ثلاث وثائق تؤرخ لحالة مصر الاقتصادية ( 1949 ) .. 23 عاما على رحيل الفنان حسن محمد حسن و 62 عاما على الثورة .. كم عاما تنقصنا لتقديره ؟

20/11/2014 - 8:57:28

الملك فاروق الملك فاروق

كتب - مجدى عثمان .. ناقد و تشكيلى مصرى

1 ( حصل في يوم الأحد 11 / 7 / 1948 في تاريخه وحصل اتفاق على تركيب عرق خش3 / 4 مرمة بالدور الثاني في الغرفة مكسور فى المقاولي عليه جاد على المذكور بالشرابيه بحارة أحمد فراج بعطفة الساعى منزل 5 وحصل اتفاق المقاولة بثمن العرق الخشب بمبلغ 70 قرش صاغ (سبعين قرش صاغ ثمنه لا غير) وترميمه وأتعابه ومصاريفه وبثمن الجبس40 قرش (اربعون قرش صاغ لا غير) وتحرر هذا وحصل عليه بإمضاءه بمنزله مصطفى محمد حسن بعطفة الساعي منزل 4 . امضاء جاد علي)..


2 ( كشف عن ايجار المنازل .. إيجار منزل حارة الإسكندراني 65 قرش، إيجار منزل عطفة الساعي 118 قرش، مجموع الإيجار عن الشهر الواحد 183، إيجار منزل حارة الإسكندراني عن أربعة أشهر 65 * 4 = 260 قرش، سدد منه 164 قرش، الباقى 96 قرش.. إيجار منزل عطفة الساعى عن أربعة أشهر 118 * 4 = 472 قرش، سدد منه 342، الباقي 130 مجموع إيجار المنزلين عن المبالغ التي سددت 342 + 164 = 506، الباقي من المنزلين 96 + 130 = 226 قرش، المجموع الكلي في الحالتين 226 + 506 = 732 قرش، مصاريف ترميم بعطفة الساعي 110 قرش.. 732 - 110 = 622 )..


3 ( لا يوجد تعريف عن الجمال يجد قبولا عاما، ومهما كان الأمر فقد يبدو من الملائم إعطاء توضيح للمعنى الذي يستخدم فيه الاصطلاح في الأعمال الفنية المتعلقة بالحاضر...


ثلاث ورقات وُجدت ضمن مجموعة من الأعمال الفنية للفنان الراحل/ حسن محمد حسن، عرضنا لها في دلالة على تأريخ الحالة الاقتصادية في مصر آنذاك - عام 1948 - وجوانب أخرى، مثل أن الأولى هي إيصال من المقاول "جاد علي"، والتي ضمت عدداً من الأخطاء الإملائية، وكُتب الإيصال بالقلم "الكوبيا"، وفي تأكيد من ناحية أخرى لمدى ترتيب وتنظيم عقلية مصطفى محمد حسن شقيق الفنان والذي يبدو أنه الأكبر، لما هو مكلف به من أعباء تُلقى على عاتق الأكبر دائما، مثل إيجار البيوت المكتوب بالقلم الرصاص، ووقت هذا التاريخ كان الفنان حسن محمد حسن قد تخرج من كلية الفنون التطبيقية، وعاد من رحلته الدراسية من إيطاليا.


أما الورقة الثالثة فكانت من ورق الصحف من القطع الكبير يحتل الحبر الأسود ظهرها في زخرفة نباتية تعتمد التوريق الإسلامي، وتبدأ بالبسملة من الخط المملوكي المفرغ، يعلوها عنوان (الزخرفة العربية) وهي من أعمال الفنان، والورقة هي مقال عن مفهوم "الجمال" أو "التحليل الجمالي" وهو محرر بالحبر الأزرق، الذي لا يخلو من الشطب والتصحيح، ثم تجد أنه ربما عاد إليه بعد فترة فحذف منه ما حذف وأضاف إليه بالحبر الأحمر، وأعاد الصياغة في بعض جمله.


