فى الذكرى الستين لحل الإخوان:المحظورة تغادر التاريخ.. وفلول سيد قطب فى المشهد..!

03/11/2014 - 9:45:33

سيد قطب سيد قطب

كتب - أحمد النجمى

هذه سقطة تاريخية فريدة.. «النازى» فى ألمانيا و «الفاشية» فى إيطاليا سقطتا وتم تجريمهما قانوناً، فما عاد نازى ولا فاشى يرفع عقيرته بالانتماء إلى أى من التيارين فى ألمانيا وإيطاليا ولا فى أى دولة فى العالم.. أما الانتماء للإخوان- تلك الجماعة الإرهابيةالمحظورة- فقد صدر قرار قطعى بتجريمه وحظره أكثر من مرة.. لكن الانتماء الإخوانى لا يزال سارياً، تخرج تظاهراته كل جمعة فى الشوراع والميادين، صحيح أنها بالعشرات، لا تؤثر ولا يعلم بها إلا سكان المناطق التى تخرج فيها، ولكنها تخرج.. الأخطر، والأسوأ، والأكثر إيلاماً.. تلك الجرائم الإرهابية الدموية القذرة التى تمت فى سيناء، ووراءها تنظيمات إرهابية، تربت فى حجر الإخوان، وتغذت على أفكارهم، وانتشرت بدعم منهم، ربما بعض هذه التنظيمات صار يكفرهم الآن، غير أن هذا لا ينفى جذورها الإخوانية.. خواطر خطرة يجب الانتباه إليها، حين يتم- اليوم، الأربعاء- 60عاماً على حظر الزعيم خالد الذكر «جمال عبدالناصر» للجماعة الإرهابية، 29 أكتوبر 1954م..!


لم تكن المرة التى أعلن فيها الزعيم «جمال عبدالناصر» حظر الإخوان قبل 60عاماً هى الأولى التى تُحل فيها الجماعة.. كانت المرة الأولى لحل «المحظورة» فى ديسمبر 1948 عندما أصدر «محمود فهمى النقراشى» باشا رئيس وزراء مصر آنذاك، قراراً بحل الجماعة وحظر نشاطها، بتهمة «التحريض والعمل ضد أمن الدولة»، وجاء قرار النقراشى بعد سلسلة من الأعمال الإرهابية والاغتيالات الدموية التى باشرتها «المحظورة» فى ذلك التوقيت، ولم يمض سوى عشرة أيام- فقط- على قرار النقراشى بحل الإخوان، حتى تم اغتياله (28ديسمبر 1948م) على يد إرهابى إخوانى (طالب بكلية الطب البيطرى) اسمه «عبدالمجيد حسن»، اعترف باغتيال «الباشا» أمام النيابة..!


وعقب ثورة 23يوليو المجيدة (1952) أصدر مجلس قيادة الثورة قراره بحل كل الأحزاب السياسية عدا «الإخوان»، لأنها كانت تقدم نفسها بوصفها (جماعة دينية دعوية) على سبيل «الخبث السياسى»، لحماية نفسها من الحل، ومن تقديم ميزانيات وبيانات رسمية، وهى الجماعة التى تعتمد- ولا تزال- على مصادر غير مشروعة فى التمويل من جهة، وتضخم فى حجم عضويتها من جهة أخرى.


لكن الإخوان غدروا بثوار يوليو، فى أزمة مارس 1954 التى أطاحت باللواء محمد نجيب، منذ ذلك التاريخ- ربيع 1954- صار ثمة عداء بين «مجلس قيادة الثورة» الذى أصبح جمال عبدالناصر رئيساً له، وبين المحظورة.. حتى حاولت اغتياله فى ميدان «المنشية» بالإسكندرية.. فما كان من ناصر إلا أن أصدر قراراً بحلها- للمرة الثانية- فى 29 أكتوبر 1954.. وظل الحل سارياً إلى أن بدأت المحظورة عهداً جديداً مع السادات، الذى أخذ يفرج عن أعضائها فى العام 1971 تدريجياً، حتى تم الإفراج عنهم جميعاً فى العام 1975، وكان هدف السادات من هذه اللعبة الخطرة ضرب اليسار المصرى فى الجامعات، ذلك الذى أخذ يطالبه بدخول الحرب مع إسرائيل لتحرير سيناء، وهى اللعبة التى لا تزال مصر تجنى ثمارها المّرة إلى الآن..! واستكمل مبارك خطأ السادات القاتل، فبرغم حل «المحظورة» رسمياً من الرئيس جمال عبدالناصر سنة 1954م، إلا أن مبارك واصل تقاسم الكعكة السياسية مع المحظورة، حتى وصل عدد المقاعد التى حازوها فى انتخابات برلمان 2005 إلى 88 مقعداً، وظل لقب «المحظورة» فى عهد مبارك مثل «الخرزة الزرقاء»، صار مرادفاً لـ «الجماعة العلنية»، لذلك لم يكن مستغرباً أن (تركب) الجماعة موجة الثورة فى يناير 2011، وتصل إلى قمة الحكم فى 2012، فقد كان نظام مبارك غطاءً لتحركها طوال 30 عاماً، تراكمت فيها الثروة والقوة والعلاقات الإقليمية والدولية للمحظورة، وتضاعف حجم عضويتها مرات ومرات.. وهو ما نجنى ثماره المّرة هذه الأيام..!


