مريم نعوم من كلام نسوان إلى سجن النسا

17/11/2014 - 12:31:23

مريم ناعوم مريم ناعوم

كتب - د. حـســن عـطيـــــة

بدأت بث مسلسل (سجن النسا) خلال شهر رمضان جدد الانتباه لموهبة السيناريست الشابة «مريم نعوم» ، بعد أن لفتت الانتباه بقوة العام الماضى بكتابتها لسيناريو مسلسلى (موجة حارة) عن رواية (منخفض الهند الموسمى) لـ «أسامة أنور عكاشة» و(بنت اسمها ذات) عن رواية (ذات) لـ «صنع لله إبراهيم» ، ومع هذا المسلسل الأخير أكدت «نعوم» موهبتها جنبا إلى جنب مع امتلاكها حرفة كتابة السيناريو ، وتبلور رؤية للحياة ، لا يستقيم الإبداع بدونها .


 «نعوم» مشوارها الدرامى بالمشاركة فى ورشة كتابة أشرفت عليها الكاتبة «عزة شلبى» وأنتجت مسلسل (كلام نسوان) 2009 للمخرج «عمر عبد العزيز» ، ثم كتبت بمفردها أول أفلامها وهو (واحد/ صفر) وعرض فى نفس عام بث المسلسل من إخراج «كاملة أبو ذكرى» ، وشاركت فى كتابة  مسلسل (بالشمع الأحمر) 2010 للمخرج «سمير سيف» ، كما كتبت سيناريو (موجة حارة) وكتب الحوار له «وائل حمدى» و»نادين شمس» و»إسلام أدهم» و»هالة الزغندى» ، وقد ظهر اسم «الزغندى» على تترات مسلسل (سجن النسا) كمشاركة فى كتابته ، وأن كنت أميل لأن تكون مسئوليتها كتابة الحوار أساسا ، فالتجارب المشار إليها تؤكد على أن قدرة «نعوم» تكمن فى صياغة البناء الهندسى الكلى لسيناريو المسلسل بصورة شبه محكمة .


اهتمت «نعوم» فى (كلام نسوان) بتقديم هموم شريحة من النساء باحثات عن الحرية الاجتماعية المطلقة دون قيود ، حيث يدور حول أربع نساء عربيات : لبنانية وخليجية ومصريتان ، كل واحدة منهن لها مشكلة مع تقاليد مجتمعها العائلى ، مما يدفعهن للفرار من دوائرهن الصغيرة ، للالتقاء فى مجمع سكنى مغلق على ناسه فى المدن الجديدة ، يعشن داخله حياة مرفهة جدا . وأن انشغل المسلسل أكثر بتمزق نسوته ، أكثر ما اهتم برصد الدور المجتمعى فى هذا التمزق ، فبدت نسوته مارقات يدينهن المشاهد بسهولة ، بدلا من أن يكن ضحايا يتعاطف معهن ، ويقف إلى جوارهن فى مواجهة التيارات المناوئة للحرية .


التقطت «نعوم» رواية «أسامة أنور عكاشة» (موجة حارة) شديدة الجراءة ، لتحولها  إلى مسلسل درامى ينطلق من حادثة عثور الشرطة على شابة مقتولة والبحث عن قاتلها ، واستغلال هذا البناء البوليسي للكشف عن فساد شريحة توجد داخل مجتمع مزقته العقود الأربعة الأخيرة ، وذلك بارتدادات زمنية تصل لأوائل سبعينيات القرن الماضى ، مع تغيرات تدفع بزمن الحادثة لعام 2010 ، لتمثل هذه الشريحة فساد عصر بنظامه سيسقط بعد أشهر قليلة من نهاية حادثة المسلسل بثورة شعبية ، يعيش المتلقى تطوراتها وتغيراتها ، فيتلقى وقائع المسلسل باعتبارها (حدثت قبل الثورة) ، آملا فى أن يأتى بعدها ما ينهى عليها .


ذات الهمة


لم تنفرد «نعوم» بكتابة كل حلقات مسلسل (ذات) ، فقد قامت وحدها بكتابة سيناريو وحوار الحلقات الثماني عشرة الأولى ، وأخرجتها «كاملة أبو ذكرى» ، ثم شاركت «نجلاء الحدينى» بداية من الحلقة التاسعة عشرة فى كتابة السيناريو والحوار ، وقام «خيرى بشارة» بداية من الحلقة 19 بإخراج المسلسل حتى نهايته ، فيما عدا الحلقة 23 التى عادت لكتابتها وأخرجتها «أبو ذكرى» ، والتى أحكمت رؤيتهم على المسلسل بأكمله ، فاهتمت بالتفاصيل الدقيقة لعينة من أبناء الطبقة المتوسطة وتقلبات الحياة التى عاشتها خلال ستين عاما ، مجرد عينة لا تمثل كل شرائح هذه الطبقة وتوجهاتها المختلفة ، فالدراما لا تملك  القدرة على تقديم كل الواقع أو التعبير عن طبقة متكاملة ، والعمل الفنى فى النهاية هو تعبير عن رؤية صناعه لهذا المجتمع أو هذه الطبقة .


