مصر وأمريكا وإسرائيل قصة الصراع المستمر في الشرق الأوسط .. النگبة 6/7 الملك عبد الله ويهمّش حكومة عموم فلسطين

10/11/2014 - 11:04:20

الملك عبد الله الملك عبد الله

كتب - .د. جمال شقرة

قبيل إعلان الدولة اليهودية كانت " الهيئة العامة لفلسطين " التي يفترض أنها التعبير الوحيد القائم علي الأرض عن الكيان السياسي الفلسطيني عاجزة عن العمل وسط سيطرة الإدارة العربية علي مقدرات القضية الفلسطينية.
وعندما تحركت جامعة الدول العربية وأعلنت في يوليو 1948 عن " الإدارة المدنية " برئاسة " أحمد حلمي باشا عبد الباقي " أُجرت المحاولة ، ثم أعلنت الجامعة العربية قيام " حكومة عموم فلسطين " لتقف في مواجهة الدولة اليهودية ككيان فلسطيني يحظي بالاعتراف والدعم ، إلا أن هذه الخطوة ظلت تتعثر إلي أن فشلت في النهاية .
وإن كان غموض السياسة المصرية وضبابيتها تجاه هذه الحكومة بل وتجاه القضية الفلسطينية يمثل أحد أسباب فشل هذه الحكومة .. إلا أن موقف الملك عبد الله ملك الأردن كان بمثابة المعول الذي هدم الفكرة وأجهز علي الحكومة .
والحقيقة أن الهيئة العليا لفلسطين ، كانت تتخوف من نشوء فراغ سياسي في فلسطين غداة - انسحاب إنجلترا بعد انتهاء الانتداب ، لذا اقترحت الإعلان عن استقلال فلسطين كدولة ديمقراطية وذلك في نفس اليوم الذي ستنسحب فيه إنجلترا علي أن تتولي هذه الحكومة إدارة البلاد وتتمتع بجميع السلطات التي تتمتع بها الحكومات الديمقراطية المستقلة وفقا لدستور يتم إقراره .
ولم يلق طلب الهيئة العربية العليا الموافقة العربية الرسمية ، ولذا عندما جاء يوم 15 مايو 1948 وسارعت الحركة الصهيونية بإعلان قيام دولة إسرائيل ، ولم يعلن عن قيام الدولة العربية الفلسطينية أو الحكومة أو الإدارة الفلسطينية ، ظل الفلسطينيون بدون دولة أو كيان سياسي يعبر عنهم ويتحدث بلسانهم في المحافل العربية والدولية .
وعندما فُرضت الهدنة الأولي ، عاودت الهيئة العليا الطلب من جامعة الدول العربية بضرورة الموافقة علي إنشاء حكومة فلسطين تكون مستقلة أمام مجلس وطني يمثل فلسطين قدر المستطاع ، ولكن هذا الاقتراح قُبر من جديد وأعلنت الجامعة عن تشكيل " إدارة مؤقتة لفلسطين " تكون مسئولة أمامها ، إلا أن الهيئة العربية العليا لم تكن راضية عن تشكيل هذه الإدارة واستمرت جهودها لإقرار وجهة نظرها بضرورة الإسراع بالإعلان عن استقلال فلسطين بحكومة فلسطينية خالصة في مواجهة الإعلان الصهيوني بإقامة الدولة اليهودية .
وتبنت الدبلوماسية المصرية الفكرة واختارت اسم الحكومة " حكومة عموم فلسطين"، وكانت الدوافع وراء فكرة هذه الحكومة تتمثل في معارضة الاتجاه الأردني لدمج بقية فلسطين لإمارة شرق الأردن ، وتقديم كيان فلسطيني للعالم الخارجي يعلن عن سيادته علي فلسطين كلها ومنع الدول العربية فرادي أو مجتمعة من الاعتراف بإسرائيل ، فضلا عن مواجهة الرأي العام العربي بخطوة إيجابية تخفف من حدة الاتهامات بعجز الدول العربية عن حماية فلسطين وعروبتها ، ومواجهة الإعلان الصهيوني بقيام دولة إسرائيل .
أول حكومة فلسطينية خالصة
بعد موافقة اللجنة السياسية للجامعة العربية علي فكرة إنشاء حكومة فلسطينية تكون مسئولة أمام مجلس تمثيلي ، بادرت الهيئة العربية العليا بعقد اجتماع للإدارة المدنية يوم 23 سبتمبر 1948 وبتشجيع حكومات مصر وسوريا والمملكة العربية السعودية ، أن تصبح " حكومة عموم فلسطين " وهي أول حكومة فلسطينية في تاريخ القضية الفلسطينية.
وبالفعل انعقد المؤتمر الوطني في غزة يوم 30 سبتمبر 1948 ، ليصدر الإعلان بتشكيلها من غزة باعتبارها أرض فلسطين .
وصدر الإعلان باستقلال فلسطين يوم 28 أكتوبر 1948 ، جاءت فيه إشارة واضحة عن " الحق الطبيعي والتاريخي للشعب العربي الفلسطيني في الحرية والاستقلال . وإلي استقلال فلسطين كلها وإقامة دولة فلسطينية ديموقراطية ذات سيادة» .
وكانت أهم القرارات التي صدرت عن المؤتمر
1 . رفض الإعلان اليهودي بإقامة دولة يهودية في فلسطين .
