سؤال متأخر ثلاثين سنة

20/11/2014 - 8:42:59

الشاعر امجد ناصر الشاعر امجد ناصر

كتب - أمجد ناصر .. شاعر أردني مقيم في بريطانيا

ثلاثين سنة ظل هذا السؤال يؤرق فواز الفارس إلى أن طرحه علي في مساء صيفي عابق برائحة نعنع بدت لي موضوعة، فقط، في خدمة حنين سهل الاستثارة، على برندة بيتنا:


- بالله قولي يا يحيى.. يوم حلقت شعرك عالصفر ما كنت تساوي موظة؟


لم أكن أحتاج إلى صفنة كي أعرف إلى مَ يرمي فواز الفارس، قريبنا، بسؤاله الذي اندفع من رأس لم تبق فيه الأيام شعرة واحدة، سؤال بلا مقدمات وخارج سياق هرج أهلي وزوارهم المتقافز بين مئة موضوع وموضوع أسكت الهرج وجعل الأنظار تشخص إليه.


قلت له على الفور: صح.


تطلع فواز الفارس، بعد أن ظفر مني بذلك الإقرار القاطع، إلى والدي ولاحت على وجهه علائم الراحة المنتظرة منذ ثلاثين عاما وقال:


- شايف.. ما قلتلك ان حلاقتو عالصفر مي لله.. كانت موظة!


دت كلمات فواز ونظرته المظفرة إلى والدي كأنهما محض مواصلة لحديث دار بينهما منذ لحظات وليس قبل ثلاثين عاما. فقبل ثلاثين عاما وفي أصيل كهذا مضمخ، أيضا، برائحة النعنع وعلى مصطبة بيتنا الأسمنتية دخلت إلى حوش البيت برأس حليق على الصفر، فاندهش أبي وأمي وذهل إخواني وأخواتي الذين لم يكونوا يتصورونني من دون شعر طويل، فسألني أبي: ايش صار.. شايف شعرك عالصفر؟


فقلت له: أنت ما تحب الشعر الطويل وأنا معد أطولو!


على الفور تدخل فواز الفارس، المتشكك الأبدي بأعمالي ودوافعها، وقال لوالدي، جامعا قبضة يده اليمنى مفردا السبابة خاضَّا الهواء على نحو تحذيري: ما تصدقه.. ابصر ايش فيه!


لم يكن أبي يحتاج إلى تدخل فواز الفارس السريع للحيلولة دون تصديقي، فلا أظنه اقتنع بقولي، فهو، أيضا، مثل فواز الفارس، يشك في هذه الطاعة العمياء التي هبطت علي فجأة، من الغيب، ولا بد أنه قال في سرِّه إن وارء الأكمة ما وراءها. ولكن شعرا على الصفر بالنسبة له أفضل من شعر طويل. هذا هو المهم بصرف النظر عن السبب. أبي رجل عملي، الأفعال هي التي تهمه لا النوايا والأقوال، فمن يعرف النوايا؟ جواب والدي السريع: الله فقط.


طبعا كان وراء الأكمة ما وراءها. لم يكن الأمر يتعلق بموضة دارجة، فالموضة كانت للشعر الطويل والقميص المزموم المفتوح عند الصدر والبنطلون الشارلستون الضيق عند الردفين الذي يخب كراية منكَّسة عند القدمين. ثيابي التي طالما كانت موضع استنكاري والدي وزجره لم تتغير، الذي تغير هو قصة شعري.


ذات يوم قررنا، وليد الشركسي وفخري العمري وأنا، أن نحلق رؤوسنا على الصفر، في معاكسة تامة لتيار الموضة الجارف. كنا نريد أن نرفع درجة فظاظتنا وزعرنتنا أمام بقية طلاب المدرسة وخصوصا، مدرسة البنات التي كنا نرابط أمامها قبل انتهاء الدوام المدرسي بساعة على الأقل كي لا يفوتنا مريول مخطط بالأخضر لعبت الريح بأطرافه في غيابنا.


ذهبنا نحن الثلاثة إلى أقرب حلاق في البلد. فوجدنا في الصالون الواقع بالقرب من كنيسة اللاتين أشخاصا يجلسون على مقاعده القليلة، لكن الحلاق الذي رآنا مترددين في الدخول بسبب "الدور" قال إنهم ليسوا "زبائن".


استغرب الحلاق، مربوع القامة، متين الجسد، عريض الشاربين، طلبنا عندما عرف أننا نريد أن نقص شعورنا على الصفر، وقال بنبرة ساخرة: خير انشاالله.. شو رايحين عالجيش ولا عاملليكم عمله؟


فقلنا له لا هذا ولا ذاك. نريد أن نحلق شعورنا على الصفر وهذا كل ما في الأمر.


انصرف عنا الحلاق، الذي راح يجز بماكنيته شعورا مزيتة تساقطت بغزارة على أرض الصالون، ليستأنف حديثا مع الأشخاص الموجودين كان حضورنا قد قطعه.


لم يكن كلامهم غريبا علي تماما، فهم كانوا يتحدثون عن قصة منشورة في الصحافة المحلية، لكن بعض الكلام بدا متخصصا أكثر من اللازم فاستعصى علي.


بعد عام أو أكثر بقليل من حادثة جز شعور ثلاثة شبان من الجهة الثانية من البلد على الصفر، سألتقي هذا الحلاق مرة أخرى وسأداوم على الجلوس في المقاعد نفسها التي كان يجلس عليها ضيوفه ولكن ليس كزبون، هذه المرة، بل كـ "زميل" في مهنة الأدب، إذ لم يكن ذلك الحلاق الذي لم أعرفه، وقتها، سوى القاص (والحلاق أيضا) عدنان علي خالد.


