قراءة أخرى للتهديدات الحدودية والأمن القومى المصرى

17/11/2014 - 9:31:40

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - د. طارق فهمى

هناك ترابط بين التهديدات والمخاطر التى تأتى على مصر من دوائر جوارها مع (ليبيا-غزة-السودان) بما يوحى أن هناك نوعاً من التماثل والتنسيق بين القوى التى تقف وراء هذه المخاطر فى تلك الدوائر.


استمرار المخاطر الأمنية على مصر من الحدود الليبية، خاصة فى ظل اندماج الميليشيات العسكرية - خاصة تلك التى لها صلة بتنظيم القاعدة فى الأجهزة الأمنية فى ليبيا، ومشاركتها فى تأمين مناطق الحدود الليبية، الغربية والجنوبية.


أبرز تلك التهديدات للأمن القومى المصرى الاتصال المتبادل بين الجماعات الإسلامية المسلحة عبر السلاح والتدريب للعمليات الإرهابية، لاسيما مع انضمام جنسيات متعددة للجماعات الجهادية، بما يرفع من التوتر الأمنى بين السلطة والجماعات المسلحة فى سيناء والمساهمة فى نمو ظاهرة الجريمة المنظمة (تهريب السلاح والمخدرات، وغيرها) على جانبى الحدود المصرية الليبية، لاسيما أنها تشكل قاعدة اقتصادية وتمويلية للتيارات الإسلامية فى مصر.


يشكل السودان ضغطاً على الحدود المصرية وهو ضغط مثلث الأبعاد: ضغط فى اتجاه حلايب وشلاتين، ضغط فى اتجاه سد النهضة، وضغط فى اتجاه تدريب المعارضة الإسلامية وتسليح الإخوان.


قد يكون السبب فى ذلك التقارب السودانى الإثيوبى هو صفقة عقدها البشير مع النظام الإثيوبى، ويبدو أنها خاصة بمنطقة الفشقة المتنازع عليها بين إثيوبيا والسودان.


إن الموجة الإرهابية الجديدة فى مصر، تدل على أن التنظيمات الإرهابية التى تقود هذه الموجة حالياً، تريد إحياء الخطط التكتيكية للتنظيمات الجهادية السابقة (الجماعة الإسلامية -تنظيم الجهاد) فى مواجهة الدولة.


هناك العديد من المخاطر الأمنية فى سيناء مثل مشكلات التهريب، والأنفاق، والطابع القبلي، وضعف التواجد الأمني، ووجود تدخلات أجنبية ووجود دور خفى لبعض العناصر الأجنبية وتأثيرها على بعض العناصر الموجودة من خلال الامتداد الطبيعى للعائلات من ناحية وكذلك دور أجهزة المخابرات كالموساد والشاباك من ناحية أخرى.


تتعدد مصادر تهديد الأمن القومى للدول، فهناك مصادر داخلية وأخرى خارجية، وهناك مصادر تهديد أساسية ومصادر ثانوية، ومن مصادر التهديد الخارجية تلك التى تأتى من الجوار الحدودى للدولة، الأمر الذى يجب معه وضع أمن الحدود فى الاعتبار، ومتابعة كل التطورات فى دول الجوار ودراسة نتائجه على الأمن القومى للدولة، ومصر ليست بعيدة عن هذا، حيث تشهد الحدود المصرية مع دول الجوار تطورات تحمل الكثير من المخاطر والتحديات التى تتصاعد من آن لآخر بما يهدد الأمن القومى المصري، الأمر الذى يتطلب من الدولة المصرية تركيز اهتمامها على هذه التطورات ووضع الخطط لتجنب تصاعد تهديدها.