ونعود- مجدداً- إلى الوراء لنستعرض مشهد ناصر والمحظورة.. كان ناصر يدرك خطورة الجماعة وفكرها وتوجهاتها، حكى عن ذلك كثيراً فى خطاباته وحواراته بعد 1954، لكنه أرخى لهم الحبل.. فشنقوا أنفسهم به، وحين أصدر ناصر قرار حل المحظورة فى 29 أكتوبر 1954،«لم تنتطح فيه شاتان» كما قالت العرب قديماً، كانوا قد دمغوا أنفسهم بالإرهاب، وحالوا اغتياله هو شخصياً وهى المحاولة التى أنكروها طويلاً.. على الرغم من اعتراف الإرهابى الإخوانى عبدالمجيد حسن بارتكابه لها، ثم جاء مفتى الإرهاب شيخ المحظورة «القرضاوى» ليعترف بها- اعترافاً مسجلاً- قبل سنوات..!


هكذا تخلصت مصر من إرهاب الإخوان فى 1954م، ومضت تبنى مجدها الضخم.. تأميم القناة، معركة العدوان الثلاثى، ازدياد وزن مصر الدولى وتأثيرها الرئيسى فى دعم حركة التحرر الوطنى، حركة التصنيع الضخمة، بناء السد العالى، مجانية التعليم، قرارات بناء الاشتراكية فى مطلع الستينيات، وبالتوازى كانت تبنى قواتها المسلحة.. فيما كان التنظيم الإرهابى، يستعد للعودة.. هذه المرة مع «سيد قطب»، ذلك الرجل الذى شهدت أفكاره تحولات ضخمة، من الإلحاد إلى التطرف الدينى، من السلمية إلى الإرهاب، ومن النقد الأدبى- وكان حين يكتب النقد، رفيع المستوى رائع الأفكار- إلى التكفير والحكم على المجتمع بالجاهلية..! هكذا جاء «عصر القطبية»- نسبة لسيد قطب- فى تاريخ الجماعة فى منتصف الستينيات، فوجّه لهم جمال عبدالناصر ضربة أشد قوة فى العام 1965، قبل أن يقوموا بانقلاب على نظام الحكم وقبل أن يحولوا مصر إلى دولة من القرون الوسطى، وتم إعدام سيد قطب وعدد من الإرهابيين المقربين له.. وكمن التنظيم مرة أخرى إلى أن أعاده السادات للحياة بعد ذلك ببضع سنوات فى العام 1971 كما قلنا سالفاً..!


60 عاماً مرت- إذن- على حظر جمال عبدالناصر لهذه الجماعة الإرهابية رسمياً، لكن مياهاً أخرى جرت فى النهر، وأموالاً أخرى جرت فى الجيوب، وعلاقات أخرى جرى تأسيسها، وأعداداً أخرى جرى دخولها إلى التنظيم، حتى صار موجوداً فى عشرات الدول.. وقت أن ضرب ناصر التنظيم كان لا يوازى تمويلاً وتسليحاً وعدداً 10 بالمائة- فى أحسن تقدير- مما صار عليه حين قامت ثورة يناير المجيدة فى 2011م، ومن ثم كان الإخوان هم البديل الطبيعى لنظام مبارك، وكانا يشتركان فى عدة خصائص، أبرزها أن كلاً منهما كان من دون مشروع سياسى، وأن كلاً منهما غلّب مصالحة الخاصة على مصالح الوطن، فكان أن تخلص المصريون من مبارك بثورة يناير 2011 وتخلصوا من مرسى بثورة يونيه 2013.


المشهد الآن- بعد 60 عاماً على صدور قرار الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بحل (المحظورة)- يختلف كثيراً.. الإخوان برغم ما يثيرونه من قلاقل، صاورا خارج السياق التاريخى، لا أبالغ لو قلت إنهم (انقرضوا)، ليس من المستحيل- فقط- عودتهم إلى الحكم، بل من المستحيل حتى أن يظهروا على الساحة السياسية مجدداً، لفظهم الشعب نهائياً، وصار يتشكك فى تيارهم كله (الإسلام السياسى)، وها هو هذا التيار على أبواب الانتخابات البرلمانية يبدو حائراً تائهاً لا يجد من ينتخبه إلا قلة محدودة، مع أن الكتلة الأكبر ممن سيدخلون هذه الانتخابات من التيار الدينى- وهم على وجه التحديد «حزب النور»- كانوا من مؤيدى ثورة 30 يونيه المجيدة، غير أن الإخوان وتجربتهم البشعة فى حكم مصر لمدة عام أسود، جعلوا المصريين ينفرون من التيار بأكمله..!


