فوضى الكلمات والمعانى !

10/11/2014 - 11:01:09

محمد عبد الوهاب محمد عبد الوهاب

كتب - رجائى عطية

حين تترهل الكلمات، وتنبهم فروق المعانى بين الألفاظ، قل على الدنيا السلام .. فذلك معناه أن أحدًا لم يَعُدْ مهتمًا بالمعانى، والفروق الواجبة فى دلالة الكلمات، فإذا استشرى الداء، لم تعد تعرف الفارق بين الجميل والقبيح، والحسن والردىء، والصائب والخاطئ، والموزون والجامح، والسوى والشاذ، والمستقيم والجان ..وهكذا .
وحتى أسهل عليك التعرف على مقصدى، انظر ترهل الكلمات وفضفاضية المعانى، فنقول، الدكتور، دون أن يعرف أحد هل المقصود باللفظ حامل الدكتوراه، أم، الطبيب البشرى؟، أم، الطبيب البيطرى؟، أم، طبيب الأسنان؟، أم، طبيب العيون؟، أم، الطبيب المحلل النفسى؟، أم، الصيدلى؟، أم، ممارس العلاج الطبيعى؟، أم، صاحب الدكتوراه الشرفية؟، حتى تندر الناس بوصف الموسيقار محمد عبد الوهاب باللواء الدكتور الموسيقار.
.. حتى فى حرفتنا من حملة الأقلام، ومؤلفى الكتب، وكتاب المقالات، ومصنفى الروايات والقصص والمسرحيات، والحكاوى واللطائف والنوادر، والغواصين فى بحور الفلسفة، والمنطق، وعلم النفس، وغيرها من صنوف حرفة الأدب والكتابة، اعتدنا أن نقول «الكاتب» وقد يختلط اللفظ بالكاتب المملى عليه فى المحاضر والعقود والإنذارات والأوراق القضائية، وقد نسبغ عليه أنه، الكاتب الكبير، فلا يُعْرف هل المقصود الكبير فى المقام، أم فى الكفاءة، أم فى العمر، ويقال، الأديب، مع أن لفظ الأدب يتسع للرواية والقصة، وللمسرح والمسرواية، وللشعر والزجل، وللأدباتى بالمعنى العام لصياغة العبارة، ولا تكاد من ثم تعرف إلى أى معنى من هذه المعانى تقصد كلمة، الأديب، فقد أعطينا ظهرنا للفظ، الروائى، ولفظ، القصاص ، ولفظ، الشاعر، ولفظ، الزجال، ولفظ، المسرحى، ولفظ، الفكاهى، أو، الساخر، مع أن هذه الكلمات أوضح للمعنى وأوفى بالمقصود.
ونقول، الفنان، فلا يعرف أحد من هو المقصود بهذا اللفظ العام، هل، الرسام، أو، النحات، أو، المثال، أو، التشكيلى، أو، الموسيقى، أو، المطرب، أو، المغنى، أو، الممثل، أو، الراقص، أو، التعبيرى، أو، الموشحاتى، أو، المؤدى، أو، الخطيب، أو، المشخصاتى، ..، وكثيرا ما يسألنى معدو البرامج ما هو اللقب الذى أحب أن يطلقوه علىّ، فأحتار حيرة المنفتح على عشرات الطرق، ماذا عسانى أختار، ثم أفضل فى النهاية الاسم المجرد رغم حزن مقدم أو مقدمة البرنامج من عدم إطلاق لقب قشيب.
