عيب مجتمع أم عيب سينما .. البلطجى نجما

30/10/2014 - 9:48:28

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتبت - منال عثمان

على مدى التاريخ السينمائى المصرى كان هذا النمط موجودا.. قد يكون استثناء فى بعض محاور الدراما  فى أربعينيات القرن الماضى لكن استطاع أديب نوبل العالمى نجيب محفوظ ببعض من   الذكاء الأدبى الذى اشتهر به أن يمط فى قماشته ويتلون بها ويخلق لها من خياله المبدع أرضية ومساحة وتكوين.. جعل البلطجى نمطا سنيمائيا لا يتقزز منه جماهير هذه الفترة التى  كانت لا ترنو إلا لأفلام تميل ميلا قد يكون مبالغا فيه للرومانسية والدموع والحب المستحيل فجعله فتوة يتباهى بقوته من أجل خير الناس والوقوف  بجوار الضعفاء مثل أفلام الخمسينيات التى أخذت عن أعماله فتوات الحسينية والفتوة، وفى فترة لاحقة عمله الأشهر فى هذا المجال الحرافيش.. ملحمة غاصت فيها السينما وقدم عدة أفلام مهمة، وكان بطله الذى تتفرع منه أجيال من الحرافيش هو عاشور الناجى..    كفيلمه الحرافيش لحسام الدين مصطفى الفتوة الذى يمد يده لحرافيش لا يملكون قوت يومهم صحيح يفرض الإتاوة لكن على من يستطيع، ومجموعة أخرى من الأفلام التى كانت عن حرافيش عم نجيب مثل  (الشيطان يعظ، والتوت والنبوت، والمطارد، وأبو الرجال)، والعديد من الأفلام الأخرى ومعظمها كان فى ثمانينيات القرن الماضى  والفيلم الأخير كان مضمونه أن البلطجى من الممكن أن تكون بلطجته مجرد شائعة أطلقها الناس على رجل ما لكن هو فى حقيقة الأمر أبعد مايكون عن هذا التصور.. هش وضعيف، وكان نموذج البلطجى  يلقى إعجابا من شرائح كثيرة خاصة وأنه يشكل قوة  ضاربة تحطم الشر فى معونة وتمد الكف ليخرج من سقط فى جب الحاجة والعوز والضعف، وفى سياقات سينمائية أخرى من باب التنوع الذى كان سمة سينمائية ضرورية فى هذا الحين  يخرج البلطجى عن  الخط ويصدق نفسه وتدير رأسه القوة والهيبة فيفترى على خلق الله فتكون النهاية السينمائية المؤلمة، وفى التسعينيات ظهر نموذج حديث للبلطجى بعد أن ظهرت الألعاب الرياضية التى أشتهرت فى وقتها فظهر "يوسف منصور" الذى يدافع عن الحق فى أفلامه عن طريق الكونغ فو  فى (قبضة الهلالى) مثلا و"الشحات مبروك" لاعب كمال الأجسام بقوة جسده فى عدة أفلام وقد تكون هذه ظواهر أريد استغلالها فى السينما، لكن النجم "أحمد زكى" قدم هذه النوعية فى فيلمه (مستر كراتيه)، وحفلت الألفية الجديدة بالعديد من أشكال البلطجة التى خرجت تماما عن الخط المرسوم للبلطجى فى السينما بأن يكون فى عون الضعفاء وإن تخطى المعنى تكون نهايته مأسوية يرتاح لها مشاهدو الفيلم.. والبعض  يربط تغيير شكل البلطجى ومهمته  بتغيير سلوكيات المجتمع المصرى الذى  أصبح غير ذى قبل لا يعرف الهدوء ولا الصوت الخفيض ولا العفو عند المقدرة ولا امتلاك أعصابه عند الغضب وأصبح الحق يؤخذ بالذراع ويؤرخون بداية قانون الغاب وهذا واضح فى السينما بفيلم (الجزيرة 1) عندما نطق أحمد السقا جملته الأشهر (من النهاردة مفيش حكومة أنا الحكومة) وبعده كان فيلم "السقا"، ومروان حامد الدموى بل أكثر الأفلام دموية فى تاريخ السينما(إبراهيم الأبيض)، وسريعا شمر المنتجون أصحاب السطوة فى عالم اللحوم  إياهم عن سواعدهم واختاروا النجم "محمد رمضان" ليكون  بلطجى السينما الجديد، بدأوا بفيلم (الألمانى) ثم فيلميه (عبده موته، قلب الأسد) أفلام لاقت رواجا غريبا وحقق عبده موته 13 مليون جنيه إيرادات، وأصبحت الظاهرة محل دراسة، خاصة وأنها تحقق أعلى الإيرادات، وأردنا أن نستقى آراء أهل الفن  والخبرة ونسأل.. لماذا أصبح البلطجى الفافورى أو الحصان الرابح فى سينما هذه الأيام؟!


