فرقة رمسيس .. ومسيرة فنان مغامر .. ما المسرح إلا دنيا كبيرة

03/11/2014 - 7:22:41

يوسف وهبى يوسف وهبى

كتب - د . حسن عطية

منولوجست ساخر في البداية ثم ممثل تراجيدي وكوميدي ومخرج مسرحي وسينمائي ومؤلف ومعد ومنتج وصاحب دار عرض ، سبع صنائع لديه دون أن يضيع منه البخت ، وإن حالفه الحظ احيانا ، وخالفه أحيانا أخري، إنه صاحب المقولة الشهيرة ، المقتبسة عن شكسبير ، "ما الدنيا إلا مسرح كبير"، يمثل فيها كل إنسان دوره المطلوب منه ، وفق خطوات محسوبة له وعليه ، غير أننا ما تأملنا حياة هذا المسرحي الكبير "يوسف «بك» وهبي «1898- 1982» ، فسوف نجد أن قولته هذه يمكن عكسها دون تجاوز لتكون "ما المسرح إلا دنيا كبيرة" ، تذخر بصراع الإرادات ، وتمتلئ بالطموحات ، وتتنوع فيها المصائر بين الكوميديا والتراجيديا ، وحياة "وهبي" نفسه مليئة بكل هذه الصراعات والطموحات وتغير المصائر .


كان الوطن مع بداية عام 1923 يدخل مرحلة جديدة من الاستقلال الصوري عن الاحتلال الإنجليزي ، ويحصل علي دستور وبنية سياسية جديدة ، ويبحث عن هويته المصرية المتجذرة في أرض الفراعنة ، والداعمة لدعوة "مصر للمصريين" السياسية ، واتجاهات التمصير الفعلية للحياة الاقتصادية في البلاد ، ولذلك لم يكن غريبا إذن أن تظهر في هذا العام فرقة "يوسف وهبي" ، ولم يكن بالمستغرب أن يمنحها صاحبها اسم (رمسيس) ، وهو ذات الاسم الذي انتحله لنفسه حينما عاش فترة من الزمن في إيطاليا أواخر العقد الثاني من القرن العشرين ، حينما سافر إليها وهو في العشرين من عمره ، ليدرس هندسة الكهرباء ، وليلتحق بـ"كونسيرفاتواريو دراماتيكو ميلا نيزي" بميلانو بإيطاليا ، تدعيما لهوايته المسرحية ، التي مارسها مع «جمعية أنصار التمثيل» قبيل سفره ، ثم عمل بالمسرح والسينما الإيطالية ، واتخذ لنفسه هناك اسم الملك المنتصر "رمسيس" أملا في انتصارات شبيهة بانتصاراته ولو في حقل المسرح .


الدار والفرقة


عقب عودة "يوسف وهبي" من رحلته الإيطالية ، بسبب وفاة أبيه ، وجد مسرح "كشكش بك" الريحاني يسيطر مع غنائيات "الست منيرة" علي عقل ووجدان الجماهير ، وبحث عن "جورج ابيض" فوجده قد غادر البلاد الي بيروت كمدا ، والتقي "عزيز عيد" وهو يطوف الشوارع حزينا علي ما آل إليه فن المسرح الجاد في مصر ، فقد كان الرجل يؤمن بوظيفة المسرح الاجتماعية والجمالية ، فعاد "يوسف وهبي" مرة أخري الي إيطاليا ، حاملا معه "عزيز عيد" ، وفي أحد مقاهي ميلانو ، قابلا الشاعر الكبير "أحمد شوقي" ، الذي ناقش معهما حال المسرح والثقافة في مصر ، وأقنع "وهبي" بضرورة العودة الي القاهرة وإنشاء فرقة مسرحية جادة تجمع كل نجوم الدراما الجادين الذين لا يعملون ، وتعمل علي نشر الفن التمثيلي والمسرح الراقي بين الناس.


