محمد فوزي .. تملي في قلبي يا حبيبي

27/10/2014 - 2:30:09

محمد فوزى و ليلى مراد فيلم ورد الغرام محمد فوزى و ليلى مراد فيلم ورد الغرام

كتب – طارق الشناوى

تتسع المسافة الزمنية بيننا وبين الموسيقار الكبير محمد فوزي إلي 48 عاماً.. رحل فوزي 20 أكتوبر 1966 . هل حقاً تباعدت المسافة بيننا وبينه أم ضاقت؟ ماهي الحقيقة هل فوزي يزحف دائماً إلينا أم نحن الذين نزحف إليه.. أغانيه صارت هي أغاني هذا الزمن إيقاعه هو إيقاعنا.. كلما ازدادت سنوات غيابه ازداد حضورا!!
يتيح لنا العمل بالصحافة أن نلتقي مع عمالقة الإبداع شاهدت واقتربت من الكثير منهم واحد فقط تمنيت أن التقيه ومع الأسف عندما بدأت مشواري في الصحافة كان قد رحل عن عالمنا قبلها بأكثر من عشر سنوات ولكن أفلامه الـ "35" تشعرك بأنها تقدم محمد فوزي وليست الشخصية الدرامية بل محمد فوزي كما نعرفه هو محمد فوزي الذي تراه أمامك علي شاشة الفضائيات التليفزيونية.. كل من عرفه أكد أن خفة دم فوزي في السينما التي نراها في أفلام مثل "ورد الغرام" مع ليلي مراد و "دايماً معاك" مع فاتن حمامة و "العقل في إجازة" مع شادية هي نفسها خفة دمه في الحياة.
ألحان محمد فوزي سابقة عصرها رأي الكل يردده مخضرمون وغير مخضرمين متخصصون أو مجرد سميعة ،لكن الدلالة المؤكدة علي صدق هذا الرأي هي أن مؤشر الأداء العلني الذي تحققه أغنيات فوزي في ارتفاع أيضاً وهذا هو الأهم أن الكثير من مطربي هذه الأيام يرددون أغنياته بل عدد من مطربي جيله مثل محمد رشدي حرص علي أن يغني بعد رحيله عدداً من أغنيات فوزي وهو ما فعلته أيضاً شقيقته هدي سلطان ناهيك بالطبع عن مدحت صالح ومحمد ثروت !!
مثل كل الموسيقيين تفرض عليهم مواهبهم وتحركهم وتدفعهم إذا كانوا من أهل الريف للنزوح للقاهرة وهكذا جاء محمد فوزي عبد العال حسن الحو إلي القاهرة قادماً من طنطا وكالعادة التحق بأشهر صالة غنائية بديعة مصابني قال لي الموسيقار محمود الشريف والذي كان يسبق محمد فوزي في العمر 6 سنوات.. فوزي مواليد 1918 والشريف 1912 قال لي الشريف إنه التقي في صالة بديعة مع فوزي في نهاية الثلاثينيات وهو يخطو أولي خطواته في القاهرة وبتكليف من السيدة بديعة مصابني لحن أوبريت باسم "قلم المرور" غني فوزي فيه بصوته مقطعا وبعد ذلك انطلق فوزي ملحناً ومطرباً بعيداً عن صالة بديعة!!
يوسف وهبي هو محطة الانطلاق الرئيسية لمحمد فوزي إلي عالم السينما عندما اختاره بطلاً في فيلمه "سيف الجلاد" وكان عمر فوزي وقتها 26 عاماً وبدأت رحلته مع الفن مطرباً وملحناً وممثلاً ومنتجاً وكان أيضاً مغامراً فهو من أوائل الذين قاموا بتلوين أفلامهم ومن أوائل الذين جددوا شركات التسجيل واستورد أعلي وأرقي الآلات وبعد ذلك يأتي التأميم ليتحول من صاحب شركة اسطوانات إلي مدير شركة وهي التي أصبحت تابعة لاتحاد الإذاعة والتليفزيون الآن وتحمل اسم "صوت القاهرة" وتردد أن هذا ما أدي لإصابته بمرض غامض أطلقوا عليه وقتها اسم مرض" محمد فوزي "أحاله إلي هيكل عظمي أغلب الظن أنه نوع نادر وقاس من السرطان!!
