لماذا فايزة أبو النجا مستشارا للأمن القومي؟

17/11/2014 - 10:33:52

د . فايزة ابو النجا د . فايزة ابو النجا

كتب - عبدالقادر شهيب

بعد فض اعتصام رابعة المسلح وفي ذروة الحملة المنظمة ضد مصر داخليا وخارجيا قامت فايزة أبوالنجا - رغم أنها ليست في موقع رسمي - بالاتصال بالعديد من سفراء الدول الأوربية الذين عرفتهم عن قرب خلال توليها مسئولية وزارة التعاون الدولي لتشرح لهم حقيقة ما حدث في بلادنا وتفاصيل العنف الذي تورط فيه الإخوان، وذلك حتي يكون وزراء خارجية الاتحاد الأوربي الذين كانوا يتأهبون للاجتماع في بروكسل وقتها علي بينة مما حدث ولا يتخذون إجراءات عقابية ضد مصر كما لوح بعضهم علي أثر فض اعتصام رابعة، في ظل فهم مغلوط لما حدث في مصر إبان 30 يونيه واعتباره انقلاباً عسكرياً وليس ثورة شعبية أطاحت بحكم استبدادي وفاشية دينية.


لم يطــــلب أحــــد مــــن فـايزة أبو النجا أن تقوم بذلك ولكن حسها الوطني هو الذي دفعها للقيام بما قامت به وهو كثير، وحرصها علي الأمن القومي لمصر، ولذلك فقد كان اختيارها مستشاراً للرئيس السيسي لشئون الأمن القومي اختيارا موفقاً وصائباً وسليماً وفوق ذلك اختيارا شجاعاً وجريئاً أيضاً.


هو اختيار موفق لأن هذه السيدة التي سبق أن وصفها المشير طنطاوي وهو يحاول إقناعها بالبقاء في الحكومة بعد استقالة حكومة الفريق شفيق، بألف رجل، كان همها الأول منذ أن انضمت إلي مدرسة الدبلوماسية المصرية العريقة هو الأمن القومي المصري.. ولعل عملها بجوار أستاذها وأستاذي العزيز د. بطرس غالي وهو أميناً عاماً للأمم المتحدة قد أتاح لها رؤية واضحة ومباشرة للأخطار التي تهدد الأمن القومي المصري في ظل لعبة الأمم التي تحاول فيها الدول الكبري والأعظم فرض هيمنتها علي العالم غير عابئة بمصالح بقية دول العالم بل إن الاهتمام الكبير بالأمن القومي من قبل فايزة أبو النجا كان هو سبب اختيارها وزيرة بعد أن كشفت قيام أحد الوزراء المصريين وقتها بمواقف في محفل دولي واجتماع عالمي اقتصادي يضر بالأمن القومي المصري.


ولذلك لم يكن غريباً أن يكون الاهتمام الأول لها وهي وزيرة للتعاون الدولي هو الأمن القومي المصري.. ولقد تجسد ذلك بشكل واضح وبارز في سعيها لربط دول حوض نهر النيل بشبكة مصالح اقتصادية واسعة مع مصر، حتي لا تتخذ هذه الدول قرارات أو إجراءات أو تقوم بأعمال تضر بحقوق مصر المائية وأمنها المائي.. وهكذا منذ وقت مبكر سعت لتشجيع المستثمرين المصريين علي إقامة استثمارات مصرية مباشرة في دول حوض نهر النيل خاصة في أثيوبيا وأوغندا، كما سعت إلي استيراد اللحوم من أثيوبيا ثم السودان، وفي سبيل ذلك خاضت فايزة أبو النجا معارك شرسة وضارية مع شبكة أصحاب المصالح الذين كانوا يحتكرون استيراد اللحوم من الخارج، وأيضاً مع وزراء زملاء لها كانوا يرون أن مصلحة مصر في التوجه شمالا نحو الغرب المتقدم وليس جنوبا نحو الأفارقة الأقل نموا وتقدما، وذلك تطبيقاً للمثل الشعبي الشهير «من يجاور السعيد يسعد ومن يجاور الحداد ينكوي بناره»!.