تهديدات دول الجوار


تشهد الحدود المصرية مع دول الجوار العديد من التطورات التى تحمل معها الكثير من المخاطر والتحديات التى تهدد الأمن القومى المصري، كما أن خطورة تهديدات دول الجوار تتمثل فى أنها تتداخل مع مصادر تهديد أخرى معقدة تضغط على الأمن القومى المصرى فى الفترة الأخيرة بصورة غير مسبوقة. حيث هناك ترابط بين التهديدات والمخاطر التى تأتى على مصر من دوائر جوارها مع (ليبيا-غزة-السودان) بما يوحى أن هناك نوعاً من التماثل والتنسيق بين القوى التى تقف وراء هذه المخاطر فى تلك الدوائر.


والمعروف أنه فى كل دول العالم يتم تأمين الحدود من خلال واجبات مشتركة لأجهزة الأمن على جانبى البلدين، ولكن المشكلة فى مصر تتمثل فى أن قواتها المسلحة مسئولة وحدها عن تأمين الحدود حيث لا يقوم الجانب الآخر بدوره الأمني.


فعلى سبيل المثال فإن الأوضاع السياسية والأمنية فى ليبيا تشهد تدهورا مستمرا مع تزايد مظاهر عدم الاستقرار وافتقاد الأمن، حيث يسعى الإخوان المسلمون للسيطرة على المشهد الأمنى فى طرابلس من خلال تكليف غرفة ثوار عمليات ليبيا (ميليشيات تابعة لها) بتأمين العاصمة الليبية والوزارات، وذلك خوفاً من تكرار السيناريو المصرى مرة أخرى فى ليبيا، ولفرض نفوذهم على الحكومة الليبية، خاصة بعد تراجع شعبيتهم بصورة كبيرة. وفيما يتعلق بالمخاطر التى يمثلها الوضع الليبى على الأمن القومى المصرى فإنه من المتوقع أن تستمر الأزمة الأمنية الليبية خلال الفترة المقبلة خاصة مع استمرار المواجهات بين الميليشيات المرتبطة بالأحزاب الإسلامية من جانب، وتلك الموالية لرئيس الحكومة وتحالف القوى الوطنية واللواء خليفة حفتر ، بما يشير إلى استمرار المخاطر الأمنية على مصر من الحدود الليبية، خاصة فى ظل اندماج الميليشيات العسكرية - خاصة تلك التى لها صلة بتنظيم القاعدة فى الأجهزة الأمنية فى ليبيا، ومشاركتها فى تأمين مناطق الحدود الليبية، الغربية والجنوبية، مما يزيد من حجم المخاطر على الأمن القومى المصري، ويزيد الخطر من امتلاك هذه المليشيات مخازن ضخمة من الأسلحة على اختلاف أنواعها، حيث ترتبط بصلات قوية مع تنظيم القاعدة فى المغرب الإسلامي، ولدى عناصرها معرفة بدروب وطرق التسلل والتهريب إلى داخل مصر، فضلاً عن وجود معسكرات تدريب لعناصر جهادية دولية فى مناطق قرب الحدود المصرية، الأمر الذى يمثل تهديداً خطيراً للأمن القومى المصري.


تهديد مباشر للأمن القومى المصرى


تعد مصر أحد أبرز دول الجوار الإقليمى لليبيا تأثرا بتنامى الجماعات الجهادية فى شرق ليبيا، خاصة فى ضوء وجود تشابكات جغرافية وسياسية وأيديولوجية بين التيارات الإسلامية فى البلدين، والتى تعمقت عقب صعود التيار الإسلامى بشقيه المعتدل والمتشدد فى مصر بعد ثورة 25 يناير، وزادت مخاطرها بعد الموجة الثورية التى أسقطت حكم جماعة الإخوان المسلمين فى 30 يونيه. وتتمثل أبرز تلك التهديدات للأمن القومى المصرى فى:


1-الاتصال المتبادل بين الجماعات الإسلامية المسلحة عبر السلاح والتدريب للعمليات الإرهابية، لاسيما مع انضمام جنسيات متعددة للجماعات الجهادية، بما يرفع من التوتر الأمنى بين السلطة والجماعات المسلحة فى سيناء.


