العربة والحصان في إدارة الثقافة المصرية

20/11/2014 - 8:53:36

اعتصام المثقفين يونيو 2013 اعتصام المثقفين يونيو 2013

كتب - عز الدين نجيب .. ناقد وتشكيلي مصري

تواترت تصريحات كثيرة - منذ تولى الدكتور جابر عصفور حقيبة الثقافة - حول توقيع بروتوكولات تعاون بين وزارته ووزارات الشباب والرياضة والتربية والتعليم والتعليم العالي والأوقاف وحتى الري، لوضع سياسات تعمل على اتساع رقعة العمل الثقافي والنهوض بالوعي التنويري وتشجيع الأنشطة الفنية والمواهب الإبداعية للشباب والأطفال، بدون أن نرى نتائج ملموسة لكل ذلك على أرض الواقع.


وقد تكون الفترة التي تلت هذه التصريحات أقل من أن تسمح بظهور نتائج عملية، لكن ليس هناك ما يبرر غياب الإعلان التفصيلي - رسمياً وإعلامياً - عن السياسات والخطط والبرامج المقترحة لهذه المهام، والقنوات والآليات الكفيلة بتنفيذها، خاصة وأننا قرأنا وسمعنا الكثير من مثل هذه الاتفاقيات بين الوزارات نفسها فترة حكومة الدكتور حازم الببلاوي، وكثر الحديث آنذاك عن تشكيل لجنة وزارية لهذا الغرض برئاسة الدكتور حسام عيسى نائب رئيس الوزراء السابق، وأمانة الدكتور محمد صابر عرب وزير الثقافة السابق، لكنها لم تسفر عن أي شيء، وكأن الأمر لا يزيد على إعلان نوايا حسنة يبرز الحديث عنها كلما شعرت الحكومة بالآثار المدمرة لاختطاف الشباب إلى اتجاهات متطرفة وظلامية، في غياب ما يملأ الفراغ الثقافي لدى الأجيال الجديدة، ومن يأخذ بأيدي أبنائها نحو قيم الانتماء الحضاري والمسؤولية المجتمعية والوعي بتطلعات المستقبل.


لا أريد أن أستبق الزمن وأصل إلى أننا سننتهي إلى ما انتهت إليه اللجنة الوزارية السابقة، أو أن أشكك في صدق نوايا الدكتور عصفور وزملائه في الحكومة، لكنني أطالب ببوادر عملية لجدية هذا التوجه، وأول البوادر ينبغي أن يصدر من المجلس الأعلى للثقافة، فطبقاً لقانون إنشائه 1980 برقم 150 الذي لا يزال سارياً، هو المنوط به وضع السياسات العامة للعمل الثقافي. وبحكم كوني عضواً بأكثر من لجنة من لجانه كان منطقياً أن يصلني ما يفيد عرض ومناقشة مثل هذا التوجه، لكنني وبقية زملائي لم نُذع إلى أي اجتماع بشأن السياسات التي تقوم عليها البروتوكولات المذكورة، علماً بأن لجنة الفنون التشكيلية التي أنضم إليها (برئاسة الدكتور أحمد نوار) تقدمت إلى أمانة المجلس منذ أكثر من عام بمشروع متكامل لتحقيق الأهداف، مشفوعا بخطط وآليات التنفيذ مع وزارتي التعليم والشباب على الأقل.


وقامت اللجنة بمبادرات ذاتية لتنفيذ بعض الأنشطة، من خلال لجنة فرعية مستحدثة من داخل لجنة الفنون التشكيلية باسم "الفن والمجتمع" وتشرفت بأن أكون مقرراً لها، فأقامت بعض الندوات والموائد المستديرة وعدة مهرجانات فنية في الساحات والميادين بالقاهرة وعدة محافظات، تضمنت ورش عمل للرسم والأداء الموسيقى والتعبيري، وورش عمل لفنون الأطفال ورسوم الجرافيتي التي قام بها أبناء تلك المواقع، بين القاهرة والاسكندرية والدقهلية والقليوبية وكفر الشيخ وبعض محافظات الصعيد. لكن هذه المبادرة - بكل أسف - لم تلق التشجيع الذي تستحقه من جانب أمانة المجلس وبعض قيادات القطاعات المعنية بوزارة الثقافة، حتى أننا لم نستطع الحصول على أقراص مدمجة لصور مقتنيات المتاحف الفنية لإقامة ندوات لعرض محتواها داخل بعض المدارس ومراكز الشباب تحت عنوان "متحف في اسطوانة"، حيث ينتقل المتحف إلى الشباب يشجعهم لاحقاً على الذهاب إليه، كما واجهنا عَنَتاً في الحصول على إمكانات فنية بسيطة لإقامة المعارض وورش الرسم، فكانت مطالبنا تقابل بالتجاهل والصمت، وفي الجلسات الخاصة كان يقال صراحة إنهم فعلاً يقومون بهذه الأنشطة وإن هذا ليس من شأن لجان المجلس.


