رائد مدرسة تطوير الموسيقى فى عالم الشرق .. ياساكن فى الهوى قلبى

27/10/2014 - 2:10:55

محمد فوزى محمد فوزى

كتبت - د.رانيا يحيى

رغم مرور ثمانية وأربعين عاماً على فراق محمد فوزى إلا انه يظل علامة من علامات الموسيقى والغناء ليس فقط فى مصر لكن فى العالم العربى بأسره ..فنان موهوب ..قدم العديد من الأعمال الموسيقية والغنائية ..شارك بالتمثيل وبوضع موسيقى لعدد من الأفلام السينمائية ..وضع مجموعة من أغنيات الأطفال التى تربى عليها أجيال وأجيال ..كما أن إنتاجه الغزير يمثل قيمة وثروة فنية حقيقية ..هذا بالإضافة لما له من سبق فى إنشاء شركة مصرفون كأول شركة اسطوانات فى العالم العربى.
فى عالم الطفولة
يعتبر اهتمام فوزى بالأطفال انعكاساً لشخصيته الحنونة وحبه لبراءتهم فغنى لهم أعمالاً كثيرة لها شأن عظيم فى هذا الاتجاه حتى يومنا هذا ،فمن منا لم يكبر على أغنيات فوزى "ماما زمانها جاية" ،"ذهب الليل" ،"كان وإن" ، وغيرها ،هذا بالإضافة لمقدمة ونهاية برنامجى الساحر الصغير ،وحدوتة قبل النوم ،وأيضاً ألحان مسرحية صحصح لما ينجح لمسرح الطفل ،وكل إنتاجه المتميز للطفل مازال يتربع على عرش أغنيات الأطفال ولم نجد أغنية للطفل تحيا في نفوس الكبار والصغار كما كان تأثير تلك الأغنيات سواء من حيث الكلمات والألحان ..أيضاً استخدامه للصمت أحياناً فى نهاية بعض الجمل اللحنية أدى لإثارة وتشويق لدى السامع لتكرار الوقفات وهدفت هذه الأغنيات لغرس القيم فى نفوس الأطفال وتوجيههم بأسلوب سلس ويسير مع استخدام الأسلوب القصصى للحكايات التى يعشقها الأطفال بمصاحبة موسيقية بسيطة مما جذبهم لهذه الأفكار العبقرية ،كما ساعد على نجاح هذه الأغنيات التكوينات الآلية الأوركسترالية بجانب آلة البيانو أو الأكورديون أحياناً والتى تختلف عن طابع ألحان الأغنيات التى تعتمد على التخت الشرقى ،مما خلق لونا صوتيا مميزا سابقا لعصره ومحبباً للأطفال ،بالإضافة لذلك أسلوبه الفطرى فى التعامل مع الأطفال وبساطته وتلقائيته المعهودة فى الأداء كل هذا صنع منه نجماً لدى الصغار والكبار بلا تصنع أو افتعال مما جعله ينفذ للعقول والقلوب كالسهم الصائب.
أسلوب متطور
ولم يقتصر تطويره للأغنية العربية عند هذا الحد بل استخدم التقنيات الغربية مثل الهارمونى والكنترابينط في التلحين وهو ما أثرى أعماله الموسيقية وجعل منها لوناً ذا بريق خاص فتنوعت ما بين الشرقية الصميمة إلى ما يشبه الموسيقى الكلاسيكية ،كذلك اعتماده بشكل كبير على التيمات اللحنية القصيرة ذات المصاحبة الهارمونية مثل "يا نور جديد" بإيقاع الفالس فى زمن ثلاثى ،وأغنية "دارى العيون" بكل ما فيها من توزيعات ،وأغنية "فين قلبى" والذى يغلب عليها آلة الكاستانييت الإيقاعية والتى تقارب اللحن من الموسيقى الإسبانية ،كذلك أغنية "راح توحشينى لو تحرمينى من نور جمالك" ،وفى بعض مواضع أخرى نلحظ الكتابة البوليفونية التى تتداخل فيها الألحان فى نفس الوقت وهو ما أثرى ألحانه وصبغها بصبغة الموسيقى العالمية ،فألحانه تتباين ما بين السهولة والتعقيد رغم ما قد يبدو عليها من بساطة ،أيضاً جمع بين التيمات اللحنية الشعبية والألحان الموسيقية الحديثة والمتطورة ،وبشكل عام اتسمت ألحانه بالبساطة والرشاقة رغم كل ما بها من عمق وتمحيص مازالت تخضع للدراسات والأبحاث حتى الآن ،لكنه بحدسه وعظمة موهبته كان يؤلف ويلحن بفطرة واعية وحب وإخلاص شديدين ..فهو باختصار يمتلك أسلوباً لم يستطع معاصروه وكل من جاءوا بعده أن يحققوا هذه المعادلة الصعبة التى نختزلها فى كلمتين هما السهل الممتنع والذى يظهر فى كثير من أغنياته التى تعتمد على تماسك البناء اللحنى وأيضاً استخداماته المقامية فهو أحياناً يضع اللحن فى مقام واحد فقط طوال المقطوعة الموسيقية ولكن يعمل على تغيير جنس الفرع للمقام والذى يعطى طعماً جديداً دون أن يغير المقام ذاته ..