مئوية سقوط أردوغان..!

10/11/2014 - 11:13:34

اردوغان اردوغان

كتب - أحمد النجمى

«طفشت العثمانية فى العوام والغلمان والزعر، ولعبوا فيهم بالسيف، وراح الصالح بالطالح، ربما عوقب من لاجنى، فصارت جثتهم مرمية على الطرقات من باب زويلة.. ولولا لطف الله لكان لعب السيف فى أهل مصر قاطبة..» هكذا عبر أهم مؤرخى العصر المملوكى «ابن إياس» عن دخول الاحتلال العثمانى القاهرة «المحرم من عام 923، يناير 1517 ميلادية»، ذكريات سوداء، يختلط سوادها بحمرة الدم المصرى المراق فى تلك النكبة، مرت الذكريات بخيالى السبت الماضى - أول نوفمبر - مع حلول الذكرى 91 لسقوط الإمبراطورية العثمانية، تلك التى يريد«أروغان» إحياءها..!
لم تسقط مصر فى يد قوات «الاحتلال» العثمانى بسهولة.. كان جيش المماليك - حكام مصر من القرن الثالث عشر حتى 1517- قد اصطدم بهم ولاقى هزيمة كبيرة فى «مرج دابق» بسوريا وسقط السلطان «قنصوه الغورى» فى المعركة، قيل انه مات من الحسرة، لم يعثروا له على جثمان.. قيل أيضاً - وفق «ابن زنبل الرمال» صاحب كتاب «واقعة الغورى وسليم العثمانى»، قارئ الطالع والمؤرخ - إن اثنين من كبار المماليك قطعا رأس الغورى ورميا به فى البئر، لكى لايعثر العثمانيون على جثمانه ويمثلوا به.. من سوريا اتخذ جيش الغزو العثمانى - بقيادة «سليم الأول» - طريقه إلى مصر، التى كان السلطان الشهيد العظيم «طومان باى» قد تسلطن بها، ولم تمر سوى شهور قليلة لا تتعدى ثلاثة، حتى كان الجيش العثمانى يغزو مصر، وقعت خيانة للغورى وامتدت لأيام طومان باى، اشترى العثمانىون أميرين خائنين بأموالهم: خايربك، وجان بردى الغزالى.. وفى الطريق إلى القاهرة، تحالفوا مع القبائل البدوية التى كانت ثائرة بالأساس ضد المماليك، الذين أذاقوهم الذل لسنوات سبقت، دخل العثمانيون «القاهرة»، ومرت شهور قاد فيها السلطان «طومان باى» مقاومة مذهلة هو ومن معه من المماليك ضد العثمانيين، فى النهاية.. خانه البدو أيضاً، وسلموه لسليم، وشنقه عند «باب زويلة».. وقضى الأمر، وظلت مصر أسيرة «إسطنبول»، عاصمة الإمبراطورية العثمانية، ظلت كذلك ثلاثة قرون، حتى عصر محمد على باشا.. وتلك قصة أخرى، المهم فيها - فى هذا المقام - أن الخلافة العثمانية ظلت لها «سيادة اسمية» على مصر حتى أوائل القرن العشرين، ثم خرجت مصر من هذه السيادة الاسمية إلى الأبد، وتفرغت على مصر بسنوات، سقطت الإمبراطورية العثمانية ذاتها فى تركيا «1923»، على يد «مصطفى كامل أتاتورك» الذى أسس تركيا الجديدة.
هنا محطتان.. الأولى سقوط مصر فى الاحتلال العثمانى «1517»، وذكرى سقوط الدولة العثمانية 1923.
فأما الأولى فنتوقف أمامها بشىء من التركيز.. قوات الاحتلال العثمانى ارتكبت أهوالاً فى دخولها مصر، اقتحمت ثلاثة مساجد : الأزهر، ابن طولون، الحاكم بأمر الله.. وأحرقت «جامع شيخو» - قرب القلعة - لأن «المقاومة» بقيادة السلطان «طومان باى» احتمت به.. واجترأوا على الأكثر فظاعة.. اقتحموا ضريح «السيدة نفسية» رضى الله عنها بالقاهرة، وداسوا قبرها، كما انتهكوا حرمات المصريين، اغتصبوا النساء، خطفوا الأطفال، وقتلوا فى يوم دخولهم المشئوم للقاهرة نحو 10 آلاف نفس - وفق ابن إياس - فضلاً عن استباحتهم الدور والأموال والحوانيت «المحال التجارية» عدة أيام.. فوصفهم ابن إياس بتلك الفقرة التى أوردناها فى مقدمة هذا المقال..! وصل العدوان العثمانى على المصريين إلى أنهم خطفوا الملابس من على أجساد الناس فى الشوارع،بعد أن اغتصبوا النساء وخطفوا الأطفال وسرقوا الأموال.. ونهبوا القمح والذرة