هل نحن مقصرون؟!

03/11/2014 - 10:20:14

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - يوسف القعيد

في كتابه الجميل: «أيام لها تاريخ» يبدأ أحمد بهاء الدين كتابه بمحاولة البحث عن تعريف للإنسان. يتوقف أمام المقولة القديمة التي تقول إن الإنسان حيوان مفكر ليناقش هذا التعريف بقوله إن بعض الحيوانات تفكر. وإن بدرجة أو بأخري. ثم يذهب إلي التعريف الذي يري أن الإنسان حيوان يشعر، ويرد عليه بالقول إن بعض الحيوانات الأخري لديها درجات من الشعور. ويناقش مقولة إن الإنسان حيوان له عقل يستخدمه، ويرد عليه بأن حتي الحيوانات العادية لديها عقول. وإن قلت درجة استخدامها. وإن تراجعت عملية الاعتماد عليها.


ثم يتوصل للتعريف الذي يري أنه دقيق وموحي وشامل. ألا وهو أن الإنسان حيوان له تاريخ. فالفارق الوحيد بين الإنسان والحيوانات الأخري هذا الشعور بالتاريخ والإحساس به والاعتماد عليه وقراءته قبل الانطلاق إلي الواقع الراهن أو الاتجاه إلي الزمن الآتي. ليس أمامنا الآن في مواجهة الحادث الخطير الذي جري يوم الجمعة الماضي. وتمثل هذه المقولة وأن نعتبر أن إرث التاريخ هو الذي يميزنا عن غيرنا. ليس من الحيوانات. ولكن عن غيرنا من البشر الآخرين. لأن لدينا تاريخاً مجيداً وعظيماً لا بد أن نتمثله ونستوعبه قبل التعامل مع الكارثة التي وقعت. وما دمنا قد اتفقنا بداية علي الإيمان بما قاله أحمد بهاء الدين. ولا بد من الإيمان به وتصديقه. والعمل انطلاقاً منه. فلا بد أن نعتبر أن التاريخ خير معلم لنا.


لا يذهب عقل أحدكم إلي أن المقصود بالتاريخ هو الأزمنة القديمة ولا الأوقات السحيقة. ولكن التاريخ هو كل لحظة مضت بمجرد مضيها. فالحاضر لا يصبح حاضراً عندما يمضي. عندما يكتسب صفة الماضي. فقد قال فلاسفة اليونان إن الإنسان لا ينزل إلي النهر مرتين. لأنه في المرة الثانية حتي لو تمت بعد دقائق من المرة الأولي تكون مياه النهر قد تغيرت. تكون قد سارت في طريقها وأصبح في النهر مياه أخري غير التي نزلها الإنسان من قبل.


بعد حادث الإرهاب الأخير. حادث الشريط الحدودي لسيناء الذي وقع في الساعة الخامسة من مساء الجمعة الماضي. وترك لنا أعداداً من الشهداء الأبرار قابلة للزيادة. لأن الجرحي كان عددهم يماثل عدد الشهداء. وكان الكثير منهم في حالات شديدة الخطورة. وهذا معناه أنه خلال عمليات العلاج يمكن أن يصبحوا شهداء جددا.. بعد هذا الحادث الخطير الذي ذكرني بلحظات الهزائم الكبري التي وجدنا أنفسنا أمامها سألت نفسي ولا بد أن نسأل أنفسنا جميعاً من الصغير حتي الكبير: هل نحن مقصرون في حق بلادنا؟ وهل هذا التقصير هو السبب في تكرار العمليات؟ بل وتصاعدها من عملية وأخري؟ فكل عملية أخطر مما سبقتها. إلي أن وصلنا لعملية تحمل تطوراً نوعياً لم يسبق أن رأيناه من قبل. في نوعية الأسلحة وحجم التدمير. وأعداد الشهداء الذين استشهدوا في العملية الأولي. ثم استشهدوا في العملية الثانية التي جرت بعد الأولي. وكأننا لا نتعلم مما يمر بنا من العمليات المؤلمة والمخيفة. مع أن كل مؤرخي العالم يقولون عنا إن المصريين هم الذين اخترعوا الأبدية. وهم الذين علموا الدنيا كلها فكرة التاريخ.


