لم يعد للانتحار ذلك الألق

20/11/2014 - 8:55:13

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتبت - عبير اسبر .. روائية من سوريا

الرجل العصري لا يبدأ حكايته من هاوية، من دفن أخته الآثمة، أو غرق عبّارة بمسافريها الفاريين، لا يبدأ من قطع رأس، أو طردٍ فضائحي لرجل أمضى عمراً يتقصى خبايا عمله.


الرجل العصري لا وقت لديه إلاللسرد المعتدل، يكره أن تبدأ حكاياته من نهاياتها، لا وقت لديه لانقطاعات الحدث، والمحاولات المروّعةلتغير واقع بائس، لا وقت للغندرة في طرقات تعثّرها مُهلك،ولـ"كان يا ما كان" ودوخة لغوية تبدأ بـ:


"أفاقت نسرين تبغي أن تحوطها امرأة أبيها بقرار رحيم، وتتركها لتنشر غسيل النهار على سطح مشمس".


الرجل العصري يحمل دراماه الخاصة كما نحمل أسماء الدلع، أسماء تخصنا وحدنا. فهو يبتسم طويلاًعندما تعلن مضيفة حفل الأوسكار إيلين ديجيرنس ببشاشة متشفّية: "لولا السود واليهود والمثليين لما وَجدت هوليود ما تحكيه".


وهوليود خبيرة الحكايات لا تؤمن إلا بالفرصة الثانية، عندما تصل حياتك حتى حضيض ما، وتلعق سخام الأرصفة عن جروح يديك وركبتيك وأنت ملقى هناك، تخيط أعضاءك المبتورة بمسلة وتعض جراح قلبك بأنياب ذئب وتتركها لتندمل وجعاً. عندها قد ينتفض في داخلك وحش ما، ويطالب بحياة يستحقها، وهنا تكمن الحكايا كلها.


في هوليود، عند السرد، في قلب لهيب حكاية، لا مكان للعادي، للمعتدل، للبطيء والهادئ. ولأجل هذا يحتفي الرجل العصري بالسينما، يتابعها، يمولها، ويحكي لأطفاله عنها..


لكن من حيث أتيت، الأطفال هم من يحكي كل الحكاية.


أطفال البلاد المنفية على حدود العالم القديم "العراق، أفغانستان، الهند" لا أمل لهم سوى الركض لتحصيل الخلاص، لنسيان كل ما مضى..


يبدأ الفيلم الكردي "بيكاس" كما كل فيلم ممتع بالركض، بطفلين يحملان الحكاية والحلم، ويركضان، يركض طفلا بيكاس لرؤية "سوبرمان" في عرض سينمائي يصل قريتهما الكوردية النائية المنفية عند حدود الله، يحبان سوبرمان الذي سيعيد الحياة لأبيهم الميت في الحرب، فيقرران الذهاب إلى أميركا لإحضاره على حمار، عابرين الحدود "الصدّامية" لعراق 1990 .


في فيلم "عداء الطائرة الورقية"، ينتصر الطفلان الصديقان على أطفال الحي، ينزلون كل طائرة ورقية من عليائها وترفُعها على طفولتهم لتعلو طائرتهم الخاصة ويركضان.


بدأ فيلم "المليونير المتشرد" بأطفال شبه عراة مغبّرين بتراب الهند وبهاراتها، وكركمها الشمسي، يركضون لرؤية أميتاب باتشان بطل طفولة الفقر، طفولة لن ينجها سوى الهروب ركضاً من أزقة ملوثة بالبراز والأصبغة والجوع.


السينما قدمت سرداً عن أمثالنا الملقون عند حدود الحياة، ما قبل الموت، بالقرب مما هو حي ولا يجرؤ على المتابعة. متابعة العيش، دون رفاهية الانتحار.


نعم ينتحر الرجل العصري.


انتحر روبن وليامز بانتحار شبيه ماتفيليب سيمور هوفمان بجرعة هيروين زائدة، والحقنة في ساعده. لم يفده أن يطبطب أحد على قامته مواسياً:


Itصs not your fault!


في حياة مضت اختبرتُ الانتحار بحدوده الدنيا، وصلت عتبة ألم ينضح من لحظة موحشة، تعلمت كيف نسكن العزلة وننتزع عمرنا من جذوره دون رجعة داعبت الانتحار كما نداعب قطاً خشن المظهر. بهدوء وعلى الحافة فقط، حافة المشاعر، حافة الفعل. لطالما عشت على الحواف.


ويمر في بالي ما مضى، في استرخائنا القديم، في بيوتنا الهانئة، وحياتنا التي مرت بجانبنا دون أن ننتبه، عندما رثينا حيواتنا في بلاد بلا أفق، بلا حلم، بلا ثورة، عندما تعلّمنا عن الأدب، وغرقنا في الروي، فتنتنا حكايات الشعراء الحالمين، الكتاب العظام، الفلاسفة العدميين، المنتحرين المترفعين عن الحياة، الساعيين للموت، بوجوههم الأنيقة وشعورهم المصففة على مهل، بألوان ثيابهم الرصينة، والخدم الكثر الراكضين لإلباسهم ملابس المساء منقوعة بالملل مع الياقات المنشاة. فتننا ذلك الماضي.