وإذا عدنا إلى " كشف إيجار المنازل" مرة ثانية حيث هي مدونة خلف ورقة ظاهر أنها منزوعة من دفتر أسفل الورقة جهة اليمين طُبع "مصلحة المساحة المصرية سنة 1930" وتخص كعنوانها "أرقام السجون" وهي رسم بياني عن فئتين هما "المدمنون والتجار"، وذلك قياساً للفترة من 12/ 8/ 1929 وحتى 1/ 10 / 1930، والغريب في الأمر أن التاريخ الأول بدأ فيه نسبة التجار 1293 مع وجود 5238 مدمن، إلا أن التاريخ الأخير لهذا الإحصاء يوضح أن نسبة التجار في تزايد حيث هي 2828 بالمقارنة بانخفاض في أعداد المدمنين إلى 4580 !! أي أنه خلال ما يزيد عن العام بقليل زاد عدد التجار بمقدار 1535 تاجر، فيما قل - وهذا المحير- عدد المدمنين بمقدار 658 مدمن، فالمفترض زيادة عدد المدمنين فتنتعش التجارة، ويزداد عدد التجار إلا أن العكس هو الحادث وهذا على غير المنطق، والرسم البياني مدون باللغات الثلاث "العربية، الإنجليزية، الفرنسية".


ومن ناحية أخرى وُجدت ضمن مجموعة أعمال الفنان جريدة «الفؤاد» السودانية في عددها رقم 32 الصادر في 15 / 3 / 1949، والتي يصدرها ويدير سياستها الشربيني حسن، وهذا العدد صدر لمناسبة عيد الدستور، يعتلي صدر غلافها - حجم التابلويد - صورة الملك فاروق، وأسفلها " تتقدم الجريدة برفع ولائها ووفائها لجلالة الفاروق العظيم حامي الدستور وراعيه"..


أما ما هو أهم من صورة فاروق، هو بعض ما جاء من موضوعات بالجريدة مثل "السياسة المائية والزراعية" وما ستنظره الحكومة على لسان السكرتير الإداري للمجلس التنفيذي للحكم الثنائي، من احتياج البلاد لمياه النيل وفي أضمن الوسائل التي تسد هذه الحاجة، والمنتظر أن تصل لجنة مياه النيل إلى قرارات عادلة وستستمر مصلحة الري في مشروع التطوير الذي أعلن في سنة 1945، خاصاً بتوسيع قناة الجزيرة وزيادة الأراضي التي تروى بها من 900 ألف فدان إلى مليون فدان.. وفي مساحة أخرى بالصفحة السادسة "قالت جريدة النيل اليوم إن وزير الزراعة وهو سكرتير حزب الأمة مهتم بمنح المتقدمين للطلمبات على شاطىء النيل التراخيص اللازمة وكانت موقوفة فيما مضى بسبب اتفاقية توزيع مياه النيل المبرمة بين مصر وبريطانيا. وهذا يوضح أن مشكلة مياه النيل وحصص دول الحوض التي تثار بشدة الآن قديمة قدم هذا التصريح!


المشكلة الثانية التي ما تزال قائمة الآن ولها جذور عميقة هي "القطن المصري" حيث جاء بالجريدة تحت عنوان" الصناعات القطنية في مصر": تعاني صناعة الغزل والنسيج المحلية ضائقة شديدة في هذه الآونة، فمخازن مصانعها تكدست فيها الخيوط والأقمشة نتيجة لنقص الاستهلاك المحلي منها، بسبب منافسة الواردات الأجنبية من الأقمشة القطنية التي غمرت أسواقنا، ولو استمرت الحال على هذا المنوال لأصبح لزاما على المصانع المحلية أن تغلق أبوابها.. إن العلاج ضروري لدعم هذه الصناعة المحلية التي يعمل فيها الآن ما يقرب من 100 ألف عامل وعاملة، يعولون أربعة أمثال عددهم من المواطنين، ويستثمر فيها حوالي 50 مليون جنيه - هذا عام 1949 - كما أنه سيهيئ الجو الصالح للإنتاج الجيد الذي يمكن إصداره إلى الخارج فتتحقق بذلك أمنية عزيزة على كل مصري، وهي إصدار قطننا خيوطا أو أقمشة مما يعود على البلاد بأضعاف ما نربحه منه الآن، وذلك فضلا عن خفض نفقات إنتاج الملابس الشعبية ورفع مستواها.