خذ عندك لقب، المستشار، .. لا أعرف لقبًا امتهن كما امتهن هذا اللقب الرفيع، إنه فى الأصل مخصص لأرفع مناصب القضاء، لا يناله رجل القضاء إلاَّ فى نهاية السلم، ولكننا وجدنا كل من هب ودب يتخذ لنفسه لقـب، المستشار، حتى لم يعد أحدٌ يعرف له معنًى أو مدلولاً، مما اضطر السلطة القضائية إلى إلغاء لقب، المستشار، واختيار لقب القاضى، لكل القضاة، وفاتهم تعميم القاعدة على بعض فروع الهيئات القضائية، ورأينا رئيس محكمة النقض رئيس مجلس القضاء الأعلى، وكافة مستشارى محكمة النقض، يلتزمون بلقب، القاضى، والتزمت السلطة القضائية بالابتعاد عن لقب، المستشار ،إلاَّ المتطفلون الذين تطفلوا على اللقب الرفيع وسموا أنفسهم به بلا أصل ولا سند، فظلوا يتلقبون بلقب، المستشار، الذى لم يحملوه قط، بينما كبار رجال القضاء،وبمحكمة النقض، يتسمون بلقب، القاضى، حتى عيل الصبر فى الأسابيع الأخيرة، فعادوا إلى لقب، المستشار، خلافًا لقانون السلطة القضائية، وقد رأوا أن جميع عباد الله يتسمون بلقب المستشار، فيما عدا المستشارين الحقيقيين .
ولم تنتج مهنة الكتابة من هذا الخلط والتخليط، فاختاروا لقب الإعلامى والإعلامية، مع أن فى التضاعيف فوارق يتعين الالتزام بها فى تعريف، الصحفى، و، الإذاعى، و، التليفزيونى، والإعلامى، وغير ذلك من التخصصات التى تماحت وانبهمت مع لفظ الإعلام!.
خذ عندك لقب، الأستاذ، هل هو لحامل لقب، الأستاذية، بالجامعات والمعاهد العليا، أم للمحامين الذين درجت العادة على إسباغ هذا اللقب عليهم، أم للخوجة الذى يدرس بالمدارس الأولية أو الابتدائية أو الثانوية، أم للحريف فى صنعته، أو مهنته، أو فنه، أو من يحلو لمريديه تفخيمه بمنحه لقب، الأستاذ، و.الأستاذية، .
حتى لقب، الأوسطى؟، فقد جلاله ودلالته ومعناه، وصار كل من هب ودب أوسطى فى كل شىء، وفى أى شىء، أما لقب المهندس، أو الباشمهندس، فحدث ولا حرج، فلم يعد هذا اللقب العلمى المهنى قَصْرًا على المهندسين خريجى كليات الهندسة ومعاهدها العليا، وإنما استبيح استباحة لا مثيل لها، فلم يصب الخلل لقبًا من الألقاب مثل لقب الباشمهندس، فصار لقبًا للميكانيكى، والنقَّاش، والسيراميكى، والعجلاتى، ونافخ إطارات الكاوتشوك، والكهربائى، والوزّان، والسمكرى، والإسكافى، والصرماتى، والسنّان، والمطبعجى، والخطّاط، وصانع الأرابيسك، والفخرانى، والرفّا، والخياط، والحلوانى، والمبلط، والطعمجى، والسقا، والكلوباتى، والجلاد، والخيمى، والنجار، وحدث ولا حرج .
لست أقصد إلى إهانة أى حرفة أو صنعة من هذه الحرف والأعمال، وإنما أتحدث فقط عن ضبط الكلمات والمسمّيات والمعانى، فإذا كنت قد تمثلت بالبسيط السهل، فإن الآفة قد طالت معظم كلماتنا وعباراتنا، ومصطلحاتنا، وهذه آفة خطيرة، بالغة الخطر، مؤداها أن المعانى تاهت وانبهمت، وأن التحديد والتدقيق لم يعد فى ذهن أحد، وأن المقاصد يجرى القفز عليها بلا عناية وبلا التفات .
ماذا أقول لكم ؟!
أقول لكم إننا نعيش حياة غير ما نقوله، ونقول غير ما نعيشه، ونتحدث بما لا نعنى، ونعنى ما لا نتحدث به، وأن ما نحن عليه اختلط فيه الحابل بالنابل، فانبهمت السبل، وطاشت المقاصد، وانحرفت المسالك والأعمال، وصرنا كالعميان، لا نرى، ولا نبصر .. ولا بصيرة لنا ولا فطنة، ولا نجاة لنا مما صرنا إليه !!