أما المجلس ذاته فأبدى عدم استعداده للصرف على هذه الأنشطة - ولا حتى لتبنيِّها معنوياً والإعلام عنها، حتى اضطررت لطلب الدعم من وزير الثقافة السابق صابر عرب، فوافق لمرة واحدة على دعم متواضع من صندوق التنمية الثقافية، وفي المرة التالية اعتذر لضعف موارد الصندوق، لكنه - في لقاء تم لاحقاً مع أعضاء اللجنة - أعلن صراحة أن لجان المجلس لا تزيد على كونها لجاناً استشارية تقدم المقترحات للقطاعات المختصة بالوزارة، وهى حرة في أن تأخذ بها أو لا تأخذ!


ذلك - في الحقيقة - هو لب القضية، وكأن لسان حال الوزير - أى وزير - يقول للمثقفين: تكلموا كما تشاءون.. واقترحوا ما تشاءون.. وضعوا من الرؤى والاستراتيجيات والخطط ما تشاءون.. فما المجلس إلى "مكلمة" كبيرة تتسع للجميع.. أما الأفعال فلنا.. نحن القائمين على شئون الثقافة.. واطمئنوا فإن أفكاركم وأوراقكم في الحفظ والصون داخل الأدراج.. لكن لا حاجة بنا إليها في الواقع!


الغريب - والحديث لا يزال متصلاً بلجنة الفنون التشكيلية - أن لجانها الفرعية المعتمدة تتضمن لجنتين تنفيذيتين بحكم مهامهما: الأولى هي لجنة المقتنيات من معارض الفنانين لضمها إلى متحف الفن الحديث، خصماً من الاعتماد المخصص لذلك بميزانية قطاع الفنون التشكيلية، وهو النظام المعمول به منذ إنشاء المجلس، والثانية هي لجنة المعارض الخارجية أو التي تطلبها بعض الدول.. لكن إذا كانت اللجنة الأولى لم تجد حتى الآن من ينازعها اختصاصها من قبل أجهزة الوزارة، فإن الثانية واجهت في العام الأخير مقاومة شديدة من قبل قطاع الفنون التشكيلية، الذي بات يصر على الانفراد بترشيح الفنانين على هوى المسئولين فيه، وعبثاً تذهب استغاثات اللجنة العامة لأولي الأمر، حتى وصلنا إلى حالة مقاطعة من ممثلي القطاعات الرسمية الممثلة في عضوية اللجنة لحضور جلساتها حتى تهرب من المساءلة، فيما لا يبدي المجلس اهتماماً بالموضوع.


هذه مجرد أمثلة على العشوائية والانتقائية في القرارات والخيارات، وغياب الرؤية حول طبيعة المجلس وأهدافه ودور اللجان والمثقفين ومدى استقلالهم وحدود علاقتهم بالأجهزة التنفيذية وكافة السلطات، وكانت معالجة كل هذا محل جدل وحوار متجدد منذ ثورة 25 يناير، من خلال الكثير من الأوراق المقدمة من بعض المثقفين وورش العمل والمؤتمرات، وليس آخرها اللجنة العليا التي شُكلت في ربيع عام 2011 برئاسة الدكتور سعيد توفيق، الأمين العام للمجلس آنذاك، وعضوية الدكاترة: محمد نور فرحات وحسام عيسى وأحمد مرسي وحازم حسني وسيد التوني وطارق النعمان، والسيد يسين وقامات محترمة عديدة، وكان لي شرف عضويتها، لمراجعة قانون إنشاء المجلس وتحديد دوره ومهامه واختصاصاته في ضوء المرحلة الثورية الجديدة، وبعد عدة جلسات انتهت اللجنة إلى صياغة مشروع جديد يؤكد استقلالية المجلس كهيئة عامة ترسم السياسات الثقافية لقطاعات وزارة الثقافة وتتابع تنفيذها، مع احتفاظ هذه القطاعات باستقلالها في وضع الخطط والبرامج النوعية لتنفيذ السياسات العامة، كما يضع المجلس ضوابط اختيار أعضائه وتمثيلهم للمثقفين وآلية منح جوائز الدولة... إلخ.