المشكلة الثالثة هي "القمح الروسي" في عمود بالصفحة الثالثة تحت عنوان " وزارة المالية تشترط شروطا لشراء صفقة كبيرة من القمح الروسي" وجاء بالخبر: طلبت وزارة التجارة بالاتفاق مع وزارة التموين من وزارة المالية السماح بشراء 111 ألف طن من القمح الروسي معروضة للبيع من جانب الحكومة الروسية على مصر بشرط أن يدفع ثمنها قطنا على أن يكون سعر الطن من القمح 30 جنيها، فلما درست وزارة المالية هذا العرض وجدت أن سعر القمح مرتفع و يجب أن لا يزيد عن 24 جنيها للطن الواحد، كما يجب أن يدفع الثمن قطنا يشترى من السوق الحرة إلى مصر بسعر البورصة لا بسعر محدد كما حدث في الصفقة الروسية الأولى، وكذلك اشترطت أولا وقبل كل شيء تحليل عينة القمح الروسي للتأكد أن نوعه في هذه الصفقة غير النوع الذي باعته روسيا في الصفقة الأولى لمصر، كما اشترط عدم تصدير القطن المبيع لروسيا من أجل هذه الصفقة إلا بعد ورود جميع كميات القمح الروسي للتأكد أن صنفها من العينة التي توافق عليها الهيئات الفنية المختصة. كما طلب اشتراط عدم بيع شيء من القطن الذي سيصدر إلى روسيا خارج حدود الدولة الروسية..


من هذا نتأكد أن مشاكلنا من الأمراض الحادة، ممتدة وغير جديدة بل مكررة، وأيضاً يتضح من التاريخ أن من اتهم جمال عبد الناصر بأنه السبب في استيراد القمح هو إما فاسد الأدلة أو له غرض بلغ من نفسه مبلغه.


إن استعراضنا لمثل هذه الموجودات المتداخلة مع لوحات الفنان الراحل حسن محمد حسن التي لم تعرض من قبل، ما هو إلا رجع لصورة الحالة العائش فيها الفنان ومحيط وعيه وخصائص مجتمعه، والذي هو جزء أصيل لدى الفنان في تعبيره الفني و كأدلة ساقها هو نفسه عن أهمية بل وجوب ارتباط الفن بالمجتمع وقضاياه..


ورغم مرور ما يقرب من 23 عاما على رحيل الفنان، إلا أن مرور62عاما على ثورة يوليو منذ ما يزيد على الشهر، هو ما أخرج مني فعل استدعاء هذا الفنان فناً ورأياً خالصاً، في ربط فنه بل الفنون جميعها بالثورة وميثاقها الوطني، هذا مع عدم وجوده على لائحة تاريخ الفن، ونقده بالقدر الذي يستحقه سواء من خلال دولة الثورة أو حتى الآن، فربما ما سلفنا إليه من مشكلات قائمة منذ قبل الثورة وما تزال إلا من تغير في القائمين عليها والضالعين بها هو ملمح عام مستمر في إطار اعتبارات أخرى للدعم غير أن تكون فناناً صحيحاً أو مؤمناً بقضية ما..


وقد أخذتني الحيرة من كيفية التناول الذي يذكر الرأي منه كما جاء به الفنان نفسه، مع عدم تسرب الضجر من سرد واقعه، هو ما جعلني أستخدم معه الحوار الذي لا قائم له غير ما آمن به الفنان حسن محمد حسن، وما آتاه في متروكاته تأليفاً ، أو تحريراً متوخياً الدقة تماماً إلا من صياغة رابطة ، أو تركيبا للسؤال المستحدث على إجابات قديمة أوردها الفنان في كتاباته وقتها فكان هذا الحوار مع الفنان الراحل:


ما دور الفن في مرحلة إرساء القواعد الاشتراكية كنقطة تحول للمجتمع المصري نحو الإصلاح والبناء، وأنت من المتحمسين لها؟