وعندما حاولت أن أذكره بحادثة الرؤوس الثلاثة، بعدما صرت أحد أعضاء الحلقة المرابطة في صالونه، لم يتذكرها، بل لم يتذكر أنه رآني من قبل، ثم قال ساخرا: شو مفكر حالك عمر الشريف حتى اتذكرك! شايف مثل خلقتك كتير!


حلقت شعري على الصفر، ذلك الشعر الذي شدني منه أبي أكثر من مرة، والذي كان يطير صواب أمي، والذي طردت بسببه من المدرسة مرارا، والذي كنت أعتبره جزءًا من هويتي الخاصة وراية لتمردي.


لم نكن ذاهبين إلى الجيش، كما قال الحلاق، فلم يكن الالتحاق بالجيش، يومها، إجباريا، فضلا عن أن الجيش هو الذي يتولى قص شعور المتطوعين فيه، ولا كنا ننوي "عمل عملة"، أقله، في ذلك الوقت، إذ إن "العملة" سيتأخر موعدها سنة بعد ذلك وستكون امتدادا، لا شك فيه، لإعلان النوايا الذي جهرت به رؤوسنا الحليقة.


كنا نقصد، من وراء ذلك، معاكسة التيار السائد بين الشباب والتحلي بسمت يوقع الخشية في قلوب خصومنا ومن يفكر بالتطاول علينا ويجعل لنا صيتا فظيعا بين البنات.


كانت الخشونة والفظاظة والجرأة مواصفات مرغوبة، يا للغرابة، من قبل معظم البنات، فكلما كنت فظا أكثر، جريئا أكثر، مستهترا أكثر، أحبتك البنات، أو، في الأقل، صرت معروفا وسطهن. وهو وسط كنا نتسقط أخباره من خلال أخوات بعض زملائنا أو قريباتنا فنعرف من تحب من ومن هي معجبة بمن، ولم يكن بينهم، تقريبا، أحد من أوائل الطلبة والمجتهدين في دراستهم.


أتذكر أن طالبة كانت تحاول استمالتي فلما ملتُ وتأكدت أنني "وقعت" فضلت علي فرانا مفتول العضلات ذا غرة شرسة على عادة فراني تلك الأيام.


أتي منظر رؤوسنا الحليقة الثلاثة أكله سريعا في اليوم التالي، إذ راحت البنات اللواتي يعرفننا بالاسم، أو الوجه، ينظرن إلينا ويتهامسن أو يضحكن. اقتربت مني ابنة جيراننا "دال" التي كان أهلي يلحظون إعجابها بي، ويتقبلون دخولها إلى غرفتي (بعد أن صارت لي غرفة خاصة) وانتشالي من الفراش عندما أتأخر عن باص المدرسة، وقالت وهي تكتم ضحكتها بكف يدها: ليش مشنع بحالك هيك؟


فقلت لها: موضة!


فقالت: الله يقطع هالموضة. اصحك تحلق شعرك مرة ثانية.. مفهوم؟


جاريتها في النبرة وقلت: حاضر!


لم نعد، وليد وفخري وأنا، إلى حلاقة رؤوسنا على الصفر مرة ثانية. كان الأمر "صرعة" سرعان ما اسنتفدت أغراضها، لكن الحادثة ظلت، مع ذلك، في أذهان كثيرين حتى صار يؤرخ بها، كأن يقول لي أحدهم: آه هذا قبل أن تحلق رأسك على الصفر، أو بعد أن قصصت شعرك على الصفر. من المؤكد أن حادثة عارضة كهذه طويت، مثلما طوي كثير غيرها، في أذهان الذين عرفوها.. إلا فواز الفارس.


والأمر لا يتعلق بأهمية ذلك الحدث "التاريخي"، فالحلاق الذي قص شعورنا نحن الثلاثة على التوالي وبالماكينة نفسها، لم يتذكره بعد سنة، وإنما يتعلق بفواز الفارس نفسه الذي لا ينام على ضيم في قناعاته.


فلأنه لم يقتنع بالسبب الذي قدمته لوالدي فقد احتفظ بهذه الذكرى طوال ثلاثين سنة. ولكن ما هو السبيل لإقناع فواز الفارس المولع بالمناكفة والاعتراض وعدم التصديق؟


لا أظن أن هناك أحدا استطاع من المرة الأولى ولا الثانية ولا العاشرة مهما أوتي من قوة الحجة وسطوع البرهان. إنه ببساطة رجل لا يقتنع بسهولة ولا يقبل بأي جواب حتى الجواب الذي يوحي لك به سرعان ما ينقلب عليه. إنه يسألك سؤالا وتروح تشرح وتسهب وتحلل وتهري أعصابك ثم عندما تظن أنك أوفيت وكفيت ولم يعد هناك ما يمكن إضافته وأنك أوصلته إلى بر الاقتناع الذي لا بر بعده، يرد عليك بغمغمة استنكار قاتلة تعيدك إلى نقطة الصفر مرة أخرى.


أسوأ ما يمكن أن يواجهه فواز الفارس هو أن يكتشف الطرف الآخر "استراتيجيته" في الحوار فيجاريه فيها، أو أن يعمد إلى اختصار الطريق بالتسليم الكامل بما يقول. لوالدي، جاره التاريخي، طريقة خاصة في إدارة الحوار معه، فهو لا يسلِّم له بكل ما يريد ولا يعترض على كل ما يطرح من أسئلة أو أفكار، بل يمزج بإحكام، لا يختل ميزانه، بين المعارضة والمجاراة. يتفق معه على النصف ويختلف معه على النصف الاخر. هكذا يضمن استمرار تدفق المياه، بسلاسة، في الاتجاهين، ويا دار ما دخلك شر!