مستعد أموت لأسمع ما أكرهه

10/11/2014 - 10:47:00

طارق سعد الدين طارق سعد الدين

كتب - طارق سعد الدين

مشوار طويل قطعته الإنسانية لتفهم معني حرية التعبير، ولتدرك أهمية فتح الأبواب والنوافذ أمام الرأي الآخر مهما كرهناه أو تصورناه تافها أوبغيضاً، لأنه ربما كان هو الصوت الوحيد الذي سيغير العالم كله.
يذكر التاريخ أن سقراط في سنه 399ق.م خير بين تنفيذ حكماً بإعدامه، وبين قضاء بقية حياته في الاهتمام بشئون نفسه، وتجنب إثارة الجدل بين الناس، بعدما اتهم بإفساد الشباب، والتحريض علي ديمقراطية أثينا، قرر سقراط وقتها أن شرب السم أهون عليه من هذا النوع من الحياة.
بعد مئات السنين تكرر الأمر مع جاليليو جاليلي( 1564- 1642م)، عندما اكتشف أن الأرض تدور حول الشمس، فحاكمته كنيسة روما الكاثوليكية عام ( 1623م) لأن ما يقوله يخالف معتقدات رجالها بأن الأرض هي محور الكون، وفرضت عليه إما الإعدام أوالتراجع عن أفكاره علناً، اختار التراجع، فوضع تحت الإقامة الجبرية في بيته، ومنع من مناقشة أفكاره حتي توفي، ولم تعد الكنيسة له اعتباره الإ في عام 2008 بمناسبة مرور 400 عام علي إختراعه التليسكوب.
من مثل هذه التجارب تبلور الفكر الليبرالي عن حرية التعبير وأهميتها للفرد وللمجتمع وللإنسانية كلها، فيقول الفيلسوف السياسي جون ستيوارت مل (1806-1873م) في كتابه (عن الحرية) " لو اجتمع البشر جميعاً علي رأي وخالفهم في هذا الرأي فرد واحد ماكان لهم أن يسكتوه، بنفس القدر الذي لايجيز له إسكاتهم لو كانت له القوة والسلطة".
وحجة جون إستيوارت في ذلك هي أننا إذا أسكتنا صوتاً واحداً فربما نكون قد أسكتنا الحقيقة، كما أن أي شخص يسكت شخصاً آخر لأنه يري أن أراءه خطأً، هو شخص يعتقد في نفسه العصمة، وهو شيء يتناقض مع الطبيعة البشرية، فجاليليو كان محقاً عندما قال إن الأرض تدور حول الشمس عام 1633م بينما بابا روما الذي أسكته كان هو المخطئ.
وإيماناً من الدول بحق أفرادها في التعبير عن أرائهم، ولحماية هذا الحق من عصف السلطات والحكومات المختلفه التي لن يعجبها تعرض سياساتها وأفرادها للانتقاد جاء التعديل الأول في دستور الولايات المتحده الأمريكية 1791م ، والذي ينص علي " لايصدر الكونجرس أي قانون يحد من حرية التعبير أو الصحافة، أو من حق الناس في الاجتماع سلمياً، أو مطالبتهم الحكومة إنصافهم من الإجحاف".
لقد أصبح حق التعبيرضرورة مهمة لفعالية الديمقراطية، فلكي يستطيع المواطنون اتخاذ القرارات الصائبة، يكونوا محتاجين إلي التعرض إلي كم كبير من الأفكار والآراء، وحرية التعبير هي التي تسمح لهم بالتعرض لكم من الأفكار والآراء من مؤمنين بها، كما أن القوانين والسياسات لاتكون شرعية إلا إذا طبقت من خلال عملية ديمقراطية، ولا تكون العملية ديمقراطية إذا منعت الحكومة شخصاً من التعبير عن معتقداته بشأن ما يجب أن تكون عليه هذه القوانين والسياسات.
ثم جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أعلنته الأمم المتحده سنة 1948م وفي مادته رقم (19) ليؤكد هذا الحق لكل البشر علي سطح الأرض، وليلغي أي وصاية يمكن أن تفرضها سلطة حاكمة أو ديكتاتور علي الناس، وقال "لكل إنسان الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية".
لم يعد من حق أي شخص أو جهة أو سلطة فرض ما تراه صواباً علي شخص بالغ، وأصبح لكل بالغ عاقل حق تقرير أسلوب حياته، وأفكاره ومعتقداته، بل وحرية ارتكاب الأخطاء، فالإنسان يتعلم من أخطائه أيضاً.
لقد بات راسخاً أن تقييد حرية التعبير في المجتمعات الديمقراطية، وهي تشمل التظاهر والاحتجاج السلمي، بكافة أشكاله، أو حرية الفرد في إبداء رأيه والاستماع إلي آراء الاخرين يعني انتهاكاً لاستقلالية الإنسان وكرامته، واحترامه كفرد عاقل قادر علي التفكير واتخاذ قراراته بنفسه.
لذلك أصبح من مبادئ الديمقراطية والليبرالية الراسخة هي عدم منع رأي لمجرد أننا نراه تافهاً أو بغيضاً أو حتي مسيئا، أو لأنه لايعجبنا، فلامعني للديمقراطية إذا كنا نعني بحرية التعبير، حرية التعبير لمن يتفق معنا في الآراء فقط، وتحمي الدول هذا الحق للمعارضين حتي حتي لا تنزلق في منحدر الاستبداد والديكتاتورية بزيادة الممنوعات والمحظورات في ممارسته، والضابط الأكبر والأهم لتقييد حرية التعبير والاحتجاج هو منع التحريض علي العنف، والحض علي الكراهية، فحرية التعبير والاحتجاج تتوقف عندما تخرج عن سلميتها وتهدد سلامة وأمن وحياة الآخرين.
وقديماً قال فولتير (1694- 1778م) " أكره ما تقول ولكنني سأدافع حتي الموت عن حقك في أن تقوله".