجيبه عبد اللطيف:


في أحلام الجياع،


أو في ملجأ الأيتام


هنا يأخذ الشاعر العربي سؤالَ الطفل البرئ من نيرودا، ويردّه بلغة مكتنزة، وصور موحية هي غاية القصد في اللغة. يتماهى شاعرنا مع الناس البسطاء وهم ملح الأرض، ويضع يده بيد الأبرياء التائهين في مدن الإسمنت والحديد والقار المحمي التي تأكل أحياءها كل يوم. ولكنه حين يسأل نيرودا عن عدد الكنائس في الجنة فإنه يقف صامتاً، ويتجاوز السؤال إلى سؤال آخر، وكأنه مازال يدور بين المآذن العالية، ويتأمل في قباب الأضرحة الناصعة كمياه البحار العربية التي لا تطرقها غير البوارج الغريبة المحملة بالحديد السّام. تزداد النظرة الفلسفية لدى الشاعر العربي وكأنه يجلس الآن على أبواب بيت الحكمة الذي تغص تكاياه بطلبة العلم من قندهار شرقاً إلى سالونيك غرباً، فنراه يرد على سؤال نيرودا: أيحدّثُ الدخانُ الغيوم؟، فيجيبه قائلاً: الدخانُ فيلسوفٌ، لا يتحدث إلينا إلاّ عن المصير.


نمضي سؤالاً بعد سؤال، ونرى الشاعر قد بزّ رديفه التشيلي بقوة الإحساس، وعمق النظرة، وبلاغة الشعر العربي الذي يقوم على التركيز والإيحاء. يتلاعب عبد اللطيف باللغة الأصل، ويردها على صاحبها بعد أن يفكك أوصالها وكأنه يلهو بلعبة أنيقة من لعب الأطفال. يسأل نيرودا:


سأل الجملُ السلحفاة:


ماذا تحرسين تحت السنام؟


فأجابت السلحفاة:


وماذا تقولُ للبرتقالة؟


هنا يأتي اللعب بالكلمات من الشاعر العربي، فيأخذ طرف الخيط من اليسار، ثم يعيده إلى الأصل عن اليمين:


سألت السلحفاة الجمل:


ماذا تحرس تحت السنام؟


فأجاب الجمل:


وماذا تقولين للبرتقالة؟


أو انظر إلى ناصية الشعر هذه، وكيف يقف عليها الشاعر العربي حين يسأله نيرودا قائلاً: لماذا تحلق قبعة الليل ملأى بالثقوب؟ فيجيبه عبد اللطيف: لتطل منها النجوم. ثم انظر في هذه: كيف عرفت حبات العنب الخط الجماعي للعنقود؟ فيكون الجواب:


ما أعظمه بريداً


يربط بين اثنين


حبلُ السرّة.


أما حينما يقابل نيرودا الموت وجهاً لوجه، فإن الشاعر العربي لا يجد ما يدافع به غير كلام الأولين، وبلغة تستمد أصولها من براءة الموضوع نفسه، إذ لا جدال في الموت، ولا سجال فيه:


أمسِ، بالأمسِ سألتُ عيوني:


متى يرى أحدنا الآخر؟


وعندما تغيران المنظر،


فبيدين عاريتين، أم بقفازين؟


يقول عبد اللطيف:


سعياً على الرأسِ، لا مشياً على القدمِ...


وحينما تقترب الرحلة من نهايتها، ومخافة أن ينفضّ المجلس من حول الشاعرين الغريبين، فإنه يأخذ نصله المرهف ذا الطرف الحاد، ويركّبه في السهم الرشيق حتى يبلغ به الرمية، ثم ينفذ منه بسرعة:


أين الطفلُ الذي كنته،


أما زال بداخلي، أم رحل؟


فتكون الإجابة:


في الدنيا، أدمته الأشواك


احملْ عزيزي بلطفٍ


في زورقك.. أورشنابي


هنا ليس له أمام البراءة الكبرى غير الرجوع إلى الميثولوجيا البابلية المكتنزة في ملحمة جلجامش. لكنه حين يشعر أن غريمه التشيلي فقد السيطرة على أصغره في اللسان، ويراه يلحف في القول على السفيه هتلر، فإنه يعود بخفة متناهية إلى خاصّ الخاص في القرآن الكريم: «ولا تزد الظالمين إلاّ تبارا».


والكتاب في شكله العام حين نرى نيرودا عن يمين الصفحة، يقابله عبد اللطيف عن اليسار، هو أنقوشة جديدة مضافة إلى شعرنا الحديث. عاش حسين عبد اللطيف عفيفاً، بعيداً كل البعد عن البهرجة والشعارات الزائفة التي تغص بها الأسواق. وفي صباح العاشر من يوليو 2014 تسلم جواز سفره الجديد، وعاد إلى البيت. ارتقى السلّم درجةً درجة، ثم جلس في الأعلى. فرش أوراقه في حضنه، وأخذ يقرأ. عادت ابنته من العمل، وصعدت السلم حتى اقتربت منه. وضعت يدها في يده، ورأت أن السهم قد نفذ. ذهب الشاعر عن عمر يناهز (69 عاما) وهو يحلم بزيارة مدنٍ جديدة، وبحارٍ جديدة، لم يرها من قبل.


تقول سحر أحمد: إن حسين عبد اللطيف من القلائل الذين تجلس إليهم فتحس أنك تحبهم وتحترمهم، وهذه شهادة غالية.


- أورشنابي: هو نظير يتسو في المعتقدات اليابانية. ملاح الزورق، الذي عبر به جلجامش نهر الموت ، وهذا تعريفُ المرحوم الشاعر نفسه الذي وضعه في هامـش الصفحة 39 .