حيثيات حكم قضية خلية مدينة نصر يكشف : ضباط سابقون إرهابيون حالياً!

10/11/2014 - 11:32:21

خلية مدينة نصر أثناء المحاكمة خلية مدينة نصر أثناء المحاكمة

كتب - عبدالقادر شهيب

للأسبوع الثاني علي التوالي أضطر إلي تأجيل الكتابة عن زيارتي للمدينة التي قضي فيها الزعيم أحمد عرابي عشر سنوات منفياً بعيداً عن وطنه .. المرة الأولي بسبب العملية الإرهابية التي شهدتها سيناء وأسفرت عن وقوع نحو 60 ضحية مابين شهيد وجريح.. أما هذه المرة فإن التأجيل سببه عمليات إرهابية عديدة كانت تستهدف قناة السويس والكنائس ونحو خمس مدن مصرية بالإضافة إلي سيناء والبحر الأحمر والحمد لله تمكنا من إحباطها قبل تنفيذها، حينما تمكن الأمن من اصطياد التنظيم الذي كان يخطط للقيام بهذه العمليات وتمت محاكمة قادته وبعض أعضائه في تلك المحاكمة التي عرفت بقضية «خلية نصر».
فإن حيثيات الحكم الذي أصدرته المحكمة برئاسة المستشار شعبان الشامي تنبهنا إلي أمر شديد الأهمية والخطورة معاً يتعين أن نبحث عن تفاصيله ونتتبع كل من ينطبق عليهم، كضرورة تفرضها علينا الحرب الضارية والشرسة التي نخوضها ضد الإرهاب الآن .
فالحيثيات لم تقتصر فقط علي بيان الأسباب التي دعت المحكمة لإصدار العقويات التي وصلت للأشغال الشاقة المؤبدة كحد أقصي بحق عدد من المتهمين، وإنما كشفت أيضا أن من بين المتهمين في القضية الذين وصل عددهم إلي نحو 26 متهماً اثنين لهما خلفية عسكرية، أي كانا ينتميان للقوات المسلحة كضباط عاملين وليس كمجندين أو حتي ضباط احتياط .. الأول يأتي علي رأس قائمة المتهمين وهو القيادي طارق طه عبدالسلام، والثاني هو المتهم التاسع رامي محمد أحمد السيد.. والمتهم الأول القيادي طارق انضم - كما تقول الحيثيات - إلي تنظيم جند الله أثناء عمله بالقوات المسلحة ضابطا برتبة رائد وتم اعتقاله حتي شهر مارس 2011، وأثناء الاعتقال تعرفت علي عدة أشخاص بينهم المتهم الثالث عادل عوض شحتو وعضو التنظيم المتوفي كريم أحمد عصام البديو.
أما المتهم التاسع رامي منذ تخرج في الكلية الفنية العسكرية عام 2006 وعمل بالقوات المسلحة ضابطاً، واقتنع - كما تقول حيثيات الحكم - في أواخر عام 2010 واستدعي عدة مرات في المخابرات الحربية بشأن صلته بالقيادي الأول والرائد طارق عبدالسلام، ولذلك تقدم باستقالته ، وسعي للسفر إلي سوريا للانضمام الي جبهة النصرة..
وهنا الأمر يستحق لوقفة انتباه وبحث وتقصٍ .. فإن انضمام أشخاص لهم خلفية عسكرية للجماعات الإرهابية يضيف إليها قدرات قتالية، فضلا عن أنه يمنح هذه الجماعات الإرهابية أيضا معرفة تساعدها علي استهداف كمائن ووحدات القوات المسلحة لإلمامهم بطبيعة وسير وظروف العمل داخل الجيش وربما الثغرات التي يستفيد منها الإرهابيون في تنفيذ أعمالهم الإرهابية .