فى هذه المرحلة كان لا بد للفن من أن يسير في ركاب هذا التطور العظيم، وأن يترسم خطاه المتوثبة نحو الأهداف الإنسانية لاشتراكيتنا العربية، التي تقوم على العدل الاجتماعي وتعمل على توطيد دعائم حقوق الإنسان، وذلك بدلا من اقتفائه لأثر تلك الآراء الجمالية التي تنادي باستقلال الفن عن جميع المرامي والأهداف، مهما كانت سامية الأغراض، أو تهدف إلى صلاح المجتمع وسعادته.. أجل، كان لابد للفن من أن ينزل من برجه العاجي إلى حياة الشعب، وكان من الطبيعي على الفنان باعتباره القلب الخفاق بأنبل المشاعر والعواطف التي يحس بها مواطنوه، أن يعيش بوجدانه وأن يتغلغل بكل حواسه و أعصابه في كل ما يجيش في حياة هذا الشعب، وما يندفع به في غير هوادة نحو الإصلاح والبناء، الذي يستند إلى الثورة الاشتراكية، حيث ينفعل الفنان ويتفاعل مع تلك الدوافع الإنسانية، إذ يستمد منها أفكار موضوعاته ويمدها بفيض من ابتداعه الذي يعبر في عمق عن ذلك التحول الكبير، الذي لفت إلينا أنظار العالم بأسره إكباراً، لما يتضمنه من وثبة جريئة تعوض هذا الشعب ما فاته، لأنها وثبة تقفز به في عالم يسعد فيه أفراد المجتمع بالديموقراطية الحقة التي تحقق تكافؤ فرص النجاح أمام الجميع ، وهو النجاح الذي يعني التقدم ويستند إلى جميع طاقات الشعب، وهكذا يسير الفن معتمدا في طريقه على تلك المبادئ الجمالية التي تنادي بأن يكون "الفن في سبيل الحياة"، حيث يقتضي ذلك من الفنان أن يتتبع جميع حلقات التطور التي أدت إلى ظهور الاشتراكية بوطننا العربي، لكي يستخرج من صور الماضي القاتمة، تلك العبر التي تبصر الشعب بما كان عليه الحال من الأوضاع، والمظالم الاجتماعية التي ارتكبت في حق الشعب والتي تمثل بوائق الاستعمار والملكية الفاسدة والحكومات البائدة التي تعمل في ظلهما.


هل يوجد مذهب أو اتجاه فني يمكن لنا أن ننعت الإنتاج الذي يترسم خطاه وينهج على مبادئه فناً اشتراكياً ؟


من سؤالك هذا ربما أيضاً يقول قائل : إن هذا لمزج عجيب، إذ كيف يجوز لنا أن نطبق مذهباً سياسياً اقتصادياً على اتجاه فني تشكيلي؟!.. وإذا كان من الميسور تطبيق الجوانب الاجتماعية للاشتراكية، باعتبار أن الفن وثيق الصلة بحياة المجتمع، ويعتبر عاملاً مهماً في بنائه، فكيف يمكن تذليل العقبات التي تعترض تطبيق الجوانب الاقتصادية بما تتضمنه من تشريعات الإصلاح الزراعي، وإبادة الإقطاع و تأميم المؤسسات والشركات وما تنطوي عليه من ارتفاع بمستوى العمال ومشاركتهم في الأرباح، وما يرتبط بذلك من اقتصاد سياسي في تحديد ساعات العمل والأجور، إلى غير ذلك من شتى الجوانب التشريعية الوثيقة بحياة الفلاحين والعمال وأصحاب العمل، وما تهدف إليه قوانين هذه التشريعات بالحد من رأس المال، وتقليم أظافره كي لا يطغى على الحكم ، ومن ذلك أرى أن المذهب الفني التاريخي الذي يمكن لنا أن نصفه بحق بأنه يمثل الفن الاشتراكي، إنما هو المذهب الفني الرومانسي، وأن الرجل الذي كان له الفضل الأول في وجود الحركة الرومانسية كحركة فنية ثورية، إنما هو الكاتب الفيلسوف جان جاك روسو حيث يلقب بالأب الروحي للرومانسية.


هل هذا شرطاً وجوبياً " أن يكون الفن رومانسياً حتى يكون اشتراكياً " ؟


ليس ذلك بصورة مطلقة، أي أنه لا يوجد فن اشتراكي إلا إذا كان فناً رومانسياً، بل الأمر على العكس، إذ توجد لهذا الفن جوانب كثيرة ومتشعبة باعتبارها متعلقة بحياة الشعب، حيث نجد في المذاهب الفنية التاريخية -عدا الرومانسية - وكذا بعض المذاهب المعاصرة صوراً إنسانية عديدة ومختلفة، يتخذ بعضها طابع النقد الاجتماعي لحياة الطبقة الأرستقراطية المستهترة، حسبما نشاهدها في إنتاج كل من جين ستين Jean Steen الهولندي، وهوجرتHogarth الإنجليزي كما يصور بعضهم حياة الفئة الكادحة ويعبر أصدق التعبير عما تعانيه الطبقة الفقيرة ، ويرمي في اتجاهه الفني إلى هدف اشتراكي واضح، أمثال الفنان الفرنسي كوربيه Courbet، وهو المصور الذي تمتد جذور طرازه الواقعي إلى المصور الإيطالي كارفاجيو Carvagio، وما لهذا الفنان من أثر في أعمال المصور الإسباني موريللو Morello حيث يبدو في إنتاجهم بصفة عامة ذلك الاهتمام الخاص بالموضوعات التي تتصل بحياة الشعب والطبقة الفقيرة.


