من قضايا الدفاع عن حقوق المبدعين ... تخفيض تعويض ورثة سيد درويش بدلاً من مضاعفته

03/11/2014 - 7:11:08

سيد درويش سيد درويش

كتب - نبيل فرج

لجأ عدد كبير من المؤلفين وورثتهم فى تاريخنا الفني الحديث إلي القضايا دفاعاً عن حقوق المبدعين التي تتعرض للاعتداء عليها، وكانت المحاكم المصرية حين يثبت لها بالأدلة القاطعة الأضرار المادية والأدبية التي تلحق بهذه الحقوق فإنها تصدر علي الفور حكمها المنصف لأصحابها ومن هذه القضايا التي نظرتها المحكمة المدنية بالقاهرة نختار ثلاث قضايا ذات دلالة علي ما عداها تخص القضية الأولي فناناً تشكيلياً أجنبيا يدعي رينزو، رفع في 10 مارس 1937 قضية علي شركة جيناكليس للمشروبات التي صمم لها إعلاناً لإنتاجها وسلمه لها موقعاً باسمه غير أن الشركة عندما طبعت الإعلان حذفت منه توقيع الفنان الذي يدل عليه فقام بمطالبة الشركة بتعويضه عن الضرر الذي أصابه من جراء هذا الحذف.


ورغم أن الشركة دافعت عن نفسها بأن العرف السائد في مصر لم يكن يفرض وضع اسم الفنان أو توقيعه علي اللوحات الإعلانية فإنها بمجرد اتصال الفنان بها وضعت اسمه علي النسخ التي يجري طباعتها وعددها ثمانىة آلاف نسخة بينما لم يتجاوز عدد النسخ التي خلت من اسمه أو توقيعه 120 إعلاناً فقط هي التي وقعت واحدة منها في يد المدعي وإذا بالفنان ينكر وجود طبعتين للإعلان ويذكر للمحكمة أن النسخ التي قدمتها الشركة حاملة اسمه ليست سوى عينة لإبراء ذمتها.


ولأن الشركة لم تستطع أن تثبت بالأدلة صحة ادعائها فلم تأخذ به المحكمة وأحالت الأمر كله إلي الخبير ليتحقق من أقواله أو مزاعم الشركة مبدية في حيثياتها قناعتها بحق الفنان في التعويض المناسب.


وبعد نصف قرن من هذا التاريخ تكرر الوضع نفسه في قضية ثانية ضد مسرحية «شاهد ماشفش حاجة» التي قام ببطولتها عادل إمام وأخرجها هاني مطاوع لأنها أغفلت في إعلانات المسرحية اسم المؤلفين إبراهيم الدسوقي ومصطفي أبوحطب مما اضطرهما إلي رفع دعوي في يناير 1987 علي فرقة الفنانين المتحدين يطلبان فيها من الفرقة مبلغ ستين ألف جنيه تعويضا لهما عما أصابهما من ضرر بسبب عدم كتابة اسم المؤلفين في وسائل الدعاية والإعلان ونظراً لأن المسرحية ككل مسرحيات القطاع الخاص كانت تحظي بإقبال جماهيري عريض يفوق كثيرا مسرحيات القطاع العام فقد حكمت لهما المحكمة بعد الاطلاع علي ما يؤكد دعوي المؤلفين بهذا المبلغ الذي لا يعد ضخما بالنسبة لإيرادات المسرحية التي ظلت تعرض لسنوات.


ومع هذا يقال إن المؤلفين ومعهما حكم قضائي لم يتمكنا من الحصول علي قرش واحد رغم أنهما كانا كل ليلة يذهبان معاً إلي شباك التذاكر في المسرح ويعودان يجران ذيول الخيبة.


وما حدث للمؤلفين حدث أيضا لمخرج المسرحية هاني مطاوع الذي شغل المناصب الرفيعة في مسرح الدولة لم يحصل هو الآخر علي حقوقه المادية عن إخراج المسرحية وشغلته دراساته للدكتوراه في الخارج عن ملاحقة الفرقة ويبدو أنه وعي الدرس في التعامل مع القطاع الخاص وخلاصته أنه لو لاحقها لما أخذ شيئاً!


والأدهي من هذا كله تلك الأقوال التي تناثرت في الأوساط الفنية تقول إن المسرحية لم تكن من تأليف الكاتبين كما أدعيا في عريضة الدعوي بل كانت من تأليف كاتب أجنبي اسمه بيتر روستينوف وقيل أيضا إنها معدة أو مقتبسة من نص تليفزيوني لهذا الكاتب وليس ترجمة عن نص مسرحي.


أما القضية الثالثة فخاصة بأعمال غنائية وموسيقية لسيد درويش تعاقد ورثة الفنان الخالد مع الإذاعة لتقديمها فإذا بها تحور نصوصها وألحانها تحويراً وصف بالعبث، حذفت منها وأضافت إليها بلا ضابط وهذا كله ليس من حقها إلا إذا استأذنت فيه أصحاب هذا الحق وإن كنت لا أظن أيضا أن هذا من حقهم ولم يجد الورثة مناصا من رفع دعوي قضائية في يناير 1975 لتعويضهم عما حدث من تشويه لتراث الفنان الخالد الذي طور الموسيقي العربية وخرج بها من مجال الطرب التقليدي إلي مجال التعبير الفني ومن الأبنية البسيطة إلي المركبة حتي تتجاوب مع فئات الشعب.


وطلب الورثة أيضا من المحكمة فسخ العقد مع الإذاعة حفاظاً منهم علي تراث سيد درويش كما أبدعه لأن الحبل إذا ترك علي الغارب فسيجئ اليوم الذي لا نستطيع فيه أن نفرق بين الفن الجيد الذي يبني الإنسان ويسمو به والفن الردئ الذي يهبط به أي بين سيد درويش وشعبان عبدالرحيم، وقدرت المحكمة التعويض المالي بخمسة آلاف جنيه بينما كان العقد الأصلي الذي حرره الورثة مع الإذاعة لا تزيد قيمته على ألف جنيه.


وعندما استأنف الورثة الحكم لمضاعفة التعويض للمكانة الرفيعة التي يمثلها سيد درويش في تاريخنا الفني إذا بمحكمة الاستئناف تخفضه إلي ألفي جنيه فقط بدلاً من مضاعفته مرة أو عدة مرات.


وجاء في حيثياتها تبريراً لهذا التخفيض أن العمل الفني الذي يتحول من شكل إلي شكل آخر. أي من المسرح المشاهد إلي الإذاعة المسموعة فمن حق الإعداد أن يتدخل ويغير فيه وفق أصول ومقتضيات الفن الجديد الذي يقدم من خلاله كما يحدث علي سبيل المثال في السينما حين تتحول القصص والروايات إلي أفلام فإن المخرجين لا يتقيدون فيها بالنص الأدبى وإنما يتحركون بصنعهم الجديد بحرية تامة في مجالهم الفني الذي يتحملون فيه وحدهم مسئوليته.


وهذه نظرة نقدية صحيحة تفيد بأن لكل وسيط فني شروطه وصيغته الفنية الخاصة التي تختلف بالضرورة عن صيغ الفنون الأخري.