العقدة لم تعد فى الإخوان.. ولا باتت فى تنظيمات الإسلام السياسى التى ظهرت فى السبعينيات (كالجماعة الإسلامية أو الجهاد أو غيرها..)، هذه جميعاً تنظيمات فى ذمة التاريخ ، صارت مجرد سطور مكتوبة فى سجلات المصريين، التى تحكى السبعينيات والثمانينيات، العقدة الآن لم تعد حتى تنظيم «القاعدة» الذى أسسه (أسامة بن لادن) قبل 30 عاماً، العقدة الحالية هى الجيل الجديد من تنظيمات الإرهاب.. الجيل الأول من تلك التنظيمات كان (الإخوان)، ثم (القاعدة)، ثم (القطبيين)، ثم الجماعات الدينية فى السبعينيات وفروعها الكثيرة فى الثمانينيات، ثم (القاعدة)، أما الجيل الحالى فهو «داعش» فى العراق وسوريا و (أنصار بيت المقدس) فى شمال سيناء.. صحيح أن القائمين عليها يكفّرون المجتمعات وجميع أشكال السلطة- بما فى ذلك سلطة الإخوان ومرشدها فى مصر السنة الكئيبة- لكن هذا لا يعدو كونه جرياً على بيت الشعر القديم (.. فلما اشتد ساعده رمانى)، فالإخوان كانوا- ولا يزالون- هم البوابة الفكرية للدخول فى منهج «الإسلام السياسى»، ومثلما تفرع عنهم عمر عبدالرحمن وعبود الزمر وغيرهما فى السبعينيات منشئين لتنظيمات أشد اعتناقاً لفكرة «تكفير المجتمع»، تفرعت عنهم (القاعدة) فى الثمانينيات، ويتفرع عنهم الآن «داعش»، الذى قال أميره «أبو بكر البغدادى»، إنه فى صباه كان يعتنق الفكر الإخوانى، وهذه ليست مصادفة.. بل هى جزء من التكوين النفسى للبغدادى، ومن قبله بن لادن ومن قبلهما الزمر وعبدالرحمن، فهؤلاء جميعاً دخلوا الإسلام السياسى من بوابة «سيد قطب»، فلم يجدوا فى أفكاره الكفاية.. فانطلقوا.. حتى وصل بعضهم- كالبغدادى أمير داعش- إلى تكفير الإخوان أنفسهم لا المجتمعات والسلطات المدنية القائمة عليها فقط..! برغم ذلك، فإن شواهد كثيرة تؤكد أن أموال الإخوان- وهى مليارات الدولارات- تتدفق على (داعش) وعلى (أنصار بيت المقدس) وغيرهما من التنظيمات الإرهابية، وتدعمها بالسلاح أيضاً، من قطر وتركيا وغيرهما.. فهذه الفرق- حتى إذا كفر بعضها بعضاً- خارجة من منبع واحد هو «الإسلام السياسى» و «الفكرة الإخوانية»، تلك التى أصبحت صورة «حسن البنا» فيها مثل رمز تاريخى، بينما صورة «سيد قطب» هى الصورة الفاعلة، والمجموعة التى قادت تنظيم المحظورة فى السنوات العشرين الأخيرة- ومنها مرسى وبديع وغيرهما من إرهابىى الجماعة- هى مجموعة قطبية تماماً..!


هذه الخواطر هى المحطة التى يقودنا إليها مرور 60 عاماً على حظر جمال عبدالناصر للإخوان فى عام 1954م، تلك الخواطر- وغيرها كثير مما لم نذكره- تؤكد أن المعركة مستمرة ولكن بصيغة أخرى، وما الشهداء الثمانية والعشرون الذين اغتالتهم يد الإرهاب النجسة فى سيناء الجمعة الماضى، إلا حلقة فى هذه المواجهة.. كتبت هذه المواجهة على مصر والمصريين، انتصروا فيها فى عصر الزعيم جمال عبدالناصر، الذى بتر يد الإخوان مرتين، المعركة تتجدد فى عصر الرئيس عبدالفتاح السيسى، وقد تغيرت عناهرها التاريخية تماماً، وتبدلت أسماء التنظيمات فيها، وتضخمت إمكانياتها كثيراً، لكن تبقى كلمة السر التى انتصر بها «ناصر» هى نفس كلمة السر التى سينتصر بها السيسى- بإذن الله- على الإرهاب.. كلمة السر هى «الشعب» الذى اصطف صفاً واحداً وراء ناصر، ويصطف الآن خلف السيسى فى معركة المصير..!