2-المساهمة فى نمو ظاهرة الجريمة المنظمة (تهريب السلاح والمخدرات، وغيرها) على جانبى الحدود المصرية الليبية، لاسيما أنها تشكل قاعدة اقتصادية وتمويلية للتيارات الإسلامية فى مصر.


3-الإضرار بالمصالح الاقتصادية (استهداف العمالة المصرية، والاستثمارات، وغيرها) بين مصر وليبيا.


4-تحول بعض مناطق شرق ليبيا التى تسيطر عليها جماعات جهادية إلى ملاذ آمن لبعض المنتمين للتيارات الإسلامية المعارضة للسلطة فى مصر بعد 30 يونيه.


السودان والتهديدات من أكثر من اتجاه


يعيش السودان منذ انفصال الجنوب حالة غيبوبة/ إفاقة ما بعد الجراحة السلمية بسبب فقدان التمويل الذى كان يوفره نفط الجنوب وفقدان السوق التى كان يمثلها السكان الجنوبيون،علاوة على أن الانفصال جاء ليفاقم من عزلة النظام ويحرمه من نافذة التواصل مع الجوار الأفريقى وتبادل التأثير والتأثر ورد الضربات التى كانت توجه إليه بأخرى، حيث انقطع السودان عن جوار كل من كينيا فى الجنوب الشرقى وأوغندا فى الجنوب والكونغو فى الغرب.


إن تجربة الإسلام السياسى فى السودان قد باءت بالفشل، كما أن هناك خللاً هيكلياً يتملك النظام السوداني، وأن بنيته محكومة به، وأن انفصال الجنوب قد فاقم من ضعف النظام، حيث فقد معظم موارد التمويل بحصول الجنوب على 75% من البترول بعد انفصاله. على الرغم من الإخفاقات المتتالية للنظام السودانى إلا أنه استطاع الاستمرار إلى الآن ومرد ذلك هو التماسك السياسى الذى صنعته السلطة حول البشير من جهة وحول المؤتمر الوطنى الحاكم من جهة أخرى.


إن السودان يعيش منذ استقلال الجنوب حالة من الفراغ الدستورى الذى يتطلب تعديلات فى الدستور الذى أفضى إلى الانفصال ليلائم التعديل دولة السودان بحدودها الجديدة وأقاليمها الجديدة، علاوة على أن انفصال الجنوب لم ينه المسألة الإقليمية بالسودان .


أما فيما يخص إثيوبيا فقد اتخذ عدة خطوات لافتة منها: ملاحقة المعارضة الإثيوبية التى اعتادت اللجوء للسودان، وتصعيد التعاون الاقتصادى مع إثيوبيا إلى المستوى الاستراتيجي، علاوة على إجراء تعديلات جوهرية على السياسة المائية السودانية والوقوف بجانب الموقف الإثيوبى الذى يصر على استكمال بناء سد النهضة، على الرغم من الأضرار التى تعود على كلا البلدين جراء هذا السد، لأن إثيوبيا باتت هى الرهان الإقليمى الوحيد للسودان، علاوة على أنها تمثل الحقيقة العسكرية الضاغطة على السودان من عند حدوده الشرقية ومن خط التماس مع جنوب السودان حيث تشكل القوة الإثيوبية عماد القوات الدولية على الحدود بين السودانين.


إن السودان يشكل هو نفسه ضغطاً على الحدود المصرية وهو ضغط مثلث الأبعاد: ضغط فى اتجاه حلايب وشلاتين،ضغط فى اتجاه سد النهضة، وضغط فى اتجاه تدريب المعارضة الإسلامية وتسليح الإخوان.