فوزي أول من لحن "المسحراتي" أول من قدم ألحاناً للأطفال أول من قدم لحناً بلا آلات موسيقية وهو لحن كثيراً ما تقدمه الإذاعة المصرية باسم "كلمني طمني" كتبه حسين السيد حيث إن الكورال يلعب دور الآلات الموسيقية وكثيراً ما نستمع إلي حكايات يخاصمها المنطق حول أسباب لجوء محمد فوزي إلي تقديم اللحن بهذا الأسلوب ولأن البعض يري دائماً في العبقريات قدرة استثنائية وفوزي كان من هؤلاء العباقرة فإنهم روجوا لقصة خيالية مفادها أن فوزي ذهب للاستديو فلم يعثر علي الفرقة في رواية وفي رواية أخري ساومته الفرقة علي الثمن فقرر الاستغناء عنها والاستعانة علي الفور بالكورال والكورس لترديد اللزم الموسيقية.. اللحن عندما تستمع إليه يكذب كل ذلك أولاً الكورس منضبط جداً في الأداء وهذا يعني أن هناك العديد من البروفات تم إجراؤها قبل تسجيل اللحن وأيضاً فإن الأداء البشري لصوت الآلات لا يبدو بديلاً عنها بل هكذا كتب فوزي اللحن فلن تستطيع الآلات أن تضيف شيئاً للأنغام أكثر مما تفعله الأصوات البشرية.. هذا هو المنطق الفني الذي كان يحكم طبيعة هذا اللحن أنه مغامرة حسبها فوزي بدقة وبإحساس فني لا يخطئ!!
محمد فوزي جاء في نقطة فارقة جداً علي الخريطة الفنية في مصر كان قد سبقه جيل العمالقة زكريا، القصبجي، عبد الوهاب، السنباطي وبعدهم بسنوات قليلة ظهر محمود الشريف وأحمد صدقي ويلحقهما بسنوات قليلة جداً محمد فوزي وبعد ذلك بنحو 5 سنوات بدأنا نتعرف علي ألحان الموجي والطويل ثم بليغ.. ورغم ذلك فإن الثلاثة الملحنين الذين شكلوا علامة موسيقية محورية يعترفون دائماً بأستاذية محمد فوزي.
حكي لي الموسيقار كمال الطويل مثلاً كيف استقبل محمد فوزي لحنه "علي قد الشوق اللي في عيوني يا جميل سلم" كان فوزي تربطه صداقة بعبد الوهاب وقال له فوزي: إنه يريد أن يسمعه لحن جديد لملحن بدأ الطريق واسمه كمال الطويل ورحب عبد الوهاب بالفكرة وجاء فوزي ومعه الطويل وأيضاً موزع الأغنية علي إسماعيل واستمع إلي التسجيل بصوت عبد الحليم حافظ مرة واثنتين وثلاثاًَ وأربعاً وكان تعليقه هو اللحن "يعني" وهذه الكلمة "يعني" شعر بعدها الطويل أن لحنه لم يرض أستاذه وبالتالي لا يجوز أن يقدمه للجمهور وبعد أن استأذن الثلاثة في الانصراف وهم في الأسانسير قال محمد فوزي لكمال الطويل لحنك رائع يا كمال وحيكسر الدنيا قدمه كما هو للناس أوعي تغير أي جملة موسيقية وأخذ الطويل بنصيحة فوزي وقدم اللحن كما هو وبالفعل كتب هذا اللحن شهادة ميلاد ثلاثية الأبعاد ولكل من الطويل ملحناً وعلي إسماعيل موزعاً وعبد الحليم مطرباً وكان النجاح بعدها مدوياً كما توقع فوزي.. رواية أخري حكاها لي محمد الموجي كان فوزي من أشد المعجبين بصوت فايزة أحمد وأحبها كثيراً في ألحان الموجي التي شهدت بدايات فايزة مثل "يامه القمر ع الباب" ، "أنا قلبي إليك ميال" وأستأذن فوزي من الموجي في طبع الاسطوانات في شركته ووافق وحققت الأسطوانات أعلي الإيرادات لفوزي واتصل بالموجي وقال له أنا مش عارف أعد الفلوس التي حققتها الأسطوانات بسبب ألحانك وطلب منه أن يأخذ جزءاً منها لكن الموجي شكره ورفض.. وبعد ذلك أنتج فوزي فيلم "ليلي بنت الشاطئ" عام 1959 وهو بالمناسبة آخر أفلامه التي أنتجها وشارك في بطولتها أمام فايزة أحمد وكانت المفاجأة التي لم تحدث من قبل وهي أن فوزي يطلب من الموجي أن يضع ألحان الفيلم بجواره ولم يسبق مثلاً أن استعان عبد الوهاب بملحن آخر في أفلامه بل إن مشروع لقائه مع أم كلثوم سينمائياً توقف بسبب أن أم كلثوم اقترحت علي عبد الوهاب أن يشاركه في التلحين لها رياض السنباطي وزكريا أحمد ومحمد القصبجي ،وكان شرط عبد الوهاب لكي يوافق علي مشروع الفيلم السينمائي الذي تبناه طلعت حرب أن ينفرد هو فقط بالتلحين ودمرت فكرة المشروع التاريخي لفيلم يجمع علي الشاشة العملاقين أم كلثوم وعبد الوهاب.. والحقيقة أن لا أحد وافق من قبل - خاصة من كبار الملحنين - في أن يشاركهم أحد في التلحين لم يفعلها مثلاً فريد الأطرش خلال 33 فيلماً لعب بطولتها ولا عبد العزيز محمود 25 فيلماً ولكن فوزي لم يكن ينظر إلي الجيل الثاني باعتبارهم أعداء يريدون القضاء عليه بل كان دائماً ما يشعر أن النجاح يستوعب الجميع وأن حديقة الغناء تتزين بكل الورود وهكذا لحن الموجي لفايزة في هذا الفيلم أغنيتي "يا الأسمراني" و "ليه يا قلبي ليه".. أكثر من ذلك موسيقي التترات أخذها فوزي من موسيقي محمد الموجي رغم أنه في هذا الفيلم كانت لديه ألحان ناجحة جداً مثل "الشوق.. الشوق الشوق" و "أي والله أي والله"!!