وفي غضون هذه المعركة الشرسة تحدي الوزير النافذ والقوي وقتها بسبب علاقته القوية بابن رئيس الجمهورية الأسبق يوسف بطرس غالي الوزيرة فايزة أبو النجا بأنها لن تنجح في استيراد كيلو لحوم واحد من أثيوبيا أو السودان.. وعلي أثر ذلك ضلت السفينة التي كانت تحمل أول شحنة ماشية وأغنام طريقها في البحر لتصل إلي موانيء مصر بعد انقضاء أيام عيد الأضحي وقد نفقت بعض الماشية والأغنام التي تحملها.. ومع ذلك أصرت فايزة أبو النجا أن تكرر المحاولة وأن تنظم عملية استيراد اللحوم المبردة والماشية الحية من أثيوبيا والسودان وذلك لتوفير اللحوم لأصحاب الدخـول المحدودة بأسعار في متناول أيديهم كانت تساوي أقل من نصف أسعار السوق وقتها، وأيضاً للمساهمة في نســج شبكة علاقات اقتصادية قوية بين مصر ودول حوض نهر النيل تمنعها من اتخاذ أية قرارات أو إجراءات تعثر بالأمن القومي المصري، خاصة الأمن المائي لها.. وفي غضون ذلك واجهت الوزيرة فايزة أبو النجا تحريض أصحاب المصالح المدعومين بوزراء نافذين وقتها موردي اللحوم علي زيادة أسعارهم، فضلا عن عدم الالتزام بتوريد الصفقات التي اتفقوا عليها، ولذلك سعت الوزيرة فايزة أبو النجا لحث شركة وادي النيل التابعة لجهاز المخابرات المصري لكي تتولي بمعرفتها استيراد هذه اللحوم المطلوبة من أثيوبيا والسودان، وذلك لضمان تذليل العقبات التي أثارها بعض أصحاب النفوذ والوزراء النافذين في هذا الصدد.


وهكذا.. كانت هذه المعركة المبكرة التي خاضتها فايزة أبو النجا كاشفة عن اهتمامها - وهي وزيرة للتعاون الدولي - بالأمن القومي المصري مقتضياته السياسية والاقتصادية، خاصة أن علاقاتنا في هذا الوقت مع دول حوض نهر النيل كانت تحتاج لعمل جاد من أجل دعمها لرأب الصدع الذي بدأ يحدث فيها وتجاوز الخلافات حول نهر النيل التي ظهرت وقتها معها.. ولذلك كان منطقيا أن يتم تكليف الوزيرة فايزة أبو النجا في عام 2010 بأن تتولي مسئولية هذا الملف بعد أن وصلت جهود وزير الري والموارد المائية وقتها إلي طريق مسدود مع هذه الدول للتوصل إلي اتفاقات تنهي هذه الخلافات.. غير أن الوقت لم يسعفها إلا للقيام بزيارتين لكل من أثيوبيا وأوغندا ولتهدئة الخلافات فقط قبل أن تشهد مصر انفجاراً ثورياً أدي إلي إعادة ترتيب الأولويات الوطنية، حيث صار استعادة الاستقرار وبناء المؤسسات هو الأولوية رقم واحد بعد 25 يناير في ظل مخاطر عديدة تجمعت صارت تهدد وجود وكيان الدولة الوطنية المصرية وليس أمنها القومي فقط.


غير أن ما شهدته مصر من تطورات بعد 25 يناير زاد من اهتمام فايزة أبو النجا بالأمن القومي المصري أكثر، خاصة أنها من موقعها كوزيرة للتعاون الدولي رأت مخاطر مباشرة تهدده وتهدد كيان دولتنا الوطنية، وبحكم مسئوليتها الوزارية وحسها الوطني كان يتعين عليها التصدي لهذه الأخطار.. وهذا ما فعلته.


فقد فوجئت الوزيرة فايزة أبو النجا بإعلان لوكالة المساعدات الأمريكية تنشر إعلانا ترحب فيه بتقدم الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني في مصر لها مباشرة لطلب الحصول علي مساعدات خصصت لها نحو 150 مليون دولار دون حتي إخطار أو إعلام سلطات الدولة المصرية، وكأنه لا توجد دولة في مصر.. ولذلك استدعت فايزة أبو النجا مسئول الوكالة في القاهرة لتبلغه رفض الحكومة المصرية ذلك، وكان ذلك إيذانا ببدء معركة جديدة وطويلة خاضتها هذه السيدة ضد واشنطن ونجوم التمويل الأجنبي السري.. وفي هذه المعركة استخدمت فيها واشنطن كل الأسلحة ضد فايزة أبو النجا ابتداء من الضغوط التي قامت بها للإطاحة بها من منصبها وانتهاء بشن حملات صحفية وإعلامية ضدها للنيل منها سواء من قبل من عزفوا دوماً علي الإيقاع الأمريكي في داخل مصر أو من قبل صحف أمريكية وشخصيات أمريكية وأوربية.. بل إن فايزة أبو النجا لم تتعرض لذلك فقط بل إن التهديدات طالت حياتها، وقد تم إبان عام 2011 رصد من يقومون بتصوير وتتبع تحركاتها خاصة أمام مبني وزارة التعاون الدولي في شارع عدلي بوسط القاهرة.