والشعير - مما كان الناس يخزنونه فى بيوتهم ليصنعوا به الطعام - فأطعموه لخيولهم ..! قال ابن إياس اختصاراً للحالة البشعة التى وصل إليها المصريون «صار أهل مصر تحت أسرهم .. فانفتحت للعثمانية كنوز الأرض بمصر من ذهب وقماش وسلاح وخيول وبغال وجوارِ وعبيد وغير ذلك من كل شىء فاخر..» وانتهت هذه الحلقة من مسلسل «ماسى مصر تحت الاحتلال العثمانى» بأخذ سليم الأول لكل العمال والفنيين والمهندسين المصريين المهرة معه إلى اسطنبول، ليشيدوا له العمائر ويزخرفوها.. بفنون المصريين التى وصلت إلى ذروة النضج فى العصر المملوكى قبل الاحتلال.. حتى انقرضت 50 حرفة، وفق ابن إياس..!
لذلك، حين سقطت الإمبراطورية العثمانية - وهذه هى المحطة الثانية فى تلك السطور - لم يحزن المصريون، كانت هذه الإمبراطورية قد دخلت فى ذمة التاريخ، منذ استقل محمد على باشا فعلياً بمصر قبل أكثر من مائة عام من سقوط «العثمانيين» النهائى، كان المصريون حين سقطت إمبراطورية بنى عثمان - 1923 - قد انشغلوا بقضيتين: الاستقلال التام، والدولة الديمقراطية .. كانوا قد وضعوا دستور سنة 1923 فى نفس السنة، وهو واحد من أفضل دساتير الدولة الوطنية فى مصر.. وكانت ثورة 1919 قد وضعت مصر على أول طريق الاستقلال عن الاحتلال البريطانى، الذى احتل البلاد سنة 1882، كان المصريون يتطلعون إلى المستقبل، فيما كان الأتراك ينفضون أيديهم ويغسلون تاريخهم من سواد الإمبراطورية العثمانية، تلك التى ارتكبت المذابح المهولة، ضد الأرمن «أكثر من مليون قتيل أرمنى على يد العثمانيين» والأكراد، وشعوب شرق أوروبا، تلك البلدان التى حاربها العثمانيون حروباً دموية فى القرنين السادس عشر والسابع عشر.
سقطت دولة الظلم والتوسع والنهب والدموية فى «إسطنبول» قبل 91 عاماً، غير مأسوف عليها ، سقطت وقد تقاسم الإنجليز والفرنسيون والإيطاليون ولاياتها «بلدانها»، فصار على الشعوب العربية أن تسترد استقلالها مرتين: الأولى من الاحتلال العثمانى والثانية من الاحتلال الأوربى، وكلاهما أسوأ من الآخر..!
يحق للمصريين وغيرهم من الشعوب التى عانت الاحتلال البريطانى الاحتفال بسقوط الإمبراطورية العثمانية «أول نوفمبر 1923»، مثلما يحتفلون بعيد الجلاء، الذى رحل فيه الاستعمار الأوربى عن مصر.. لكن الأهم من هذا الاحتفال - الذى لم تنتبه له النخبة فى مصر إلى الآن - أن يظلوا متنبهين، يقظين، لنزعة «العثمانية الجديدة» التى يتشبع بها السلطان العثمانى المزعوم «أردوغان» ، يتدخل فى شئون مصر، يعبث بأمن واستقرار العراق، يدمر سوريا، يعبث فى ليبيا، وكأنها ولايات فى سلطنته العفنة .. ونسى أردوغان أن إمبراطورية العثمانيين سقطت من قديم، وأن مصر نهضت بالمقابل، وأن على رأس مصر الآن رجلاً اسمه «السيسى»، دوره فى التاريخ ليس فقط حماية أمن مصر، والنهوض بها اقتصادياً واجتماعياً، وإنما أيضاً تحجيم الدور التركى، وتقويض حلم عودة الخلافة العثمانية الكئيب الذى يحلم به أردوغان.. «إنكشارية» أردوغان هم «داعش» و «أنصار بيت المقدس»، أين الإنكشارية اليوم؟ فى «مزبلة» التاريخ، وسيكون «داعش» وأخواتهم فى أحقر درك من التاريخ قريباً.. أين «سليم الأول»؟ مات بعد غزوه مصر بسنوات قليلة، مشيعاً باللعنات، وسيكون «أردوغان» مثله قريباً، مشيعاً باللعنات.. ليس منا نحن المصريين والعرب وحدنا، بل من شعبه التركى الذى انتفض ضده أكثر من مرة.. التاريخ سيهزم أردوغان.. وتبقى الشعوب الحرة.. وبعد مائة عام من الآن، سيحتفل أحفادنا بسقوط أردوغان الإخوانى، مثلما نحتفل نحن الآن بزوال الكابوس العثمانى..!