انظروا مثلا إلي ماتم ضبطه علي الحاسب الآلي للمتهم التاسع ضابط الفنية العسكرية كما رصدتها حيثيات الحكم .. لقد ضبط علي هذاالحاسب «قواعد وخطط حرب العصابات» ، «تصنيع الشحنات المتفجرة منزليا من الأسمدة الزراعية مثل نترات البوتاسيوم ونترات الأمنيوم والكبريت الأصفر الزراعي ومادة الزئبق المستخرجة من الترمومتر الحراري»، «ورسالة موجهة لأحد ضباط المخابرات الحربية يصف فيها الجيش المصري بأنه جيش كافر لمعاونته الطواغيت» و«كتب عن سلسلة الإعداد للجهاد» «الإعداد البدني والعسكري».. وهكذا يقدم عضو أي تنظيم إرهابي لتنظيمه خبرات ومعرفة لاتتوفر للأعضاء المدنيين، وربما يفسر ذلك سر اهتمام كل التنظيمات الإرهابية بتجنيد أعضاء وكوادر لها داخل القوات المسلحة
ولعل هذا يرجع إلي محاكاة (جماعة الإخوان) التي حرصت منذ وقت مبكر بعد عودتها للعمل في الأربعينيات من القرن الماضي علي تأسيس قسم خاص لضباط القوات المسلحة.. وإذا كان المحامي ثروت الخرباوي كشف عن ذلك مؤخراً في كتبه النقدية للجماعة بعد أن انفصل عنها، فإن خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة ثورة يوليو سبقه إلي ذلك بعدة سنوات حينما روي في مذكراته كيف اقترب وانضم إلي جماعة الإخوان ومعه جمال عبدالناصر لفترة من الوقت قبل أن يتركها الاثنان بعد أن تبينا الأهداف الحقيقية للجماعة، ورفضهما مبدأ السمع والطاعة الذي تقوم عليه الجماعة واصرار قيادة الجماعة علي فرض هيمنتها علي تنظيم الضباط الأحرار .. وقد انتهي الأمر في نهاية المطاف عن محاولة اغتيال جمال عبدالناصر في ميدان المنشية انتقاماً منه لعدم تمكينه الجماعة من السيطرة علي الحكم بعد نجاح حركة الضباط الأحرار في الإطاحة بالملك فاروق ثم إعلان الجمهورية .
وهكذا شهدت أول جماعة إرهابية تم تأسيسها في مصر بالعصر الحديث (عام 1966) وجود أحد المؤسسين فيها ضابطاً بالقوات المسلحة وهو الضابط عصام القمري.. منذ تشكلت هذه الجماعة بعد تنفيذ حكم الإعدام علي سيد قطب في ظل تصفية تنظيم الإخوان .. وتم ذلك علي يد أحد وكلاء النيابة الذي كان وقتها مكلفاً بالتحقيق مع المتهمين من الإخوان بعد أن تأثر بفكرهم ويدعي يحيي هاشم ومعه إسماعيل طنطاوي ثم التقي بهما أيمن الظواهري الزعيم الحالي لتنظيم القاعدة. ومن بعده عصام القمري الضابط بالقوات المسلحة أحد كوادر تنظيم الجهاد الموحد عام 81 فيما بعد الذي كلف بإنشاء جناح عسكري لهذا التنظيم .. وقد اهتمت هذه المجموعة الصغيرة بالعمل في صفوف العسكريين (القوات المسلحة) والشرطة .
وعلي هذا الدرب سارت كل التنظيمات والجماعات الإرهابية التي تشكلت بعد تنظيم 1966 الصغير وشديد السرية .. فهذا مافعله مؤسس جماعة شباب محمد (التي عرفت باسم تنظيم الفنية العسكرية) صالح سرية الفلسطيني الذي تعلم بالكلية الحربية بالعراق فهو حرص من خلال المجموعة الثالثة التي كان أميرها طلال الأنصاري علي التسلل للقوات المسلحة بجانب المجموعة الثانية التي كان أميرها كارم الأناضولي في الفنية العسكرية، وذلك لتنفيذ ماكان يعتقد بضرورته وهو انقلاب عسكري والاستيلاء علي الحكم بالقوة.
وعندما تأسست الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد حرص كلا التنظيمين علي ضم ضباط من القوات المسلحة.. فكانت الأولي تضم ضابط المخابرات الحربية عبود الزمر، بينما نجح الثاني في ضم عصام القمري .. وعندما توحد التنظيمان وشكلا تنظيم الجهاد الموحد كان من بين أعضائه خالد الإسلامبولي الذي شارك وآخرون في اغتيال الرئيس السادات تحت إشراف عبود الزمر.
