عن قطار منوف المفخخ بالأمل

17/11/2014 - 9:34:40

حمدى رزق حمدى رزق

كتب - حمدى رزق

قطار المنايفة ، بحق قطار الغلابة ، لا يؤمه سوى الموظفين و العمال المنايفة البسطاء فى طريقهم الى لقمة العيش فى القاهرة التى يسمونها ، مصر ، يجمعهم القطار يوميا فى مواعيد محفوظة تبدأ فجرا و تنتهى ليلا ، يقضون فى القطار ( لا يفرق عن قطار القشاش ) و قتا مستقطعا من أعمارهم القصيرة ، أغلبهم مصابون بالبلهارسيا ، و يعانون من فيروس " سى " بأنواعه ، أكبر نسب الإصابة فى المنوفية .


صارت بينى و هذا القطار الذى يأتى من منبعه فى طنطا عبر كفر الزيات فى طريقه إلى القاهرة ، علاقة شكر و امتنان هو من حملنى الى القاهرة يافعا طامحا الى النور خروجا من طلمة الفقر التى تعشش فى بيوت المنوفية الفقيرة ، و يتغلبون عليها بالوظائف الميرى ذات الدخول الشهرية المنتظمة ، و إن كانت شحيحة ، " مربوط على الدرجة الثامنة و الناس درجات " أغنية المنوفى المفضلة .


و من قلب هذا الضنك ، صار لافتا حكمة المنايفة الشهيرة : ان فاتك الميرى اتمرغ فى ترابه " و من هذا التراب الدافئ نبه ( من النباهه ) من ارض المنوفية السوداء ، اشجارا سامقة فى سماء القاهرة ، علماء و رؤساء ، و مفكرون و قادة جيوش ، و فنانون و صحفيون و ممثلون ، نبغوا ، يقينا نفر منهم ركب قطار ( خمسة إلا تلت ) فجرا مثلى ، و نشفت عروقه من البرد ينخر فى العظام الناتئة لا يحميها من الصقيع باب قطار و لا شباك ، قطار منوف ، منسى على الرصيف الأخير فى محطة القاهرة بجرار عتيق ، و عربات هى من سواقط القيد فى سجلات هيئة السكك الحديدية ، و المنايفة راضون حامدون شاكرون ، اللهم أدمها نعمة و احفظها من الزوال .


اجيال وراء اجيال ركبت و تركب هذا القطار ، من النجمة يصحون كالعصافير يصطفون ع الرصيف ، على الدرب سائرون .


هذا ما وجنا عليه آباءنا ، و هم وجدوا عليه اجدادنا ، و من جدود الجدود و القطار يقطع المسافة بين منوف الى القاهرة بتوءدة لا يسرع أبدا ، يمر الهوينا بشنوان و اشمون و الحلواصى ، يسمونها ضاحكين من بين اسنانهم الصفراء من اثر التدخين ، ( الحلو / اسى ) ، من القسوة المحببة ، و يمر على مهل مخترقا الحقول المندية بندى الفجر ثلجا على الكعوب المكشوفة مغروزة فى الطين ، طين الغيط المحنية على الفأس العتيق ، ينظر بخيال الى القطار الذى يمر عليه ، يصبح على أولاده ، على أحلامه يحملهم القطار ، ينظر الى رءوسهم الصغيرة تطل عليه بصباح الفل من خلف بقايا زجاج مهشم ، يتمنى لهم السلامة ، ينتظرهم فى العودة مفعمين بالأمل بعد يوم شاق فى مصر .


رواد القطار نفر منهم مثلى طامحون لبلوغ عنان سماء العاصمة ، الغالبية بسطاء يطلبون فتات الرزق من بقايا القاهرة ، علاقتهم بالقاهرة ليس فيها حبا و لا كراهية ، فقط فيها برجماتية بسيطة ، القاهرة مصدر الرزق ( من بعد الله تعالى ) و هم طالبو الرزق ، و الرزق فى البكور ، يبكرون فى الوصول إلى القاهرة ، يصلونها السابعة صباحا قبل أن يفيق أهلها من نومتهم الثقيلة يشعلونها نشاطا ، المنايفة شغيلة ، أقصد المنوفى فى شغلانة يتقنها ، و يطلب الأجر و الثواب من الله .


غالبية ركاب قطار القاهرة - منوف من البسطاء ، ضاقت بهم الأرض الضيقة ، القصبتان ( من القصبة و هى مقياس الأرض الزراعية ) لا تكفيان اكل و تعليم العيال ، ترك المنوفى حتة الأرض لزوجته الفلاحة النابهة فى علوم الفلاحة و أصولها المرعية منذ فجر الدولة الفرعونية ، تحزم وسطها كأعتى الرجال ، تعزق ، و تخضر ، و تبذر ، و تروى بالطنبور ، يأتمنها هو على أرضه ، و تدعوه ان يذهب بعيدا يسعى الى رزقه ، و تسند هى ظهره و تربى العيال .


يرضى المنوفى بقليله ، لا يأنف عملا ، سعاة ، عمال نظافة ، أعمال يدوية ، سكرتارية ، كتبة ، و النابه منهم صحفى و فنان و محاسب و كاتب و رئيس مصلحة ، و الشاطر رئيس جمهورية ، و بينهم طابور من رؤساء المصالح و الوزراء و الهيئات ، جميعا يتحركون بوازع من ضمير و حرص على المصلحة العليا ، يحدهم مثل شعبى لافت ، المنوفى لا يلوفى حتى لو اكلوه لحم الكتوفى ، و هو مثل طيب يؤشر على بعد المنوفى عن المجاملة على حساب المصلحة العامة ، فهو لا يجامل فى حق حتى لو كانت المجاملة من لحم الكتوفى ، و هو أغلى اللحوم ، من الكتف .


قطار منوف الذى فجره المجرمون عقابا للمنايفة على اسقاطهم مرسى العياط و إخوانه ، برزوا يومها رجالا ، صفا واحد ضد الإخوان ، حتى فى أعتى لحظات العتمة الإخوانية ، رفضوا دستور الظلام ، و صوتوا قبلا للفريق شفيق ، و شكلوا صفا متينا و قف وقفة حب مع السيسى و ثورة 30 يونيه ، فى كل وقفات الوطن كانوا رجالة وقفوا وقفة رجالة ، و لن يفت فى عضدهم تفجير مجرم ، و لن يوقف قطارهم المحبوب إلى القاهرة تفخيخ آثم ، و لن يثنيهم عن طلب الرزق دماء نزفت على محطة منوف غدرا و غيلة .