وبالفعل عاد "وهبي" الي القاهرة يحدوه الأمل في تأسيس فرقة مسرحية تخاطب الجماهير بلغة تعرفها ، وتطرح عليها موضوعات من واقع حياتها ، وتلتقي مع حسها الخاص وآليات تعاملها مع فنون الفرجة الجماهيرية وفن المسرح الجديد بنمطه الغربي ، وقد تطلب ذلك بالضرورة السعي في طريقين رئيسيين أولهما: البحث عن أعضاء للفرقة من بين ممثلي البلاد ، وثانيهما: البحث عن مقر للفرقة ودار لعروضها المسرحية ، وكان علي "يوسف وهبي" التوجه بالحتم إلي صديقه "عزيز عيد" خبير الحياة المسرحية في البلاد ، فأرسل إليه بباريس للعودة والعمل معه مديرا فنيا ومخرجا رئيسيا بالفرقة ، واختار الممثل ومعد المناظر المسرحية "ادمون تويما" مستشارا فنيا ، وتعاقد مع الفنانين الذي اقترح أسمائهم "عزيز عيد" مثل "روز اليوسف" و"زينب صدقي" و"فاطمة رشدي" و"فردوس حسن" و"حسين رياض" و"احمد علام" ، ثم "مختار عثمان" و"حسن فائق" و"استفان روستي" و"فتوح نشاطي" و"عزيزة أمير" و"حسن البارودي" و"روحية خالد" و"أمينة رزق" وغيرهم.


أما الدار المسرحية فحينما عاد الي القاهرة لم يجد سوي مسرحي : «الازبكية» وكانت تشغله فرقة عكاشة وتقدم أعمالا لتوفيق الحكيم وعباس علام ويونس القاضي وتحتضن ألحان الشيخ زكريا احمد وداود حسني ، أما المسرح الآخر؛ مسرح «دار التمثيل العربي» فقد كانت تقدم عليه فرقة "منيرة المهدية" الغنائية أعمالها ، لذا قام "يوسف وهبي" باستئجار دار سينما «راديوم» من مالكها ومالك العمارة المجاورة لها وقام بتحويل دار السينما الي مسرح ثم ألحق به فيما بعد حجرتين كبيرتين من العمارة بواسطة كوبري لتكونا صالة للتدخين.


التقاليد المسرحية


في تمام الساعة الثامنة والدقيقة 45 من مساء يوم الاثنين العاشر من مارس عام 1923 افتتحت الفرقة الوليدة عرضها الأول بالدقات الثلاث وبمسرحية «المجنون» التي اقتبسها "يوسف وهبي" عن نص أوروبي غير معروف ، واشتري من ميلانو وروما الملابس والأثاث والإكسسوار وكشافات وعاكسات الإضاءة ، وقد شارك اوركسترا المايسترو "شترن" بالموسيقي التعبيرية والتصويرية للعرض المسرحي والذي ضبط لأول مرة في مصر علي نوتة سواء بالكلمات أو السكتات ، وانتهج نهج مصاحبة الموسيقي للفيلم السينمائي في مرحلته الصامتة وقتذاك لمنح الصورة المعروضة أجواءها التعبيرية ، وبهذا العرض وبدقاته الثلاث وضع "يوسف وهبي" أسس مسرح "رمسيس" وتقاليد المشاهدة المسرحية.


رأي "يوسف وهبي" أن المسرح محراب مقدس لابد من توقيره ، فقنن له بمعاونة "عزيز عيد" قواعد احترام مواعيد فتح الستار والعناية بإطار العرض المسرحي وإضاءته ومناظره وحسن اختيار الديكورات والإكسسوارات له التي كان يعمل مع طاقم إنتاجه علي اختيارها بدقة من كتالوجات المسرحيات الغربية والسعي لإحضارها من أوروبا ، مع استخدام فرقة موسيقية لعزف القطع الموسيقية المناسبة لكل عرض قبل رفع الستار عنه، تهيئة للمشاهد للولوج نفسيا الي عالم المسرحية ، فضلا عن اهتمام صارم بالبروفات وإعداد العمل فنيا ، مع إيمان كامل بالنص الدرامي وتقديس لحوار الكاتب ، وتنفيذ دقيق لتعليمات المخرج.


هذا الي جانب الولوع بالدعاية للفرقة وعروضها ، سواء بالصحف والمجلات ، وملصقات الشوارع ،إلي جانب عرض صور الممثلين بالفانوس السحري في مدخل صالة المسرح ، كما اهتم بالمسرح ذاته كمكان لابد وأن يكون نظيفا وأنيقا احتراما له ولمرتاديه ، فضلا عن ضرورة المحافظة عليه كمسرح يتألق بالفن الراقي ، لا منتزه تدخله المأكولات والمشروبات والمسليات ، أو مقهي أو حانة يتبادل فيه المشاهد النكات مع ممثلي العرض ، كما طبق لأول مرة نظام الابونيهات السنوية لمشاهدة عروض الفرقة المسرحية فأقبل عليها الجمهور الي درجة أن مقاصير الفوتيلات كانت يطلق عليها اسم أصحابها ، وأعدت بالمسرح قاعتان كبيرتان إحدهما للنساء والأخري للرجال وغطيت الصالة بالأبسطة السميكة ، وحلت الفوتيهات المريحة محل المقاعد ، ووضعت الثريات المشتراة من مزادات قصور روما بسقف المسرح ومقاصيره ، وغطيت الجدران بقماش الجبلان الأصيل والمرايا ذات البراويز المذهبة الأثرية المستجلبة من قصر البرنس "ديجاردا" شخصيا .