وهكذا فقد استلهمت الجماعات والتنظيمات الإرهابية الجديدة في مصر تاريخ تلك التنظيمات الإرهابية التي سبقتها بالاهتمام بضم عناصر ذات خلفية عسكرية في عضويتها للاستفادة من خبراتهم وقدراتهم وأيضا معلوماتهم في العمل العسكري والتدريب علي استخدام السلاح والمناورات والعمليات التكتيكية.. وهاهو تنظيم (خلية نصر) يفعل ذات الشيء ويسير علي تلك السنة التي سنتها جماعة الإخوان منذ وقت مبكر مع بداية العقد الثالث في عمرها، وهي سنة التسلل إلي داخل القوات المسلحة واجتذاب عدد من ضباطها، وذلك بالطبع بخلاف من يجندون.
وإذا كان الأمر كذلك - كما أوضحت لنا حيثيات الحكم في قضية خلية مدينة نصر - فإننا يتعين علينا هنا أن نفعل كل مامن شأنه إجهاض جهود وخطط التنظيمات الإرهابية في هذا الصدد.. وهنا أنا لا أطالب فقط باليقظة والمتابعة النشطة لأحوال بعض الضباط الذين تظهر عليهم أعراض التطرف لأن المؤكد أن جهاز المخابرات الحربية يفعل ذلك.. وأعرف أنه ضاعف جهوده في هذا الصدد قبيل الثلاثين من يونيه عام 2013، عندما تكشف لقيادة القوات المسلحة أن جماعة الإخوان خططت مع جماعات إرهابية أخري لإغراق البلاد في حالة من الاضطراب والفوضي والعنف من خلال فتح أربع جبهات في وقت واحد.. واحدة من الجنوب عبر السودان حيث تهاجم مجموعات إرهابية غير مصرية البلاد وتتعاون معها جماعات إرهابية مصرية أهمها الجماعة الإسلامية لفرض سيطرتها علي الصعيد كله وإحكام قبضتها علي الجهاز الإداري وإسقاط سلطة الدولة فيها.. والثانية في الشمال الغربي ، حيث تهاجم مجموعات إرهابية غير مصرية أيضا الأراضي المصرية عبر الحدود مع ليبيا ويتعاون معها جماعات إرهابية مصرية وعناصر من الإخوان للسيطرة علي المنطقة الغربية.. بينما كانت الجبهة الثالثة في سيناء، حيث كان من المقرر أن تهاجم مجموعات مسلحة فلسطينية تنتمي لحماس بالاشتراك مع جماعات إرهابية مصرية المنشآت الحكومية والشرطية.. أما الجبهة الرابعة فقد كانت الجبهة الداخلية بإغراقها في عمليات عنف واسع لترويع المصريين.. ولذلك كان من المنطقي أن تفتح القوات المسلحة عموما والمخابرات الحربية خصوصا.. عيونها لإجهاض هذا المخطط الشيطاني .
لكنني هنا أقصد أن نعيد فتح ملفات الضباط الذين استقالوا أو استبعدوا أو ثارت حولهم من قبل شكوك، ونفحص هذه الملفات مرة أخري ربما يقودنا ذلك للإيقاع بمجموعات إرهابية جديدة علي غرار مجموعة أو تنظيم خلية مدينة نصر التي تتصدر قائمة الاتهام في قضية رائد سابق بالقوات المسلحة وضم معه أحد ضباط الفنية العسكرية .
ولعلنا نتذكر المثل الشهير الذي يقول "من تلسعه الشوربة ينفخ في الزبادي" .. لذلك فإن مراجعة أحوال وأوضاع مثل هؤلاء الضباط الذين سبق أن تورطوا في عضوية تنظيمات إرهابية أو أصيبوا بداء التطرف ستكون بالقطع مفيدة، مع العلم أنها ليست عملية صعبة لأنه -والحمد لله- رغم استهداف كل الجماعات الإرهابية قواتنا المسلحة وسعيها الدائم للتسلل إليها، إلا أن عدد من تورطوا مع هذه التنظيمات من رجال القوات المسلحة عدد محدود جدا.. ولنتذكر أنه في حالة الحرب كل شيء مباح للدفاع عن النفس.. ونحن في حربنا الحالية ضد الإرهاب لا ندافع فقط عن حياتنا وإنما ندافع أيضا عن كيان دولتنا الوطنية.