مع بليغ حمدي كانت لديه أكثر من حكاية توضح إلي أي مدي كان فوزي فناناً استثنائياً مثلاً أنتج لبليغ حمدي أول ألحانه لفايزة التي كتبها عبد الوهاب محمد وهي "ما تحبنيش بالشكل ده وتغير كثير من ده وده" وبعد ذلك قدمه لأم كلثوم في أول لحن له كتبه أيضاً عبد الوهاب محمد وهو "حب إيه اللي انت جاي تقول عليه" .. استمعت أم كلثوم لأول مرة إلي بليغ في بيت فوزي وأعجبها اللحن ومن بعدها طلبت منه أن يأتي إليها في فيللتها للاستماع إلي "حب إيه" وبعد ذلك جاء اللقاء مع أغنية "أنساك ده كلام أنساك ياسلام" التي كتبها مأمون الشناوي كان الشيخ زكريا أحمد قد عاد للتصالح مع أم كلثوم بعد طول جفاء حيث غنت له "هو صحيح الهوي غلاب" التي كتبها بيرم التونسي واتفقا علي أن اللقاء الثاني بينهما مع كلمات مأمون الشناوي "أنساك ده كلام" ولكن الشيخ زكريا أحمد وافته المنية قبل أن يبدأ في اللحن ورشح مأمون الشناوي الشيخ سيد مكاوي للتلحين علي اعتبار أنه من تلاميذ الشيخ زكريا أحمد لكن أم كلثوم لم تعجبها محاولات سيد مكاوي اللحنية وعلي الفور اتصلت بمحمد فوزي للتلحين وبدأ فوزي في وضع بناء اللحن واستعجلته أم كلثوم لاستكمال اللحن لكنه كان يريد بعض الوقت وحسماً للموقف رشح لها بليغ حمدي للتلحين بدلاً منه وقدم بليغ حمدي "أنساك" ثاني لقاء له مع أم كلثوم بعد "حب إيه" بترشيح أيضاً من محمد فوزي وقال لي مؤلف الأغنية الشاعر مأمون الشناوي أن مقدمة اللحن والمقطع الأول تماماً كما لحنه محمد فوزي وكان قد سبق أن سيد مكاوي قبل نحو 15 عاماً قال إنه ملحن "أنساك" وبليغ استعان بموسيقاه ولكن مأمون الشناوي يؤكد أن فوزي صاحب المقدمة والمقطع الأول وأشعر أن رواية مأمون هي الأصدق والأقرب إلي المنطق خاصة وأن سيد مكاوي لم يقل هذا الرأي الذي يتهم فيه بليغ بالسطو علي لحنه "أنساك" إلا بعد رحيل بليغ حمدي بينما رأي مأمون الشناوي أذاعه في حياة بليغ وبليغ لم يكذبه!!
في حياة فوزي ألحان مثل "يا مصطفي يا مصطفي" الذي غناه بوب عزام هذا اللحن حقق ملايين الجنيهات لا تزال جمعية المؤلفين والملحنين تحتفظ بها.. بمجرد ظهور لحن "يا مصطفي يا مصطفي" في نهاية الخمسينيات أقام محمد الكحلاوي دعوي أكد فيها أن هذا اللحن مأخوذ من لحن بدوي له باسم "فضلك يا سايج المطر.. تشكر يا سايج المطر" ولم يتم حسم القضية حتي الآن رحل فوزي عام 66 ثم الكحلاوي 1981 والملايين التي حققتها الأغنية مقابل الأداء العلني لهذه الأغنية تتراكم في جمعية المؤلفين والملحنين ولكن القضاء لم يحسم لمن يؤول الأداء العلني.. ومن الألحان التي أحدثت ضجة "فطومة" الذي تردده حتي الآن عشرات من فرق الفرانكو آراب.