ورغم ذلك كله لم تتراجع فايزة أبو النجا بل أصرت علي كشف وفضح ذلك المال السياسي الأجنبي الذي تدفق علي مصر بغزارة في الشهور التي أعقبت تنحي مبارك عن الحكم، سواء من أمريكا أو أوربا أو حتي دول غربية خليجية.. ونتيجة لإصرارها هذا شكلت حكومة شرف لجنة لتقصي الحقائق حول هذا المال السياسي الأجنبي وانتهت هذه اللجنة إلي حقائق مذهلة أبرزها أن كثيرين استباحوا مصر وأغرقوها بمال سياسي غزير، وأن أيضاً كثيرين غرفوا من هذا المال السياسي الأجنبي واستفادوا منه.. ولذلك تحول الأمر إلي ساحة القضاء للتحقيق فيه ومحاكمة المتورطين.. وأمام قاضي التحقيقات قضت فايزة أبو النجا نحو 12 ساعة علي مدي يومين تتحدث بالمعلومات والحقائق وتكشف المستور بالأرقام والأسماء، مستندة إلي ما انتهي إليه تقرير لجنة تقصي الحقائق وإلي بيانات وتقارير هيئة المعونة الأمريكية، وإلي التقرير الذي أجبر المشير طنطاوي السفيرة الأمريكية آن باترسون علي تقديمه وتضمن أسماء من تلقوا في مصر أموالاً سرا من أمريكا وحجم هذه الأموال، وذلك للموافقة لها علي تقديم أوراق اعتمادها كسفيرة لبلادها في مصر.


وعندما لمست الوزيرة فايزة أبو النجا أن الضغوط الأمريكية كادت أن تحقق استجابة لها هددت بتقديم استقالتها من منصبها كوزيرة للتعاون الدولي والتخطيط حتي لا يقوم قاضي التحقيق في قضية التمويل الأجنبي بتسليم المضبوطات في القضية إلي المنظمات المصرية والأجنبية كما طلب منه وقتها مما كان سيؤدي بالتبعية إلي تصفية وإنهاء هذه القضية تماما وعدم استمرار عرضها علي القضاء، وإذا حدث ذلك ما كان لدينا الآن حكم قضائي تاريخي يدين كل هؤلاء الذين غرفوا من المال السياسي الأجنبي وأضروا وألحقوا الأذي بالأمن القومي المصري ونفذوا سواء بقصد أو بدون دراية مخططات أجنبية ضد مصر، وهو ما أوضحته بقوة ووضوح حيثيات هذا الحكم.


وهكذا لم ترهب الوزيرة فايزة أبو النجا التهديدات التي تعرضت لها والضغوط الأجنبية التي طالتنا، ولا حتي التردد وبعض الخوف الذي أصاب بعض المسئولين عن إدارة هذه المرحلة وأصرت علي المضي إلي آخر الطريق لحماية مصر من هذا المال السياسي الأجنبي ذي الأهداف الشريرة لأصحابه، سواء كانوا أمريكيين أو أوربيين أو حتي عرباً.. فقد كان الدافع الأساسي الذي يحركها هو حماية الأمن القومي المصري قبل أي شيء آخر.


ولذلك.. فإن اختيار سيدة بكل هذا الحرص علي الأمن القومي المصري طوال مسيرة عملها الدبلوماسي والتنفيذي والسياسي يعد اختيارا موفقا للغاية وصائباً جداً يتعين أن نشكر الرئيس السيسي عليه، خاصة أنها كانت منذ أن تركت منصبها التنفيذي عازفة عن الكثير، سواء كان هذا الكثير تولي منصب تنفيذي أو الترشح في الانتخابات البرلمانية كما ألح عليها د. الجنزوري وآخرون في إطار قائمة موحدة تضم شخصيات بارزة مناصرة للدولة المدنية.. غير أنني عندما تحدثت معها بعد تعيينها مستشاراً للرئيس للأمن القومي قالت لي بوضوح أنا لا أستطيع أن أتأخر عن مصر وكذلك عن الرئيس السيسي الذي يحب مصر.


فهذه السيدة رغم أنها سارعت بتقديم استقالتها فور تولي د. محمد مرسي رئاسة الجمهورية وهو الأمر الذي صدمها مثلما صدم ملايين المصريين غيرها، إلا أنها لم تتوقف عن القيام بكل ما رأته ضروريا ومهما لحماية الأمن القومي المصري في ظل الحرب التي تخوضها دفاعا عن كيان دولتنا الوطنية واستقلالها الوطني، ونواجه فيها إرهاباً ترعاه جماعة الإخوان المتحالفة مع جماعات إرهابية متنوعة ومختلفة، وهو الإرهاب الذي يلقي دعما إقليميا «تركيا وقطر» ودوليا «أمريكا ودول أوربية».