لجنة خاصة للترجمة


رأي "يوسف وهبي" أن الحياة في مصر هي مأساة دامية لابد من مواجهتها بالعنف ، وأن المسرح هو صورة متعاظمة للحياة التي ما هي سوي "مسرح كبير" ، مما يتطلب من المسرح أن يكون صانعاً للآلهة المبشرة بالرسالات الأخلاقية ، وميداناً للفخامة والجزالة التي تهز الحياة اليومية هزا وتطربه بإيقاعاتها الموسيقية الداخلية ، وهو ساحة لإصلاح العالم الإنساني الأكبر بالعنف الفني دفعا لجمهوره المتلقي للتطهر بالنار ، علي غرار مسرح القسوة للفرنسي "انطونا أرتو" ، لذلك أسس "وهبي" تصوره المسرحي من مادة المسرح (الطبيعي) وعالم الإكسندر دوما الابن وادمون روستا ، وصاغه وفق بنية (الميلودراما) وعروض (البوليفار) الفرنسي ، فكانت الأطعمة والمشروبات التي تقدم في العرض المسرحي حقيقية ، والصواني من فضة لتحقيق طبيعة الحدث وإشعار الممثل بمادية الأشياء التي يستخدمها ، مع التأكيد علي وجود الحائط الرابع ، وإلغاء الجمهور أو توهم عدم وجوده من أساسه


اهتم مسرح "رمسيس" بالنص المسرحي ، وشكل له لجنة ترجمة خاصة ، تنقل له الأعمال الدرامية الأوروبية الي العربية ، ويعيد هو كتابتها وإعدادها للعرض وفقا لمنظوره لجمهوره ووظيفة المسرح في مجتمعه ، واهتم كمدرسة فنية في مجال التمثيل بالممثل وقدرته الادائية في الفضاء المسرحي ، فانصب اهتمامه علي السكتات والتعبير العميق بنظرات الأعين ولفتات الجسد وإيماءات الأيدي ، ولحظات الصمت والمحافظة علي البناء النفسي للشخصية الدرامية طوال العرض ، مع المحافظة علي الأجواء التي تظهر فيها ، مستفيدا في ذلك بما شاهده وخبره من عروض مسرحية في أوروبا ، آخذا عن المسرح الإيطالي حرارته مع تحاشي كثرة إشاراته 0 وعن المسرح الفرنسي جمال الإلقاء مع تحاشي التنغيم ، وعن الإنجليزي قلة الإشارة ودراسة الشخصية مع استغلال تعبير الوجه أكثر من الايدي


راحت الفرقة تقدم عرضا جديدا كل أسبوع ، وإن جاء معظمه مترجما عن نصوص أوروبية ، فرنسية وإيطالية ، ذات أجواء تاريخية وعصرية ، خاصة عن أعمال لموليير و ادمون روستا وبرنشتين وساباتيني وباركر ،إلي جانب شكسبير وابسن وغيرهما ، إلا أن الفرقة بدأت تهتم أيضا بالمؤلف المصري والعربي مثل : انطون يزبك صاحب درة الفرقة الجماهيرية (الذبائح) ، وأمين صدقي ومسرحيته المؤلفة تحت إشراف "عزيز عيد" (القرية الحمراء) ، وداود عوني مؤلف (الجحيم) ، ومحمود كامل كاتب نصي (الوحوش) و(المنتقم)


إعادة تأسيس دائمة


استمرت فرقة "رمسيس" في مسيرتها الفنية لمدة 21 عاما (23-1944) ، قدمت خلالها ثلاثة عشر موسما مسرحيا كاملا ، تعتريها بين الحين والآخر العقبات ، وتعاني من عثرات الحياة ، طوال عقدي العشرينيات والثلاثينيات والنصف الأول من الأربعينيات ، الي أن انحلت تماما علي إثر إعلان إفلاس صاحبها ، فانضم أعضاؤها الي "الفرقة المصرية للتمثيل" ، في مايو 1944 ، وإن حاول "يوسف وهبي" إعادة تكوينها اكثر من مرة ، في أعوام 47 و 57 و 60 و69 و70 ، مقدما في كل إعادة تكوين موسما قصيرا من ربرتوار الفرقة ، فضلا عن توليفة عرض من مشاهد ميلودرامية مختارة من أهم عروض الفرقة وأكثرها جماهيرية ، ومقدمة باسم (الاستعراض العظيم) ، وقدم لأول مرة عام 1957


