وجع الغلابة يامحلب

10/11/2014 - 10:48:49

محلب محلب

كتب - أحمد أيوب

عندما تحدث الرئيس عن السيدات اللاتي يبحثن عن عظام الفراخ كانت الإشارة واضحة علي اهتمامه بالفقراء المطحونين، المغلوبين علي أمرهم ، الذين أفقدتهم الحاجة لذة الحياة ، وبالفعل كل خطواته وقراراته منذ تولي الرئاسة تؤكد أن هؤلاء في أولويات اهتمامه ، لكن الاهتمام بالفقراء يجب أن يبدأ بالاستماع إليهم وليس بالتخطيط بعيدا عنهم، فالفقراء يعرفون جيدا ماذا ينقصهم ، وما الذي يمكن أن ينقذهم من براثن فقرهم ، وأظن أنه لا يختلف أحد علي أن أهم مطالب الفقراء لو طلب منهم أن يعلنوها هي نعمة الصحة والعلاج الذي يبحث عنه كثيرون منهم دون فائدة ، فقط يسمعون كلاماً حكومياً لاقيمة له ، بالتأكيد من المهم أن يتحدث وزير الصحة مثلا أو رئيس الحكومة عن إستراتيجية الارتقاء بالرعاية الصحية ، لكن هذه الإستراتيجية علي أهميتها لن تتحقق في يوم وليلة ولن تنقذ مريضاً شارف علي الهلاك بسبب مرضه وقلة حيلته فنحن نحتاج حلولاً عاجلة .
كثيرون يصرخون ويستغيثون من أجل علاج لا يقدرون عليه ، ولا يجدون من يساندهم أو ينقذهم ، وكثيرون يحتاجون لعمليات جراحية عاجلة وليس أمامهم الا طابور انتظار طويل ربما لا يمهلهم القدر علي الوصول إلي آخره ، وكل هذا لأنهم فقراء ومفترض أنهم في رعاية الدولة ، لكن للأسف ملف الصحة مظلوم وسط اهتمامات ومشاغل أخري للحكومة ، والنتيجة أن آلاف كانوا مستورين الحال حولهم المرض الي متسولين لتكاليف العلاج ما بين الفضائيات التي يتاجر بعضها بهذا الملف من أجل جذب الاعلانات أو الصحف والجمعيات الخيرية ، وبعض هؤلاء المرضي الغلابة يصل إلي مراده وكثيرون يستسلمون للموت الذي يرونه أرحم بهم من ذل السؤال.
ولكي نعرف خطورة هذا الأمر فلابد أن ندرك أننا في مجتمع أكثر من 40 في المائة منه فقراء لا يقدرون علي تكاليف الحياة أصلا ، وال60 في المائة الباقية نصفهم علي الأقل يعيشون حياتهم بالقدر المعقول ولا يملكون رفاهية الادخار وإذا أصابهم المرض اختلت حياتهم بسبب تكاليف العلاج.
لن أخصص كلامي عن آلاف تركوا وظائفهم بسبب المرض ، فلا هم وجدوا ثمن العلاج ولا وجدوا من ينفق علي أسرهم ، ولن أقصر حديثي عن آلاف فقدوا أعز ما يملكون بسبب المرض، أنا أتحدث عن الجميع ، عن كل مريض لا يقدر علي العلاج، عن ملايين يعانون من أمراض مزمنة تكلفة علاجها فوق طاقتهم ، وعن ملايين أكبادهم وكلاهم مدمرة بسبب التلوث والفساد ورغم ذلك لا يجدون من يعالجهم، أتحدث عن مئات الآلاف من الأطفال قلوبهم مريضة ولا يجدون من يسمع بكائهم .
أتحدث عن مرضي فقراء في بلد وصلت فيها فيزيتا بعض الأطباء إلي خمسمائة جنية والحجز بعد ثلاثة أشهر.
أتحدث عن مرضي فقراء في دولة بعض المستشفيات فيها تشترط دفع مقدم أربعة آلاف جنيه قبل استقبال المريض ، وقليل بل نادر من يلتزم بقرار وزير الصحة بعلاج حالات الطوارئ خلال أول 48 ساعة مجانا.