ويبرز هنا دورها لتعبئة القوي والأحزاب السياسية لحشد الناخبين للتصويت علي الدستور الجديد وذات الشيء قامت به في الانتخابات الرئاسية، ثم سعيها مع د. الجنزوري أيضاً لتشكيل جبهة مدنية قوية في الانتخابات البرلمانية، وذلك حتي نظفر ببرلمان قوي فاعل لا تخترقه التيارات الدينية السياسية ومن بينها الإخوان لتعطيله ومنعه من أداء مسئولياته الضخمة أو التي أوكلها له الدستور بدءاً من اختيار رئيس الحكومة وتشكيل الحكومة وانتهاء بإعادة صياغة كل قوانينا لتتوافق مع دستورنا الجديد، مرورا بالرقابة علي أداء السلطة التنفيذية.


وهكذا.. إذا كان البعض يتساءل سواء بخبث أو بحسن نية ما علاقة السيدة فايزة أبو النجا بالأمن القومي لتتولي هذا المنصب المهم «مستشار الرئيس للأمن القومي»؟ فإن دور فايزة أبو النجا سواء وهي دبلوماسية أو وزيرة للتعاون الدولي ثم التخطيط يوفر الإجابة علي هذا السؤال.. فهي كانت ومازالت تهتم بالأمن القومي وتعمل علي حمايته وصيانته.. وكل معاركها التي خاضتها سواء داخل أو خارج مصر كانت دفاعا عن هذا الأمن القومي المصري.


ثم إن اختيار ابنة المدرسة الدبلوماسية المصرية العريقة مستشارا للأمن القومي ليس بدعة.. لقد سبقها في ذلك الدبلوماسي الكبير وكيل الخارجية المصرية في السبعينيات حافظ إسماعيل، وقد أحرز نجاحاً ملحوظاً يشيد به الكثيرون حتي الآن.


كما أن أكبر وأعظم دولة في العالم كما يراها البعض وهي الولايات المتحدة الأمريكية اختارت دبلوماسية لتتولي منصب مستشار الرئيس أوباما للأمن القومي، وهي السفيرة سوزان رايس التي كانت تتولي قبلها منصب رئيس البعثة الدبلوماسية الأمريكية في الأمم المتحدة، وعندما أخفق أوباما في تعيينها وزيرة للخارجية بعد هيلاري كلينتون لرفض الكونجرس، عينها مستشارا للأمن القومي.. وهو الآن يتحمس لأفكارها ويتبناها رغم عدم موافقة وزارة الخارجية والبنتاجون عليها كما تكشف تقارير أمريكية كثيرة ذلك.. بل إن كثيراً من الإجراءات الأمريكية المعادية لنا في مصر بعد 30 يونيه كانت من بنات أفكار هذه السيدة الأمريكية.


إذن.. اختيار دبلوماسية في مصر مستشاراً للأمن القومي ليس بدعة.. بل إنه اختيار صادف أهله بالفعل لأن هذه الدبلوماسية خاضت معارك عديدة سواء خلال عملها الدبلوماسي أو التنفيذي من أجل الأمن القومي.. أي أن لديها أولاً إداراك بأهمية الأمن القومي المصري والحفاظ عليه وإدراك بالمخاطر التي تهدده وبإصرار علي مواجهة هذه المخاطر لحماية الأمن القومي المصري.


إنها باختصار المحارب الذي صقلته المعارك طوال مسيرة طويلة الذي نحتاجه بالفعل في هذا التوقيت لصيانة أمننا القومي في ظل الحرب الضارية والشرسة التي تخوضها حالياً والتي لا بديل لنا فيها سوي النصر.


ولذلك مفهوم تلك الحماية الصحفية الأمريكية التي طالت قرار تعيينها مستشاراً للأمن القومي.. فإن هذا القرار لا يعني فقط كما ادعت صحيفة النيويورك تايمز استدعاء مسئولة سابقة لدائرة الضوء في موقع أكبر تحمل عداء لأمريكا وأضرت بالعلاقات الأمريكية المصرية، وإنما - وهذا هو المهم - لأن قرار تولي السيدة ذات الحس الوطني العالي منصب مستشار الرئيس للأمن القومي يعكس إصراراً علي انتهاج الحكم المصري الجديد سياسة خارجية مستقلة، ويعني أن هذا الحكم غير قابل للانحناء أو التراجع أمام الضغوط، وأنه حريص بشدة علي الأمن القومي المصري..


وهذا تحديدا هو سر الانزعاج والغضب الأمريكي من تولي فايزة أبو النجا موقع مستشار الرئيس للأمن القومي، وهنا تأتي شجاعة قرار الرئيس السيسي الذي يستحق الشكر عليه.