الآن، ونحن نقيم في جغرافيا العبث، ونعيش زحام الموت، في عاديته، في شعبيّته وسكناه لوجوه فقيرة مغبرة كالحة، لم يعد للانتحار ذلك الألق، فقد الموت بهاءه القدسي، بات متاحاً مثل كوبونات الأغذية توزع للرعاع، مع السكر الرخيص والصابون سيء الطعم الذي تهدر به عربات القطارات البعيدة، في تلك الحروب التي مات فيها كل الناس، وعادوا أشباحاً فقط لينتقموا.


الرجل العصري، ينظر لماضيه بتؤدة، دون تصفية حسابات، في عالمه، تزور فرنسا ألمانيا، وتتحد معها بالنقد ووحدة المصير، وتنتخب أمريكا رئيسها الأسود، ويصدّر لنا عالمه كل ما نسي.


إذ لم يمض زمن طويل منذ أن فقد الكون عقله بالكامل، منذ أن خضع المزاج الكوني، في الحرب العالمية الثانية لرغبات الحرب والخراب وأهدرت 45 مليونا، ويقال: 50 مليون روح، في عبثية هزت ضمائر وفلسفات ومسلمات أخلاقية كبرى، لم يكن الدين من حَرّضها أو أسهم بتفجّر أزماتها.


والآن يخوض البشر في منطقتنا، في نزاع داخلي مقيت، حربهم مع غرائزهم ذاتها، يسألون مجدداً الأسئلة الأولى، الأسئلة الكبرى عن الجدوى والمعنى، عن الأخلاق، عن الدين والرب والعبث، عن الهجران بعيدين عن آلهة تغفر، تنظّر، تسائل وتعاقب، أو تجد حلاً.


ينمو الفكر، والجمال والأخلاق، في مناطق ظليلة وارفة داخل الوعي البشري، لكنه ينمو وحيداً، دون راغب، أو داعم، ينمو هناك مثل الأفكار الشيطانية دون حماية، تنمو الأخلاق عملاقة بمبادئ وفلسفات كبرى وتنثر وعيها للغيب، تمررها لمن بعدها،تورّث رحلتها للكائنات البشرية التي سترث بعدنا وترث مثلنا حصتها من منجز، من قهر، من وعي مقلق،لا يُنجي من العبث، والخراب والحرب، بينما يبدو تشذيب الغرائز والحد منها حلماً لا يُدرك.


لا مكان للرجال العصريين في جغرافيتنا السائحة كقالب زبدة، حيث يحتفظ الرجال النساء ببدائيتهم،وطوطمية خوفهم، يتشبثون بمحرضات الرعب والخوف واللاجدوى، البشرهنا يستجيبون للخوف مثل آدم الأول، يجوعون كإنسان الكهف، يحبون، ويعاشرون كنسخة غير محسنة عن جَدٍ عتيق عتيق..


والرجل العصري يهز رأسه متفهماً، بوعي يدرك مأساة البشر في بلادنا أنهم لا زالوا كائنات بسيطة، طلب منهم أن يعيشوا حياة معقدة فارتبكوا، وذهبوا للحرب.


الكل ذهب للحرب..


أنا من الشام، أتيت من بلد لم يكن يحدث فيه شيء، حتى بات يحدث فيه كل شيء. لم يحصل مرة أن سبق الواقع مخيلة عتاة الروائيين والمحللين السياسيين والجزارين والمعتوهين ومنتجي الحروب والأفلام، كما فعل في هذا البلد الذي أتيت منه.


لم أكن أباً ولا أُماً بنسل وبحبل سري، لكني في كل صباح منذ تركت الشام، وبشعور مريع بالذنب، مع كل رفة قلب، مع كل سقوط لبشر، لأبنية، لأحلام ورغبات، أشعر أني أدفن ابني البكر بيديّ دون شهود، وحيدة بلا عويل ملائم، ولا تفجّع يليق بالفقدان، فقط أنفض عن ثوبي غبار الذكرى، ألعن من حَبّلّني، وتركني مفضوحة، منفوخة بكل شيء حي، ملعونة برائحة البلاد، جيفها، قيئها، ألون مُدنها، شمسها، وتدرجات الضوء على طرقاتها المخاتلة، ألعن الذكرى والحنين، أكره الوعي.


لم أكن أماً، لم أختبر وجع الولادة، لكن بسكين قيصرية أشق ألمي، أُخرج ما فيّ، أمسك جثة غضة لم يتح لها البكاء، أمزقها، أوزعها على قبور كثيرة، لا شاهد يحاسبني، ولا راهبة أطلب من ربها أن يصفح عني، وكأني في كل صباح من كل صباح أترك ابني البكر ورائي نتفاً،أترك الشام تنهبها الريح، بلا اسم، بلا ثأر، دون حكاية.