كان فوزي أول من التفت إلي صوت شادية وقدمها في أول فيلم لها "العقل في إجازة" إخراج حلمي رفلة وغنت من تلحينه "هويته هويته هويته ولقيته لقيته لقيته" منحها مذاقها الفني الخاص بالألحان الخفيفة.. من التفاصيل الهامة في مشوار فوزي أنه اضطر للتلحين من الباطن لمحمد عبد الوهاب أغنية ليلي مراد "حيرانه في دنيا الغرام" وقال لي ابنه المهندس نبيل انه لم ينم ليلتها لإحساسه أنه باع لحن له ولم يكررها بعد ذلك أبداً وكلما استمع إلي اللحن كان يبكي وكأنه يري ابنا له لكنه لا يستطيع أن يعلن شرعية أبوته!!
لماذا لم يغن عبد الحليم حافظ من تلحين فوزي رغم ما يجمعهما من صداقة وحب؟! سؤال توجهت به إلي كمال الطويل ومحمد ا لموجي.. الطويل قال لي إن فوزي يقدم ألحاناً خفيفة تقترب مما يقدمه الملحن منير مراد لعبد الحليم ولهذا كان يكتفي بمذاق ألحان منير مراد.. الموجي كانت لديه قناعة أخري وهي أن فوزي عندما يلحن لنفسه تستمع إلي صوته وهو يغني ولديه طغيان في الأداء وكان عبد الحليم يدرك ذلك ويعرف أيضاً أنه لديه منهج آخر في الأداء ولهذا لم يلتقيا لم يطلب فوزي أن يلحن لعبد الحليم ولم يطلب عبد الحليم أن يغني من ألحان فوزي!!
الإنسان محمد فوزي كثيراً ما أحب ولكنه تزوج ثلاث مرات الأولي من أم أولاده ثم من الفنانة مديحة يسري ثم كريمة فاتنة المعادي.. جاء خلافه مع مديحة يسري عندما اكتشفت خيانته حاول أن يعتذر لكنها لم تقبل ورغم ذلك اتفقا علي الطلاق وفي مساء ذلك اليوم عزمها علي العشاء ورقصا معاً "تانجو" كانت مديحة يسري تري في محمد فوزي صديقاً لا يمكن الاستغناء عنه نعم انتهت حياتهما كزوجين لكنهما ظلا صديقين.. أنجبت له ابنها الوحيد عمرو لكن الأقدار أخذته منها في حادث ومن شاهدوه قالوا إنه كان صورة من خفة ظل وروح محمد فوزي.. أما كريمة فاتنة المعادي فلقد كان يراقصها وطلب منها في لحظة أن يتزوجها وغادرا الحفل ليذهبا إلي المأذون ورحل فوزي وكريمة فاتنة المعادي هي زوجته وظلت حتي رحيلها قبل سبع سنوات وهي ترفض الزواج وتعيش علي ذكري محمد فوزي!!
أبدع فوزي في كل الألوان فنحن مثلاً عندما نشعر بأي خطر يواجه بلدنا نلجأ إلي أغنية "بلدي أحببتك يا بلدي" التي كتبها مرسي جميل عزيز وعندما نريد مداعبة طفل نغني له "ماما زمانها جاية" لحسين السيد وعندما نشعر بالافتقاد نغني من ألحانه التي قدمها للمطربة نازك "كل دقة في قلبي بتسلم عليك" لمحمد علي أحمد وعندما يستبد بنا الحنين للأجواء الشعبية لا نجد غير أغنية "ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسين" تأليف زين العابدين عبد الله التي لحنها فوزي لتصبح أشهر أغاني عبد المطلب.. وعندما نسعد بالدنيا وهي تضحك لنا نغني من كلمات مأمون الشناوي "غني للدنيا ".. أما أنا فإن لدي أغنية مفضلة أخري كتبها عبد الفتاح مصطفي وهي "تملي في قلبي يا حبيبي وأنا عايش بعيد عنك تملي ولا انت داري بي وأنا باشكي إليك منك" هذه هي الأغنية الترمومتر بالنسبة لي لتحديد علاقتي بالأشخاص من فرط الصدق الذي استشعره في كلماتها وبنائها اللحني وفي أدائها أيضاً فأنا أتعرف علي روح الشخصيات التي أتعامل معها من خلال ترمومتر "تملي في قلبي" إذا سألت أحدهم عن رأيه في "تملي في قلبي" وقال لي نعم إنها أغنية حلوة ولم أشعر بحماسه وهو يؤكد حلاوتها وتفردها أتشكك في ذوقه الفني ولكن من يهيم حباً بـ "تملي في قلبي" فإنه يصبح وإلي الأبد "تملي في قلبي"!!