الأمن القومى المصرى و تبعاته

17/11/2014 - 10:27:58

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - رجائى عطية

يجرى الحديث هذه الأيام ، ممن يعرف ومن لا يعرف ، من صادق النية ، ومن ملتوى القصد والغاية ، ممن يقدر ويفهم ، وممن لا يقدر ولا يفهم ، من ولاؤه لمصر وشعبها ، ومن منافعه مع دكاكين مزعومة لحقوق الإنسان تمول من الخارج ، وذلك حول ما اختلطت فيه التعبيرات ـ بغير فهم ـ حول «نقل» المساكن الواقعة على الشريط الحدودى فى سيناء ، لا لتهجير المواطنين وإنما لنقل مساكنهم ـ نقلاً رضائيًا مع التعويض العادل بل المجزى ـ لاعتبارات تتعلق بالأمن القومى المصرى .


الأمن القومى ، طبقًا لفقه الأولويات ، يحتل المرتبة الأولى ويسبق جميع الاعتبارات ، فلا أمان لشىء ، ولا بقاء لدولة ولا لشعب ، ولا لمصالح عامة أو مصالحة خاصة ، ولا لأرواح المواطنين ، إذا ترك الأمن القومى مهددًا .


هذه مبادئ عامة لا يختلف عليها عاقل مخلص ، وهذه المبادئ العامة قد صادقتها وأيدتها أحداث جسام ، سالت فيها دماء المصريين ، وفقدت مصر أرواحًا عزيزة لأبنائها ، ودلت وأكدت التحقيقات والاستطلاعات الأمنية والمخابراتية ، أن جماعات الإرهاب والنسف والتدمير ، على اختلاف مسمياتها ، فأغراضها ومآربها وكوارثها واحدة ، إنما تأتى من الشريط الحدودى بشمال سيناء ، ومن الأنفاق التى استبان أن بعضها يبدأ أو يفتح على داخل مساكن موجودة فى ذلك الشريط الحدودى ، وقد استبان وجود نحو خمسين نفقًا تحت المنازل التى أخليت رضائيًا وتم إزالتها ، وكانت أغلب هذه الأنفاق تخرج من غرف بتلك المنازل ، ولم يقتصر الأمر على المنازل ، بل تجمعت معلومات عن مساجد وزوايا فيما اضطر وزير الأوقاف إلى إعلان أنه سوف تتم محاسبة أى إمام أو عامل مسجد تستر على وجود أنفاق أو أسلحة فى المسجد الذى يعمل فيه ، ومعنى ذلك أن الأمر ليس مجرد توجس أو احتياط ، وإنما واقع مؤسف قام الدليل والبرهان عليه ، وحين يكون الأمر كذلك ، وهو كذلك ، فإن إخلاء الشريط الحدودى بشمال سيناء ، والتصدى للأنفاق التى يعبر الدمار من خلالها إلى مصر ، يكون أمر ضرورة أمن قومى لا يجوز الترخص أو التهاون فيها!


هذه إذن مسألة حياة أو موت ، لمصر والمصريين ، وعلى ذلك فإن مصر الدولة لم تلق بهذا العبء وتحمل توابعه على أصحاب المساكن على الشريط الحدودى فى سيناء ، وإنما أدارت حوارًا رضائيًا وعادلاً مع الأهالى ، ليس للتهجير كما يزعم بعض المتنطعين أو أصحاب الأغراض والمآرب ، المنحرفى القصود والغايات ، وإنما لنقل مساكنهم نقلاً رضائيًا ، وبتعويض عادل بل وسخى تلتزم به الدولة وتبادر بدفعه ، إلى مساكن أخرى مناسبة ، فيما بعد الشريط الحدودى الجارى العبث بأمن مصر بطوله من خلال الأنفاق العابرة له من تحت الأرض ، لضرب مصر والمصريين ، وتدمير الأخضر واليابس ، وحصد الأرواح ، وضرب الجيش المصرى ، وهذه قضية القضايا ، لأن الجيش ليس حسبه أنه شرف مصر ، وإنما هو درعها وحصنها الحصين ، وحامى حماها ، والتفريط فى أمنه هو تفريط فى مصر وأمان مصر وأرواح المصريين !


إن ما يجرى هناك الآن من الجماعات الإرهابية ، هو الجيل الرابع من الحروب التى تستهدف ألاًّ تقوم للدولة المصرية قائمة .. هذه الحرب هى معركة مصير ، لا تقتصر على الجيش أو الشرطة القائمين بحماية الديار والأرواح ، وإنما هى معركة كل مصر ، وكل شعبها بشتى فئاته وطوائفه وعناصره ، تمس مصير المصرى من حيث هو مصرى ، يستوى فى ذلك المثقف والعامل والمزارع والصانع ، الرجال والإناث ، الشباب والشيوخ ..


نعم إن إزجاء التحية لأهالى سيناء الذين استجابوا على الشريط الحدودى لدواعى الأمن القومى ـ إزجاء واجب ، وهو واجب لم تقصر فيه الدولة ، بتعبير الاعتذار وبتعبير الإعزاز والاعتزاز .. إلاَّ أن هذا الإزجاء هو فى واقعه عن واجب لا يتصور أن يتوانى عن الاستجابة إليه مواطن مصرى ولد على أرضها واستظل بسمائها ، وعاش ويعيش فى كنفها .. ولذلك كم هو رائع ، أن أهالى الشريط الحدودى ، لم ينخدعوا بحملات المغالطة والإثارة ، ولا بالتعبيرات المصكوكة لاستفزاز مشاعرهم بدعوى أن ذلك تهجير ، أو أن ذلك يفتات على حقوقهم ومساكنهم أو مرتع صباهم .. فضربوا المثل على أن صدق النية ، المقترن بالفهم والمعرفة ، المقدر للظروف الخطرة التى تواجهها مصر ـ يستعصى على كل هذه المحاولات المغرضة ، ومن ثم صادفت التحية المزجاة إليهم محلها ، فى تعبير صادق عن أنه لا فرق بين المصريين ، ولا بين المصريين فى سيناء وباقى المصريين.


أدرك أهالى سيناء هذا كله ، وتعاملوا مع الموقف بمنتهى الوطنية المتوقعة منهم ، وبادلتهم الدولة حبًّا بحب ، فسارعت بتعويض المضارين ، ورصدت تعويضات قد تصل إلى مليار جنيه أو تزيد ، كما كفلت المزيد من الإجراءات لتأمينهم مع تدبير المساكن المناسبة البديلة فضلاً عن كفالة الخدمات .


فإذا كانت اعتبارات الأمن القومى هى روح وأمان مصر والمصريين ، فإن مصر الدولة مع توجيهها التحية والتقدير لسكان الشريط الحدودى بشمال سيناء ، فإنها طفقت تكرس إقامة المشروعات التنموية فى سيناء ، التى تكفل التواصل بينها وبين الوادى ، لتبقى مصر وأمنها القومى فى حبات قلوب جميع المصريين .