مئوية الشيخ عبد الله العلايلي

06/11/2014 - 9:00:27

محمد الحمامصى محمد الحمامصى

كتب - محمد الحمامصي

في الوقت الذي تضخ فيه الدول العربية والإسلامية مليارات الدولارات أولا من أجل شراء السلاح وتدريب العناصر الشرطية والعسكرية لمحاربة ومواجهة التنظيمات الإرهابية المتطرفة وأعمالها التخريبية، وثانيا من أجل قنوات فضائية وعلى مؤسسات وهيئات ومهرجانات تعمل على مدار الساعة على إنتاج ما يقتل ويشوه ويلوث العقل والوجدان العربيين الإسلاميين، تتعمد ـ هذه الدول ـ تقليص ميزانيات الثقافة والتعليم والشئون الدينية، وتعتم على مؤسسات وهيئات الفكر والثقافة والتعليم والدين وتفرض سيطرتها وتوجهاتها عليها وتحجم وتتجاهل علماء الدين والفكر والثقافة من ذوى الرؤى والأفكار والاجتهادات المستنيرة بل وتحاربهم بالانتقاص من قدرهم وتشويههم وتحول دون وصول صوتهم إلى الشعوب.


وفي هذا السياق يأتي تجاهل الاحتفاء بمئويات رواد التنوير من مثقفين وعلماء وشيوخ على امتداد عالمنا العربي والإسلامي، وآخرهم الاحتفاء بمئوية مولد العالم والمفكر والفقيه والشيخ العربي اللبناني الجليل عبد الله العلايلي الذي كرس حياته كلها من أجل الدفاع عن مقدرات أمته العربية والإسلامية، فسعى عبر خطبه وكتبه لترسيخ وتأصيل منهج لتجديد الخطابين الديني واللغوي وتحقيق فكر مستنير يحيي الأمة ويتصدى لإصلاح أحوالها ويقاوم أفكار التطرف والإرهاب، وعلى الرغم من النداءات التي أطلقتها الكاتبة الروائية والناشرة اللبنانية رشا الأمير صاحبة دار الجديد ببيروت التي نشرت الأعمال الكاملة للشيخ الجليل وذلك على مدار الشهور الماضية ولا تزال تواصل نداءاتها لعل أحدا يسمع ويتدارك الأمر ويتبنى مؤتمرا كبيرا يليق بالرجل تناقش فيه أعماله والقضايا التي طرحها وهي قضايا الساحة الآن في أمس الحاجة إلى طرحها ونقاشها إذ أنها تتصدى لخرافات وضلالات شيوخ التكفير والتطرف والتشدد التي تغرق الأمة، أقول على الرغم من ـ نداءات الأمير ـ فإن مؤسسة عربية أو إسلامية من أمة "إقرا" العامرة بالدولارات لم تخرج لتعلن أو تقرر الاحتفاء بالرجل وأفكاره وآرائه التنويرية.


سعت رشا الأمير بدأب وإخلاص للشيخ في حياته واقتربت منه وجلست إليه ونهلت من علمه، ونشرت كتبه متحدية ومقاومة قوى الظلام والتطرف التي كانت تحاول طمس وجوده الفكري والثقافي والإنساني، لكن هيهات أن ينطفئ نور الحق والفكر والإخلاص والحب الذي يمثله الشيخ حيث ستظل كتب الشيخ ذخيرة حية وثرية بالاجتهاد والجهاد والخلاص من براثن الأفكار الضالة المضللة.


ولمن لا يعرف الشيخ عبد الله العلايلي، نقول إنه قدم إلى مصر عام 1924 للدرس بالجامع الأزهر الشريف، وفي نهاية 1939 وبداية 1940 تهددت القاهرة بالزحف الألماني – الإيطالي فاضطر للعودة إلي بيروت حيث فوجئ بتفكك المجتمع اللبناني، وتهددت مدينة بيروت بمجاعة تشبه مجاعة الحرب العالمية الأولى، فكانت النتيجة سلسلة " إني أتهم"، فالمشاهدة والمتراكمات من النضالات التي شهدها في مصر وما وجده في مجتمعه دفعته إلي إصدار هذه السلسلة.


كان للشيخ في الأربعينيات عامود "شيء صريح" وعامود في "كل شيء" وكانت له خطبة يلقيها تنشر في الصحف، وفي عام 1945 تولى وظيفة مدرس فتوى وتسلم مهمة التدريس في "الجامع العمري الكبير" واستمر لمدة ثلاث سنوات كان يحضر في أثنائها كتابه "مقدمة لدرس لغة العرب" ولم تكن هناك في لبنان دور للنشر فاضطر إلي العودة للقاهرة كي يخرج الكتاب. بعد هذا الكتاب ظهرت انفعالات الشيخ فأطل على الناس بكتابين طبعتهما الجالية السورية اللبنانية على نفقتها الأول بعنوان "سوريا الضحية" هاجم فيه معاهدة 1937 مع الفرنسيين، والرسالة الثانية بعنوان فلسطين الدامية. التفت إلي أمجاد التاريخ الإسلامي الماضي فوضع "سمو المعنى في سمو الذات أو أشعة من حياة الحسين".


وأسس مع الشيخ عبد الحميد كرامي"حركة التحرر الوطني" التي انتسب إليها كل المفكرين العرب واللبنانيين، وفي عام 1952 انتدبت جامعة الدول العربية في اللجنة الاجتماعية الشيخ عبد الله العلايلي كمستشار عند طرح موضوع "الزكاة في الإسلام".


من مؤلفات الشيخ العلايلي: مقدمة لدرس لغة العرب – مدخل إلي التفسير – سورية الضحية – فلسطين الدامية – سلسلة "إني أتهم" – تاريخ الحسين – رحلة إلي الخلد – أيام الحسين – مثلهن الأعلى أو السيدة خديجة – المعجم الكبير – العرب في المفترق الخطر – المرجع معجم وسيط – الوجه الكرتوني – مجموعة مقالات وخطب تقع في ثلاثة أجزاء – من أجل لبنان.


وأخيرا على المؤسسات العربية والإسلامية الفكرية والثقافية والدينية أن تجعل من مئوية العلايلي فرصة لفتح باب الحوار حول قضايا الإرهاب والتطرف الفكري التي تشتغل عليها طيور الظلام، فهل لها ألا تضيع هذه الفرصة وتسمع نداء رشا الأمير وتعلن إقامة مؤتمر عربي وإسلامي يستقي أفكاره ومحاوره من أفكار الشيخ وقيمه في الاجتهاد والتجديد والتنوير، وما أثراها وما أكثرها.