لا بد أن نعترف بالتقصير. وأن يتم عمل تحقيق كبير وموسع في العمليات الأخيرة. مع التوقف طويلاً أمام العملية الإرهابية الأخيرة. وأنا لست خبيراً في دراسة هذه العمليات. ولا حتي متخصص في دراسة تاريخ بلادنا القريب أو البعيد. ولكني ألمس تقصيراً مجتمعياً كاملاً. وأشعر بتقصير أمني رغم كل ما يقوم به الأمن من أعمال عظيمة في العامين الأخيرين. تستحق منا تقديره. وأشعر بتقصير عسكري رغم أن جيشنا العظيم هو درعنا الوحيد في مواجهة جميع الأخطار التي تتهدد هذا الوطن.


كنت أتصور أن العمل الأول بعد هذه العملية. والذي لا يقل أهمية عن جميع ما تم القيام به. هو تشكيل لجنة تقصي حقائق علي أعلي مستوي. تمثل فيها كل أطياف المجتمع المصري من العسكريين والأمنيين ورجال القانون وعلماء المجتمع وأساتذة السياسة. بل والمثقفين والكتاب والأدباء والفنانين. لجنة تقصي حقائق مجتمعية. تستفيد من تاريخنا مع لجان تقصي الحقائق. وما قامت به. وما لم تقم به. تكون مهمة هذه اللجنة دراسة ما قام به الأعداء - رغم أنهم أبناء وطننا للأسف الشديد - لكن لا بد من دراسة جميع ما قاموا به بعد الثلاثين من يونيه قبل عامين وحتي الآن. لأن قراءة التاريخ ودراسته والتمعن فيما تم فيه هو المقدمة الأولي لمواجهة ما يجري. وللاستعداد لما يمكن أن يتم مستقبلاً.


وأيضاً لا بد من فتح سجلات لتدوين شهداء هذه العمليات من المدنيين ورجال الأمن والعسكريين. ونشر هذه السجلات علي المجتمع كله. حتي يدرك الثمن الكبير الذي دفعناه وندفعه. وأخشي أن نستمر في دفعه لفترة أخري قادمة حفاظاً علي حاضر ومستقبل هذا الوطن. ليعرف المواطن العادي حجم الاستهداف الذي نتعرض له. والثمن الذي ندفعه في كل لحظة تمر.


الدروس المستفادة من العمليات الإرهابية التي أدت الغرض منها. والعمليات التي أحبطت وتم كشفها قبل أن تتم مسألة لا بد أن نقوم بها بشفافية وبمواجهة تامة للنفس. حتي لو كانت هذه المواجهة مؤلمة وقاسية علينا. لأن التقليل من الخسائر المستقبلية لن يتم إلا بأن نواجه أنفسنا وأن تكون أسئلتنا: أين قصرنا؟ ومتي كان هذا التقصير؟ ولماذا تم التقصير؟ ومن الذي قصَّر؟ وكيف نتلافي التقصير في مواجهة الآتي من العمليات؟.


السؤال يلد السؤال. ولا إجابة. علي الأقل الآن. لأن الشعوب التي تجد الإجابة قبل أن تطرح الأسئلة محكوم عليها بمستقبل لا أصفه بعدم الازدهار. ولكن هذا المستقبل يحمل من نذر الخطر أكثر مما يحمل من علامات الاطمئنان. فالشعوب التي تتخلي عن الأسئلة الكبري لن تعرف أبداً حجم ولا خطورة احتمالات المستقبل الذي ينتظرها. السؤال يعني تحصين الشعوب بالأمان تجاه صعوبات الطريق. وأيضاً أخطار الزمن الآتي