الرئيس قارئاً

17/11/2014 - 9:38:37

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - د. جمال شقرة

فى مقابلة سعد زغلول مع المعتمد البريطانى ريجنالد ونجت نوفمبر 1918 بعدما ساق المعتمد البريطانى حجة جديدة تمنع حصول مصر على الاستقلال رغم تأييدها لبلاده أثناء الحرب العالمية الأولى، حيث أشار إلى أن مصر تعانى من الأمية، وكانت إجابة سعد ورفاقه واضحة، فالأمية موجودة أيضاً فى إنجلترا، ولكن الذى يحكم إنجلترا من النخبة المثقفة ومصر تمتلك هذه النخبة.


ويطرح هذا الحوار قضية مهمة شغلت كثيراً من المفكرين، هل من الضرورى أن يكون الرئيس مثقفاً وربطوا بين ثقافته وقدرته على فهم المشكلات التى تواجه بلاده وبطبيعة علاقتها بجيرانها وبالنظام العالمي.


وانعقد الاجتماع على ضرورة أن يكون الرئيس قد امتلك خلال فترة ما قبل رئاسته ما يمكنه من إدارة شئون بلاده، وأن يستعين إذا لم يكن قارئاً جيداً بفريق من المستشارين والخبراء فى المجالات المختلفة.


وبهذا الصدد يمكن أن يتابع شكاوى الجماهير والرسائل التى تصله من مختلف الطبقات والشرائح والفئات المختلفة وأن يستفيد من قراءة ما بين سطورها، ويتجاوب مع مطالبها.


وكان الرئيس جمال عبد الناصر قارئاً من طراز فريد، بدأ رحلة التثقيف الذاتى منذ المرحلة الثانوية، حيث كان يعكف بمسجد الشعرانى (بباب الشعرية) ساعات طويلة يقرأ، فى التاريخ والجغرافيا وسير الزعماء والأنبياء وفى الدين وتفسيره والحروب ونتائجها.


لقد قرأ فى هذه المرحلة عن تاريخ العرب والإسلام وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وقرأ «المدافعون عن الإسلام» وإبداعات الحضارة العربية وقرأ سيرة الزعيم والوطنى مصطفى كامل وكتاب طبائع الاستبداد وأم القرى للكواكبي، كما قرأ فى المرحلة الثانوية أيضاً كثيراً من القصص والروايات، ومن الروايات التى أثرت فى تكوينه رواية توفيق الحكيم "عودة الروح" حيث أعجبه ما ورد فيها على لسان أحد أبطالها بأن الشعب المصرى شعب متماسك متجانس صانع للمعجزات مستعد للتضحية وأنه يمكن صنع معجزة أخرى تميز أهرامات الجيزة.


وعندما التحق عبد الناصر بالكلية الحربية استمرت قراءاته وقيل إنه استعار جميع الكتب الموجودة بمكتبة الكلية.


ومن المؤكد أن رغبته فى المعرفة كانت تدفعه إلى مزيد من الدراسة، وأن نشاطه السياسى لم يشغله عن برنامج التثقيف الذاتى حتى بعد وصوله إلى السلطة. والأهم أن هذه القراءات دفعته إلى الاهتمام بما كان يصله من شكاوى ورسائل بعد أن أصبح رئيساً للجمهورية.


كان بريد عبد الناصر يحمل رسائل للتحية ورجال السياسة والفكر والفن كما كان يحمل التماسات وشكاوى وطلبات واقتراحات من المواطن العادي، بل بعض الرسائل حملت انتقادات لسياساته الداخلية والخارجية وبعضها حثه على مراجعة هذه السياسات.


والثانية أن كثيراً من القرارات جاءت نتيجة لاستجابة عبد الناصر لما كان يصله فى هذه الرسائل التى كانت تحمل نبض الشارع السياسى.


حسب ما ورد فى وثائق أرشيف منشية البكرى فإن بريد عبد الناصر حمل له 84.916 رسالة وشكوى فى الشهور الأربعة الأولى من سنة 1964 وكانت تعليماته أن يعرض عليه يومياً ملخص لأى خطاب مهم أو عاجل أو أى رسالة تحوى فكرة لامعة أو خبراً خطيراً، وأن يرفع إليه كل أسبوع تقرير صريح عن اتجاهات الرأى العام كما تجلت واتضحت فى خطابات وشكاوى الناس، وأن تعرض عليه نماذج للخطابات والشكاوى، ثم يقدم له تقرير أسبوعى عن اتجاهات الرأى العام المعادي.


وكثيرة هى الحالات التى استدعى فيها عبد الناصر بعض الشخصيات ليناقشه فيما كتب، أو ليقلده منصباً يليق بما ظهر فى كتاباته من خبرة، أو ليناقشه فى تفاصيل اختراعه أو فكرته اللامعة.


بعد رحيل عبد الناصر تراجع اهتمام من أتوا بعده من رؤساء بالقراءة والتجاوب مع شكاوى الجماهير وتراجع اهتمامهم بالتوصيات التى كانت تصدر عن مراكز الفكر. وخسر الثلاثة خبرة الجماهير والنخبة وهى خبرات لا يستهان بها. بل إن الرئيس الأسبق السادات اتهم الأوراق بأنها هى التى قتلت عبد الناصر.


ولقد تنفس الشعب المصرى الصعداء بعد اختياره للرئيس عبد الفتاح السيسى، حيث اكتشف تجاوبه معه من اللحظة الأولى، والحوار المباشر مع الشعب بعد التفويض الأول، وتلامس توجهاته مع أمانى وأحلام الجماهير.


وقبل وبعد تكوينه لفريق من المستشارين استشعر الكل من خلال خطبه وتصريحاته وحواراته مع الصحفيين وغيرهم، إنه رئيس قارئ فاهم لنبض الشارع يتجاوب مع أحلام الجماهير فى أن يعود لمصر الهدوء والاستقرار وأن تنهض و تعود لدورها و يعود دورها لها فى الإقليم و فى العالم .


و كانت فرحة الجميع عارمة بتجاوبه مع أحلام الشباب و مع تقبله للاقتراح الذى أعلنت عنه مجلة المصور بضرورة تأسيس منظمة للشباب تكون شبيهة بمنظمة الشباب الاشتراكى التى أسسها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر و نجحت فى المباعدة بين الشباب و الإرهاب.


لا نملك الا ان نهنئ مصر برئيسها الجديد الذى يعكف كما هو واضح من قراراته على دراسة ما يصدر عن النخبة من أفكار و ما يعلنه رجل الشارع من مطالب و طموحات .