إن الموقف السودانى من سد النهضة يوضح لأول مرة أن السودان تترك مصر وحيدة فى موقفها مع دول الحوض الأخرى وتقترب من الطرح الإثيوبى بخصوص الموضوع، وقد يكون السبب فى ذلك التقارب السودانى الإثيوبى هو صفقة عقدها البشير مع النظام الإثيوبى ويبدو أنها خاصة بمنطقة الفشقة المتنازع عليها بين إثيوبيا والسودان.


سيناء : الخطر مستمر


إن موجــة الإرهاب التى اجتــاحـــت مصر فى أعقاب ثورة 25 يناير على يد التنظيمات الجهادية فى سيناء ليست بمعزل عن موجة الإرهاب التى اجتاحت المنطقة فى أعقاب «الربيع العربى»، حيث إن هذه الثورات مثلت بداية لموجة جديدة من الجهاد، ربما تكون أشد ضراوة من الموجات السابقة، حيث عادت هذه التيارات مرة أخرى إلى الساحة أكثر قوة ونشاطاً، وأصبحت أكثر قدرة على التأثير بقوة فى مجريات الأحداث، وقامت بعمليات عنف كبيرة ومتنوعة على نحو يفرض واقعاً جد يداً لم يكن مألوفاً من قبل.


إن التنظيمات الجهادية المختلفة عادت إلى مصر، فى أعقاب الانفلات الأمنى الذى ضرب مصر فى أعقاب ثورة 25 يناير، وتمركزت هذه التنظيمات فى سيناء، ثم سرعان ما نمت وتضخمت وأُتخمت بالمال والسلاح واستفحل خطرها فى عهد الرئيس السابق محمد مرسى، وأن هناك قاسماً مشتركاً بين هذه التنظيمات وهو استخدام العنف المسلح لتحقيق أهدافها، كما يغلب عليها التشدد الفكرى لدرجة تصل فى كثير من الأحيان إلى درجة التكفير.


إن التنظيمات الجهادية فى سيناء تمكنت من إقامة شبكة علاقات مع عدد من التنظيمات الجهادية فى المنطقة، مثل تنظيم «القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامى» والتنظيمات الجهادية فى سوريا والعراق، وكذلك مع الجماعة الإسلامية فى ليبيا وخاصة فى مناطق الحدود، مما جعل مصر محاصرة بالتنظيمات الجهادية من الشرق والغرب، وهو ما مثَل خطراً حقيقاً على الأمن القومى المصري.


إن الموجة الإرهابية الجديدة فى مصر، تدل على أن التنظيمات الإرهابية التى تقود هذه الموجة حالياً، تريد إحياء الخطط التكتيكية للتنظيمات الجهادية السابقة (الجماعة الإسلامية-تنظيم الجهاد) فى مواجهة الدولة.


إن الحرب فى سيناء هى حرب معلومات فالمعلومة مدخل أساسى للقضاء على الجماعات المسـلحة وستساهم فى تخفيف الخسائر الناجمة عن حروب العصابات، والأنفاق هى المصدر الأساسى لتدفق المتطرفين إلى سيناء وتهريب السلاح والبضـائع وتخزينها فى سـيناء لحمايتها من الهجمات الإســـرائيلية ولعل الإجراءات الأخيرة بإقامة المنطقة العازلة مع غزة خطـوة هامة استراتيجية بعد جـريمة رفح الأخيرة.


إن هناك العديد من المخاطر الأمنية فى سيناء مثل مشكلات التهريب، والأنفاق، والطابع القبلي، وضعف التواجد الأمني، ووجود تدخلات أجنبية ووجود دور خفى لبعض العناصر الأجنبية وتأثيرها على بعض العناصر الموجودة من خلال الامتداد الطبيعى للعائلات من ناحية وكذلك دور أجهزة المخابرات كالموساد والشاباك من ناحية أخرى.


علينا أن نثق بأن الحرب ضد الإرهاب ستطول ومصر قادرة على المواجهة وتحقيق النصر.



آخر الأخبار