أنت تعتبر أن نظرية " الفن للفن " ابتدعها الجماليون المتطرفون في أواخر القرن الماضي - الـ 19 - وقد عفى عليها الزمن الآن.. ! كما أنها تشير إلى فن ذي نزعة لا أخلاقية.. إذا كيف ترى الفن وهل ستعيده إلى الاشتراكية أيضاً ؟


ذلك لأن الفن وقد أصبحت رسالته عالمية في القرن العشرين الذي نعيش فيه، إنما هو الفن الذي يستطيع أن يساهم بنصيب كبير في مؤازرة القضايا الدولية، بتدعيم السلام وصيانة حقوق الإنسان، إنه الفن الذي يتفاعل مع مشاعر ملايين البشر التي تسكن هذا الكوكب الأرضي، ومن أجل ذلك يجب أن يكون له هدف سامٍ لصالح هذه الملايين، ولا يمنع ذلك من أن يكون هذا الفن معبراً عن طابع إقليمي (للبيئة التي ينتمي إليها الفنان)، وتلك هي اشتراكية الفن سواء في معناها الفسيح الذي يتسع للعالم أجمع أو في النطاق المحلي الذي يمثل بيئة محددة لشعب معين، ويمكن القول بأن اشتراكية الفن قد تكون أسبق في مدها الدولي الذي اكتسح العالم أجمع، أما ذلك الفن الذي يتنكر للقيم الأخلاقية من ناحية، وللقيم النفعية المرتبطة بالحياة الإنسانية حتى و لو كانت أدبية من ناحية أخرى بحسب هذه النظرية إنما يتخذ اتجاهاً يفقد معه الأهداف العظمى لجوهر رسالته.


فيما يرى الكثيرون أن الفن التجريدي لا إنساني.. تختلف أنت في هذا، وتعتبر أن التجريد من كلمة مجرد من أشياء.. ماذا تقول ؟


إن الأوضاع التجريدية في أي صورة كانت، لا تخرج عن أحد أمرين: أما الأول منهما فهو العمل على تبسيط صورة أشكال الطبيعة وحذف الكثير من تفاصيلها، حتى تأخذ طابعاً رمزياً، كما هو الحال، وعلى سبيل المثال في إنتاج جوجان بل حتى سيزان وفان جوخ وماتيس، وكل منهم في هذا الصدد يقترب من الآخر، بالرغم من تباين المذاهب في التكوين الموحد، الذي يستخدمه جوجان، أو في الانفعال البصري لدى سيزان، ثم الاتجاه التعبيري عند فان جوخ، وأخيراً الاتجاه الوحشي لدى ماتيس، حيث يعمدون جميعهم إلى تبسيط الصورة للوصول إلى جوهر الشيء أو بعبارة أصح ما يقربنا من حقيقته، أو إعطاء الصورة الوهمية لهذه الحقيقة على الأقل، وفي هذه الحالة لا نجد انفصالاً البتة عن الحياة ! لأن هنالك ارتباطاً مع ذلك بالصورة الحية، أو بالصورة الطبيعية في الأداء. أما الأمر الثاني فهو ما يتعلق بالتجريد في صورته الأخرى التي أشار إليها الفيلسوف شوبنهور، وذلك بفصل القالب الطبيعي عن الأشكال حتى تأخذ صورتها أوضاعاً هندسية مجردة في تكوينها عن ذلك الشكل الطبيعي، أو إذا تعمقنا في هذا التجريد طبقاً لنظريته حتى يصير الشكل التجريدي في حالة لا تنطبق على أشكال الطبيعة، وحتى يصبح فن التصوير كفن الموسيقى الذي يستند إلى أصوات تجريدية ليس لها ما يقابلها في الطبيعة.