وبقي مشروع القانون في انتظار اعتماده من المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم آنذاك، ثم رُؤى الانتظار حتى إجراء انتخابات مجلس النواب، وذهب المجلس وجاء مجلس النواب ومعه الرئيس محمد مرسي ونظام حكم الإخوان، وتجمد المشروع، ويبدو أنه لا يزال في ثلاجة المجلس حتى اليوم، وأغلب الظن أنه تم التغاضى عنه نهائياً بدون التفكير في قانون بديل، بل نرى استمراراً لنفس السياسات والأساليب والأعضاء الدائمين، ونسمع عن قرارات جديدة بأن يظلوا أعضاء دائمين بالمجلس مدى الحياة، وكأننا نُؤبِّد الواقع ونوقف عجلة التقدم على وجودهم، مع كل التقدير والاحترام لقاماتهم العالية. والغريب أننا لم نسمع إشارة إلى مشروع القانون المجمد من جانب أحد أهم واضعيه وهو الدكتور نور فرحات بعد اختياره عضواً دائماً بالمجلس!


لن نستطيع تحقيق المطالب الثقافية حول العمل المشترك مع الوزارات السابق ذكرها، لإنقاذ الشباب من براثن القوى الظلامية، وبناء عقلياتهم النقدية المستقلة، واكتشاف طاقاتهم الإبداعية، ولن نستطيع اختراق الأعماق التحتية لقواعد الجماهير في الريف والمناطق الشعبية والنائية بالعمل الثقافي المستنير، إلا بوضع الحصان أمام العربة وليس العكس، أس أن تكون البداية هي تكوين رؤية ثقافية متكاملة لما تحتاجه مصر اليوم وفي المستقبل، كمشروع فكري وثقافي يتكامل مع مشروع النهضة الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية الذي نسابق الزمن لتحقيقه.


إن ما نشهده اليوم في مجال العمل الثقافي لا يحمل ملامح أي مشروع، بل يعكس درجة عالية من التخبط والعشوائية على المسارات القديمة نفسها، وربما بالأسماء نفسها، في غياب رؤية شاملة لدور الثقافة والمثقفين توضح حدود استقلالهم وتحدد إلى من يتوجهون بإبداعهم وأفكارهم، والتحديات الرئيسية التي تواجههم وكيفية تخطيها، بعيداً عن المدقات المستهلكة وأفكار النخبة التقليدية، ومناط هذه الرؤية هو للمثقفون أنفسهم، وأداتهم لذلك هي المجلس الأعلى للثقافة، والبداية هي بلورة أهدافه وآلياته القانونية ولوائحه الإدارية التي ينبغي أن يتبناها المثقفون، بعد أن شاركوا في وضعها عبر مؤتمراتهم وملتقياتهم خلال الأعوام الثلاثة الماضية، ثم اختزالها في قانون يصدره رئيس الجمهورية كصاحب السلطات التشريعية والتنفيذية في المرحلة الراهنة، وعلى رأس مواد هذا القانون التأكيد على استقلالية المجلس عن سلطة وزير الثقافة، بما يستلزم إلغاء المادة التي تنص على أن الوزير هو رئيس المجلس، فإن بقاءها يعني أن يظل المثقفون تابعين للسلطة وممثلها وليسوا أصحابها ولا حتى رقباء عليها.


إن هذا هو الإثبات لحدوث ثورتين، وكان للمثقفين دور أساسى في التمهيد لحدوث الثورة الأخيرة باعتصامهم بمقر وزير الثقافة كما نعلم، وكان لهم بعد ذلك دور في أن يتضمن دستور 2014 عدة مواد عن الثقافة