وطوال تاريخها الطويل هذا قدمت ما يقرب من ثلاثمائة مسرحية ، غير محصاة بشكل دقيق حتي الآن ، ترتكز في مجملها علي الإعداد والاقتباس ، فقد قدمت الفرقة في موسمها الأول الي جانب مسرحية الافتتاح (المجنون) مسرحية (غادة الكاميليا) لالكسندردوما الابن والتي قامت ببطولتها مع "يوسف وهبي" الممثلة المعروفة "روزاليوسف" ، ونقلت مناظرها من تصميمات أوبرا لا ترافياتا ، كما كانت الفرقة الموسيقية تعزف في بداية العرض افتتاحية الأوبرا الشهيرة ، هذا الي جانب مسرحيات : :(لوكاندة الأنس) لجورج فيدو ، (الأناني) لإبراهيم المصري ، (الشرف) للألماني "سودرمان" ، (الدم) ليوسف وهبي ، (المستر فو) لرافائيل سباتيني ، وفي الموسم الثاني قدمت الفرقة القنبلة الكبيرة "راسبوتين" عن نص ليوسف وهبي ، والذي أصبح من كلاسيكيات الفرقة ، كما قدمت الفرقة مسرحية "ديفيد كوبرفيلد" لتشارلز ديكنز باسم (الذهب) ، ومسرحية لهنري برنشتين سميت (الجبار) ، وراحت بعد ذلك تجرب حظها مع مسرح (الجرانجنيول) أو مسرح الرعب ، فقدمت مسرحيات من فصل واحد مثل : (طاحونة مقاريا) و(صرخة الألم) و (إكسير الحب) ثم (انتقام المهراجا) عن التباين في الجنس واللون بين مهراجا هندي وزوجته الإنجليزية


في الموسم الثالث 24/1925 ، وبعد أن انضم "جورج أبيض" الي الفرقة ومعه زوجته "دولت ابيض" أواخر 1923 ، إلا انهما سرعان ما انفصلا عن الفرقة بعد عام واحد فقط ، وقدمت فرقة "رمسيس" من ربرتوار "جورج أبيض" مسرحيتيه "لويس الحادي عشر" و"عطيل" ، الي جانب " الأب ليبونار" و"الجريمة والعقاب" و"كليوباترة" و"سيرانو دي برجراك" ، ولكن بأسلوب "يوسف وهبي" ، أي دون جلال التراجيديا وإنما بواقعية الميلودراما . ثم انضم "جورج أبيض" وزوجته مرة أخري الي فرقة "رمسيس" أواخر عام 1927 ، لكنهما انفصلا عنها بعد فترة قصيرة ، كما اختلف "يوسف وهبي" مع "عزيز عيد" في إخراج مسرحية (كرسي الاعتراف) ، فترك الأخير الفرقة ، عقب شجار مفتعل بين الممثلة "زينب صدقي" وزوجة "عزيز عيد" الممثلة "فاطمة رشدي" ، وتولي "وهبي" الإخراج ، وكون "عيد" فرقة خاصة به مع زوجته المستقيلة ، وبدأت المشاكل تزحف علي فرقة "رمسيس" ، وكادت تعلن إفلاسها ، لولا وقوف السيدة الثرية "عائشة (هانم) فهمي" الي جوارها ، فتم إنقاذها ، وتزوجت "يوسف وهبي" فيما بعد ، وبفضلها استطاع "وهبي" أن يبني "مدينة رمسيس" (ومكانها الان مسرح البالون) عام 1933 وكانت تضم استوديو للسينما ومحطة إذاعة وملاهي متنوعة ، وأول دار عرض مسرحي في الهواء الطلق ، كانت فرقة "رمسيس" تقدم عروضها صيفا علي منصتها ، بينما تقدم عروضها في الموسم الشتوي علي مسرحها الرئيسي بعماد الدين .


هي بالفعل مسيرة غنية بالإنجازات ، غنية بالصعاب ، غنية بالأفكار المتناقضة ، حملت علي ظهرها بصمات زمن ومجتمع وفنان فرد ، وصاغت في تاريخ المسرح العربي في مصر مرحلة تأسيسية لا يمكن إنكار دورها التأثيري علي مجمل الإبداع المسرحي بأكمله ، نراها في زمنها مؤثرة ، ونراها من زماننا تاريخا علينا أن نستكمل خطواته للأمام .