المؤكد أن كل هؤلاء وغيرهم مسئولية معلقة في رقبة الدولة وسيسئل كل مسئول من الرئيس وحتي أصغر وأحدث مدير مستشفي عن كل مريض صرخ من الألم ولم يجد من ينقذه ، وإذا كانت بعض الجمعيات مثل مصر الخير والأورمان وأهل الخير من بعض رجال الأعمال والمقتدرون يقومون بجهد في هذا المجال فهو مهما كبر لا يحقق سوي نسبة لا تذكر ويساعد أعداد قليلة لا تمثل شيئا في طابور المحتاجين ، وليس من حل سوي أن تتدخل الدولة بكل ثقلها ، وأن يكون لدينا بجانب كل المشروعات القومية الضخمة التي أعلن عنها الرئيس مشروعا قوميا للصحة وإنقاذ المرضي الفقراء يقوم علي الرعاية الكاملة لهم دون تمييز ، ودون أن يحتاج المريض للبكاء والصراخ والتسول ، فحق العلاج مكفول بالدستور وهو أقل واجب علي الدولة ولو تكلف عشرات المليارات ، فليس معقولا أن نتحدث عن تنمية والمواطن معرض للموت ، وليس متصورا أن نخطط للمستقبل والشعب مريض ولا يجد العلاج.
علي الحكومة ألا تكتفي بالاستجابة لأصحاب الصوت العالي وألا تهتم فقط بالقريبين من العاصمة ومن لهم ظهور تحميهم وتبحث عن حقوقهم ، وانما لابد أن تفتح أذنيها لأصوات تأتي من بعيد، يبكين بدل الدموع دما حزنا علي أبنائهن الذين لا يجدون علاجا ولا يرون أملا في تدخل حكومي ينقذ فلذات أكبادهن ، هؤلاء الأمهات مستعدات لبيع كل ما يملكن من أجل بسمة يرونها علي وجوه أبنائهن لكن من أين تأتي البسمة وكل ما يملكه الطفل قولة " آه ".
أظن أن رئيس الوزراء محتاج جدا أن يستمع لصرخة أم من هؤلاء حتي يدرك كم هو مؤلم أن تري أم أو أب ابنائهم يموتون وهم لا يملكون إلا العجز ، لكن هل الحكومة أيضا عاجزة ، لو كانت الحكومة عاجزة عن إنقاذ مرضي الشعب الفقراء فالمؤكد أنها حكومة لا تستحق أن تبقي في مواقعها ،
لكن الواقع يقول إننا لسنا عاجزين فلدي الحكومة منظومة صحية لو تم الاهتمام بها ودعمها بمزيد من الاعتمادات المالية والارتقاء بمستوي أطبائها لكانت كفيلة بتحقيق الهدف وتخفيف الألم عن المصريين ، فلدينا منظومة تأمين صحي متميزة ويمكن أن تصلح أساسا لمشروع قومي عنوانه " التأمين الصحي الشامل لكل المصريين "، وليس مقبولا أن يتم تعطيل المشروع بحجة الخلاف حول قيمة الاشتراك أو أسلوب العلاج ، فالدولة عليها أن تسابق الزمن من أجل تحقيق هذا المشروع وتحويله إلي واقع من أجل مئات الآلاف من المصريين المعرضين للموت بسبب عدم القدرة علي العلاج.
بالتأكيد المسئولية عن هذا الملف تقع علي الجميع، وعلي كل المجتمع أن يساند الحكومة ، المقتدرون عليهم أن يدركوا خطر المرض وأنه ليس حكرا علي الفقراء فقط عليهم أن يقوموا بواجبهم تجاه هذا الملف الذي يتفق الجميع علي أنه الوحيد الذي يمكن أن يحول مليونيرا إلي معدم يتسول العلاج إذا لم تتوافر رعاية الدولة.
علي الفضائيات أن تراجع اهتماماتها وبدلا من البحث عن معارك إعلانية وتخصيص برامجها للسباب والاتهامات ، أن تركز علي ملف المرض وإنقاذ فقراء البلد.
لكن كل هذا لاينفي أن الحكومة هي المسئول الأول .. وعليها أن تدرك أننا أمام ملف لا يحتاج لمزيد من الانتظار ولا مزيد من التصريحات الخداعة ولا الوعود الوردية ، وإنما يحتاج أفعالاً حقيقية وواقعية ، المريض لا يحتاج من يكذب عليه وإنما من يعالجه ويقدم له يد المساندة وإذا لم تكن الحكومة هي التي تفعل هذا بالمقام الأول فسوف يموت المريض وسيحاسب أمام الله كل مسئول قصر في مهمته وتراخي في إنقاذ ملهوف.



آخر الأخبار