شجرة ليست من نبات

20/11/2014 - 8:47:55

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتب - أسعد مخّول .. كاتب لبناني

شجرة تنتظر في علبة. علبة سوداء. شجرة واحدة في علبة واحدة. لا فروع تؤنس وحدتها وتسلّي غربتها، ولا ثمار تؤكّد فيها الخصوبة والعطاء.


أكثر ما يذكّرني المشهد بما كنت قرأته عن تلك السّلحفاة الّتي حملها الطّير بعد أن درّبها على الإمساك بعصا صغيرة وضعها بين المخالب، وقد استغربت السّلحفاة كلّ الاستغراب أن تكون معلّقة في الفراغ، لا إمكانيّة لديها في ملامسة التّراب الّذي لم تفارقه يوماً، ولا قدرة لها على التّسلّي مع الرّفيقات المؤنسات، كما أنّها أعلنت، وهي في الأعالي، أنّها نادمة على فعلتها، وأنّه لم يعد يعنيها في شيء أن تكون في علوّ أو هبوط، وبدا حالها كحال آدميّ، آدميّ إنسان، مضى مسافراً وقد خلّف بطاقة هويّته في خزانة البيت.


تمّ وضع الشّجرة على قارعة الطّريق وكأنّها شيء من أشياء المتاجر، فهي إذن فوق الأرض جذوراً وغصوناّ على السّواء، وهي بالتّالي ليست من نبات لأنّها لا تنبت، ولا يغوص جزؤها السّفليّ في الأعماق، بحيث لا يتيسّر للجزء العلويّ أن يتباهى بأخضره، ويزهو بصفاء النّسغ ونضارة الشّباب.


تلتفت الغصون إلى ما حولها مستفسرة عن الجذور، بين الحين والحين، هل هي في الأعماق فعلاً، أم أنّ جنّاً اقتلعها كاملة، وسلّمها إلى الغربة والعراء؟ تحاول الغصون أن تطمئنّ إلى المصير، تراقب، تحدّق، فترى ما يشبه الورق والزّهر في الأبواب الحديد المجاورة، لكنّ ما تراه صامت أخرس، لا يتحرّك، ولا يطلق صوتاً ولا شدواً من نوع الحفيف الجميل الّذي يليق تلحينه ببنات الشّجر، قبل أن يأتي من يلجم الحنجرة ويوقف الأداء.


لا ورق جديداً في الشّجرة يشير إلى غدٍ أخضر، ولو كان من جارة، صغيرة أو كبيرة، لسألت عن الغد المرجو. ولو كان من زهرة، من شوكة، من صخرة...، لسألت. لكن، في غياب ذلك كلّه، ما تسأل؟ الأسفلت؟ الزّفت؟ الطّين اليابس؟ الصّدأ المتراكم فوق الأعمدة المكهربة؟ الشّظايا المبعثرة في المركبات المحطّمة بفعل التّصادم في ليالي الحيارى والسّكارى من نساء العنجهيّة، ورجال القوّة والسّطوة والتّحدّي؟


شجرة واحدة في علبة واحدة. العلبة سوداء مصنوعة بمشتقّات حوامض الكيمياء وموالحها، والشّجرة اسودّت بفعل ما التفّ حول أوراقها من غبار ممزوج بالمازوت، ومعجون بالبنزين، ومغمور بالزّيت الفاسد المحروق. لم أر عصفوراّ يميل إليها، وليس في المكان عصفور بأيّ حال إلاّ في قفص، كما أنّني لم أجد ذبابة تعبث فيها. حتّى الذّباب معرض عنها. هل هي مرفوضة إلى هذا الحدّ؟ هذه شجرة أيّها النّاس. شجرة خلقت من أجل أن يغنّي على منابرها الكنار والبلبل والحسّون. هذه شجرة بنت نبات خالد، سليلة غابات عريقة، وتكون مقفرة مهجورة خالية من المنشدات الصّادحات؟


أميل إلى الأسيرة الضّعيفة تلك كلّما مررت في المكان، أحنّ، أطمئنّ، أشفق وأتمنّى أن أرحم وما أنا الظّالم، وأريد أن أساعد ولا أنا القادر. إنّ الظّالم والقادر هو مالكها وحاكمها والمسيطر على عروقها، والّذي لا يتركها تهدأ على حال. في مرّة يضعها هنا، وفي أخرى يسحبها إلى هناك وفق رغبته في ركن مركبته. الشّجرة هنا هي جزء من بطاقة التّأمين على المركبة، والمالك يتستّر بها، ويحتمي بالسّاق الهزيلة الّتي تحملها، والّتي يرى فيها بندقيّة ذات فوهات عديدة، هي الغصون المسكينة، يطلق رصاصها في كلّ اتّجاه.


شجرة تغيّر مكانها؟ أليست هذه واحدة من الغرائب؟ رمز الأصالة والتجذّر والانتماء يتمّ إلزامها بتبديل انتمائها، والتّخلّي عن أصالتها، وحرمان جذورها من المضيّ عميقة في أعماق الأرض على المزاج والهوى؟


هل هي الكلب المطيع يتبع بصاحبه أنّى انتقل وحلّ ووصل؟ هل نبلغ في ذلك عصراّ نشاهد فيه للشّجرة ذنباً تهزّه تعبيراّ عن الرّضى والخضوع، ونرى عند جذعها حبلاً يشدّها بواسطته أصحاب الذّهب وأبناء العائلات؟


كان المكاريّون في ما مضى يعرّجون إلى جوار شجرة وارفة، أيّ شجرة وارفة، ويربطون حيواناتهم الحمّالة، من حصان وبغل وحمار، للاستراحة والاستظلال. وكانت الحيوانات تلك تدور حول الشّجرة ساعية إلى الظّلّ الأفضل والفيأة الألطف. ولم تكن الشّجرة هي الّتي تتحرّك لصالح أحد أو شيء، فهي الأساس وهي صاحبة الجذور والأصول والفروع، وفيها من الإمكانيّات ما يدفع عنها أوامر الآمرين ورغبات الرّاغبين. كانت الشّجرة صرحاً أخضر ثابتاً، وخيمة قائمة على جذع متين، تكسر الشّمس عليها رزماّ وافرة من أشعّتها كلّما أشرقت أو أطلّت، فتتلقّى الأرض انعكاس الظّلال وتهنأ وتغفو، أمّا شجرتنا المسكينة هنا فهي خفير صعلوك انتعل علبة سوداء، وأجبر على تنكّب سلاح من قضبان هزيلة يابسة، بعد أن حرم من السّلاح الأساس، سلاح الانتماء إلى التّراب في مجهول الأعماق.