يقول النجم محمود قابيل


أنا أجد أن هذا الرواج والنجاح الذى تحققه هذه الأفلام أمراً طبيعياً فالسينما هى مرآة المجتمع ترصد ما يفرزه وتقدمه فى إطارات سينمائية، عندما كانت الحياة أكثر هدوءا وجمالا قديما ماذا كانت تقدم السينما؟ تقدم أعمالا تليق بمجتمع له تقاليده التى لا يتنازل عنها تحت أى ظرف.. أساسيات فى حياته، احترام الكبير، احترام المدرس، عدم التعدي على حقوق الآخرين، سلوكيات وآداب عشنا عليها بأن هناك قانونا ومبادئا وقيما ومثلاً تربى عليها جيلنا والأجيال السابقة.. كان كل شيء بالمقدار الذى يتحمله الناس حتى الفقر كانت نسبته معقولة، كل شيء دمر مع ازدياد الفقر وهدم المثل ونسبة الجهل الكبيرة والتعداد السكانى المهول وظهور العشوائيات  حتى القمامة لا نستطيع التعامل معها، كانوا يقولون مصر فقيرة لكنها نظيفة وجميلة، كانت نظيفة بأهلها وسلوكياتهم وحبهم لوطنهم.. زمان حذرت وقلت يا جماعة هناك قنبلة موقوتة اسمها أطفال الشوارع لو انفجرت سنندم جميعا وها هى انفجرت بل هذا قليل من كثير قادم، فالبلطجية ملأوا الشوارع والسطو فى كل مكان واستخدام المطاوي والسلاح والسنج أصبح أمرا طبيعيا فى هذه الظروف، لابد أن يكون البلطجي الذى هو رجل الشارع الأول الآن نجما فى كل مكان حتى السينما التى هى حال المجتمع ومرآته. 


 تقول النجمة ميرفت أمين


لا أخفى عليك.. أصابتني الدهشة فى البداية،  فقد عرفت السينما من خلال  أفلام الرومانسية، وتكونت نظرتى عن النجوم أن تكون أشكالهم لها صفات معينة، وعندما عملت بها كان يتأكد داخلى هذا اليقين كلما عملت أفلاما وتقابلت مع نجوم ونجمات.. للجميع  أوضاع وصفات وفرت لهم النجومية الكبيرة، حتى عندما قدم البلطجى فى أوقات سابقة كان له مبرره الدرامى الذى حوله هكذا لشخص شرس لا يقيم وزنا لأى شيء فى الحياة، والدراما تنصفه لو كان هذا رغما عنه ولا تنصفه لو كان يريد فرض القوة والسلاح.


 هذا أيام كانت الأفلام لابد أن تكون ذات مضمون وتحمل رسالة مفادها أن الشر له نهاية.. لكن فجأة انقلبت الأهرامات فى المواسم الأخيرة ولم يعد هناك رسالة ولا مبرر درامى ولا"أحزنون".


 المهم تقديم البلطجى، وليست السينما فقط، أيضاً التليفزيون فى رمضان قبل الماضى قدم مسلسلاً عنوانه هكذا(البلطجى).. البلطجة أصبحت قانون الحياة الآن.. والفن لا يمكن أن يخرج عن إطار مجتمع يعيش البلطجة فى كل حين،  فوضع بصمته على السينما بالذات.. ابنة صديقة لى خرج عليها البلطجية فى الظلام وهى تقود سيارتها على الطريق الدائرى، وأخذوا السيارة والنقود والتليفونات وألقو بالفتاة فى مكان مهجور،  والحمد لله لم يمسسها سوء لكن أنا أحكى لك عن بلطجة نعيشها كلنا، فهل ستقدم السينما الرومانسيات والكلاسيكيات كيف؟  لو فعلت.. ستكون"برة الدنيا" التى نعيشها ولو أننى مع التنوع، لكن الآن من يغامر ويقدم نوعيات أخرى يعرف أنه سيكون فى مكان متأخر فى قائمة يحتل مراكزها الأولى أفلام البلطجة.. ولكنى أثق أنها فترة وستمر فلا نحن ولا السينما ولا الناس نحتمل هذا النوع من الحياة.