تولد (ذات) فى المسلسل ليلة ثورة يوليو 52 ، معبرة عن نفسها بمونولوجات ستصير لغتها المتعاملة بها مع مجتمعها ، مع قبول مستمر لكل ما يفرض عليها ، اختار لها والدها النصف الأول من اسم الشخصية العربية (ذات الهمة) ، تيمنا وفرحة بقيام الثورة  التى ترك لها (الهمة) ، وبالسير المتوازى بين الذات / الأنثى والهمة / الثورة تتجلى مسيرة ذات شريحة مجتمعية ، ولا تمثل الوطن الذى يتصور البعض أنها ذاته ، فهو أشمل منها ، فولادتها يوم الثورة لا يعنى أنها ابنتها البارة ، فهى لن تدرك الواقع المحيط بها إلا فى نهاية الستينيات ، وستخضع مع ما تلي من عقود لأفكار متخلفة هيمنت على المجتمع ، دون أن تمتلك وعيا صحيحا يجعلها تتمرد على تلك الأفكار المكبلة لعقلها والمقيدة لجسدها .


سجن النسا


واجهت «ناعوم» فى صياغتها لـ (سجن النسا) مشكلة لم تتعرض لها من قبل ، حيث تعتمد على مادة مسرحية محدودة الشخصيات والمواقف الدرامية وليست روائية متعددة الشخصيات والحكايات ، مما تطلب منها خلق شخصيات وحكايات خاصة بها تمتد لثلاثين حلقة ، حيث تقوم المسرحية على حدث محدد ، يتفجر بدخول صحفية ثورية سجن النسا ، أطاح بها المسلسل تماما ، وما يترتب على هذا الحضور من الخارج إلى الداخل من عرض لنماذج من نسوة ظَلمهن المجتمع وظُلمن منه ، ولذا تدور كل وقائع المسرحية داخل السجن الذى يتحول لفضاء مغلق على من فيه ، يضغط عليهن ، ويفجر ما بأعماقهن من مآس اجتماعية ، فيتحولن لبطولة جماعية تنشد بصوت كورالي أنشودة فقدان الحرية ، بينما فضلت كاتبة السيناريو أن يدور مسلسلها فى مجمله على شخصية رئيسية ، هى شخصية «غالية» الفتاة البريئة التى دفعتها ظروف حياتها للعمل سجانة ، وحولتها طيبتها ووعيها الزائف لسجينة متهمة بالقتل ، واضعة صوتها الفردى فى المقدمة ، وداعمة هذا الصوت (الصولو) بأصوات فى الخلفية لشخصيتين هما العاهرة «دلال» والخادمة الريفية حارقة مخدومتها «رضا» تستكمل معها أغنيتها الحزينة .


لم يبتعد هذا التحويل لبنية مسرحية «العسال» فحسب ، بل أضاف الواقع المجتمعى الراهن ، والرغبة فى نقل صورة مشابهة للحقيقة عن سجن النساء اليوم ، بعدا آخر أبعد المسلسل عن المسرحية ، حيث سعت كاتبة السيناريو مع المخرجة للتردد على سجن النساء الفعلى بالقناطر الخيرية ، والتعرف على أحوال النساء هناك ، ومحاولة تقديم نماذج قريبة منهن ، وهو ما أدى إلى تغير كلى فى بناء الشخصيات الدرامية ، وفى حملها لأسماء مغايرة تماما لما حملته شخصيات المسرحية ، وانشغل المسلسل بمتابعة تفاصيل عالم السجن الداخلى ، وحياة بطلته الرئيسية بصورة أساسية ، وشخصيتيه الفرعيتين ، بتماس غير معمق بين البطلة والعاهرة ، ودون أى تماس مع الخادمة الريفية ، والتى من الممكن حذف دورها كاملا دون أن يهتز بناء المسلسل دراميا ، وإن قلت عدد حلقاته فقط .


تعد «مريم نعوم» واحدة من النجوم الزاهرة الواعدة فى سماء الكتابة الدرامية اليوم ، تهتم بتفاصيل الحياة الدقيقة ، وتغوص فى أعماق فتيات عادة من جيلها ، وتميل لمعالجة الأعمال الأدبية الرصينة ، وتسرى الميلودراما فى كتاباتها ، حيث يذبح الأبرياء فى المجتمع بأيد باطشة  ، وتشكل مع زملائها الشباب تيارا جديدا وجريئا فى مجرى الدراما التليفزيونية ، نرى أنه يلعب حاليا دوره فى تجديد دماء الدراما المصرية ودفعها لمزيد من التغيير الجمالى والاقتراب أكثر من قضايا المجتمع برؤية واعية .