2 . رفض تقرير برنادوت .
3 . الدعوة إلي التجنيد الإجباري .
4 . تثبيت القوانين التي كانت مرعية قبل انتهاء الانتداب مع تشكيل لجنة لتقييمها .
5 . تفويض الحكومة عقد قروض مالية لاتزيد علي خمسة ملايين جنيه .
6 . كما قرر المجلس أن يكون علم فلسطين هو علم الثورة الهاشمية الأصلي .
الوثائق البريطانية والأمريكية ووثائق المخابرات المصرية تؤكد فشل حكومة عموم فلسطين بسبب الانشقاقات والصراعات العربية.
جاء إعلان قيام حكومة عموم فلسطين متواكبا مع الانشقاقات والصراعات العربية من ناحية والتعنت والانحياز الغربي ضدها من ناحية أخري ، فحسب ماورد في تقارير المخابرات الحربية المصرية وكذا في الوثائق البريطانية والأمريكية وهو ماتؤكده أيضا بعض المصادر الأردنية والفلسطينية ، فإن الملك عبد الله عارض حكومة عموم فلسطين قبل ميلادها وناصبها العداء الصريح فكرة ومضمونا وهدفا . مرتكزا علي التأييد والدعم الغربي ومستفيدا من الضعف والانقسام الفلسطيني والصراعات العربية ـــ العربية من ناحية ، ومستلهما الأهداف الاستراتيجية للحكم الأردني ولمستقبل الكيانين الصهيوني والأردني من ناحية أخري.
أطماع الملك عبد الله
كان الملك عبد الله قد حدد أهدافه قبل عشر سنوات تقريبا من حرب 1948، عندما بدأ يلوح في الأفق الاتجاه إلي تقسيم فلسطين، في ضرورة " ضم الأجزاء العربية من فلسطين للأردن»، ولقد تأكدت أهدافه هذه بعد صدور قرار التقسيم عام 1947 حيث أبدي استعداده للاعتراف بالدولة اليهودية إن هي تخلت عن فلسطين الشرقية والقدس والجليل الغربي .
الملك عبد الله يهدد أحمد حلمي باشا
في واحدة من الرسائل ، رسالة إلي أحمد حلمي باشا بتاريخ 16 سبتمبر 1948 أبدي فيها الملك عبدالله غضبه عليه ، واعترض علي فكرة الحكومة نفسها ، واتهمه بأنه " يقطع علي أهل فلسطين حريتهم في إقرارهم مايشاءون».. وهدده بأن الحكومة الأردنية لن تسمح لأي تشكيل في مجالها العسكري ــ يقصد مجالها الحيوي ــ وفي مناطق أمانها من الحدود المصرية إلي الحدود اللبنانية السورية "
ولما رد عليه أحمد حلمي باشا بأن القرار هو قرار الجامعة العربية أرسل له الملك رسالة ثانية وصفه فيها بأنه " كبش النظام " في المؤامرات التي تحاك ضد أملاكه ... وتطور الأمر فأصدر الملك أمرا بعزله من منصبه وعين مكانه عبد الله التل .
وامتد هجوم الملك علي الجامعة العربية وعلي الملك فاروق ، فهدد عبد الرحمن عزام أمين عام الجامعة بأنه " لن يتساهل مع أي تكييف أو تشكيل في أماكن أمان الحكومة الأردنية ..وأنه لايستطيع إدخال أيد ثانية ضد مسئوليات حكومته العسكرية .." وشكك في شرعية حكومة عموم فلسطين وأنها تُفرض فرضا علي أهل فلسطين .."
أما مصر فنالت قسطا كبيرا من هجوم الملك عبد الله عليها ، ويتضح ذلك من رسائله إلي النقراشي باشا رئيس وزراء مصر وقتئذ ، حيث هدد بأنه سيحارب من يقفون وراء فكرة عموم فلسطين واتهمهم بأنهم يعترفون بالتقسيم طالما وافقوا علي إعلان حكومة في مواجهة حكومة الدولة اليهودية .
وبالإضافة إلي الرسائل التي حملت التهديد والهجوم سواء لأمين جامعة الدول العربية أو لرئيس حكومة عموم فلسطين أو " لأمين الحسيني " مفتي القدس ، أو للملك فاروق وللملكة العربية السعودية لجأ الملك عبدالله إلي عقد المؤتمرات محاولا تحقيق هدفين :
الأول : مناهضة حكومة عموم فلسطين وسحب الشرعية منها .
الثاني : تهيئة أرضية شعبية فلسطينية تستند إلي دعوي الحكم الأردني البديلة لضم الأجزاء الباقية من فلسطين إلي الأردن تحت التاج الملكي .
لقد نجحت الأردن في تفريغ حكومة عموم فلسطين من محتواها السياسي ، وتمت عملية الضم وبدأت رحلة معاناة الفلسطينيين بعد استلاب الأردن للأجزاء الباقية من فلسطين وما أعقبه من الاستلاب السياسي للشخصية الوطنية الفلسطينية .
لكن نعود للسؤال هل كانت هناك مؤامرة دولية ساعدت علي تهميش حكومة عموم فلسطين ، لتستمر قصة الصراع التاريخي في الشرق الأوسط ؟
هذا موضوع الحلقة القادمة والأخيرة.