حيث يتكون المقام من جنسين هما الأصل والفرع وإذا حدث تغيير فى أيهما يغير من مذاق المقام الأصلى واسمه بالتبعية ،ومثالاً على هذا أغنية "يا سلام" فى مقام الراست وهو مقام شرقى صميم وبإيقاع المقسوم وداخل الأغنية نجده انتقل إلى جنس فرع نهاوند مرة وحجاز فى مرة أخرى وهكذا ثم يعود للمقام الأصلى للأغنية بمنتهى البساطة والتلقائية وفى بعض أجزاء من الأغنية يستمر فى نفس المقام لكن باستخدام درجة ركوز نغمية مختلفة مما يثرى اللحن ويصبغه بلون جديد دون أية تعقيدات أو انتقالات مقامية ..وفضلاً عن هذا نجد له ألحاناً أخرى تتمتع بنفس شخصيته كملحن ولكن باستخدام أسلوب آخر وهو تعدد المقامات بحرفية مطلقة كما فى أغنيات نذكر منها "آدى المعاد" والتى يبدأها فى مقام الراست ثم ينتقل منه إلى النوا أثر والنهاوند والحجاز والعجم ويعود بين الحين والآخر للجملة الرئيسية للأغنية مما يمزجها بلون صوتى محبب به ثراء لحنى ومقامى ببراعة قد لا يشعر بها المستمع العادى ،كما يضيف بعداً درامىاً على الأغنية من خلال استخدام بعض التلوينات الصوتية الكروماتيكية للتأثير على المتلقى بالقلق والخوف ..وفى هذه الأغنية استخدم بجانب المقامات المتعددة إيقاعات متباينة الطابع مثل السنباطى فى البداية ثم الفوكس والروك البطئ ..فرغم ما يبدو من سهولة لدى السامع وبساطة فى أدائه كمطرب إلا أن حرفية التلحين لديه تؤكد على عبقرية ممزوجة بالتلقائية.
وإيقاعات محمد فوزى بشكل عام غالباً مفعمة بالحيوية والنشاط وتعبر عن شخصيته الحقيقية الخلوقة المبدعة وتعد انعكاساً واضحاً لها ، كما يؤكد هذا قدرة محمد فوزى على التأليف والتلحين ومقدرته على المزج بين الآلات الشرقية والغربية فى تناغم واتساق رائع يدلل على موهبته الفطرية التى أنجبت لنا هذه الأعمال الإبداعية المميزة التى مازالت تبهرنا به كموسيقى رائد فى القرن الماضى.
أيضاً تعد مشاركاته مع الفنانين أمثال : صباح ،ليلى مراد ،فايزة أحمد ،شادية وغيرهم من أبناء جيله في الدويتوهات "الثنائيات" الموسيقية هو سبق فنى يستحق عليه كل التقدير فهى حالة من المشاركة الايجابية بين الفنانين لإخراج منتج فنى جديد ومتنوع ..كما تعتبر أغنيات أفلامه بمثابة الكليبات التى نراها في السنوات الأخيرة على شاشات التليفزيون ، فأغنيات فوزى تعتبر بمفهوم هذا العصر هى كليبات أو أغنيات مصورة ذات فكرة ومضمون مستقل ولها تأثير نفسى على المشاهد قد يسهل أن تسمعها وتشاهدها كفن فى حد ذاته خارج سياق الفيلم رغم أهميتها فى موضعها أثناء متابعة الأحداث الدرامية وذلك مثل الدويتوهات كـ «شحات الغرام والدنيا جميلة» مع ليلى مراد ،وآه يا حبيبى منك وليه يا ماما مع الفنانة الجميلة صباح ..كذلك ما قدمه من مزج بين الغناء والكوميديا فى بعض أعماله الخفيفة مثل أبطال الغرام والتى وضح فيها أبطال الرومانسية على مر التاريخ كـ «روميو وجولييت ،قيس وليلى ،أنطونيو كليوباترا» وذلك فى شكل غنائى كوميدى يزاوج فيه بين سحر الرومانسية والكوميديا معاً.
فنان نادر
وقد تميز عن معاصريه بقدراته الإبداعية الكامنة وفطرته المتدفقة حين قدم أغنيات ارتبطت بوجدان جمهوره لما لها من أبعاد سيكولوجية نفسية مع المناسبات الاجتماعية والدينية مثل الأغنيات الرمضانية (المسحراتى) ،(هاتوا الفوانيس يا ولاد) ،(بشراك يا صايم) ،كما قدم أغنية دينية عن الحج (ياللى زرت البيت ومن زمزم اتوضيت وعلى النبى صليت) ارتبطت بمشاعر المسلمين لأداء فريضة دينية تمس وجدانهم ..أيضاً قدم أغنية لعيد الميلاد بعنوان يا نور جديد ومطلعها :(يا نور جديد فى عيد سعيد دا عيد ميلادك أحلى عيد).. وبذلك استطاع أن يحصل على تأشيرة مرور كمبدع من الطراز الأول وواضع أسس تطوير الأغنية الشبابية المعاصرة ..ووضع فوزى بعض ألحانه بأسلوب الفرانكو آراب مثل : يا مصطفى يا مصطفى ،فطومة وغيرها ..ومن بين إبداعاته أيضاً الأوبريتات منها سندريللا ،الصباح رباح ،والأوبريتات الإذاعية مثل شجرة الجنة ،الصديق.
إنتاج غزير فى عمر قصير
ورغم قصر عمره إلا أن عمره الفنى ذاخر بالأعمال ؛ فرصيده الغنائى حوالى 400 أغنية منها ما يقرب من 300 أغنية في الأفلام ،بخلاف الألحان العديدة التى قدمها للكثيرين من مطربى جيله ،بالإضافة لبعض المقطوعات الموسيقية والتى تعتبر موسيقى بحتة مثل "فتافيت السكر" كما أنتج ثمانية عشر عملاً فنياً.. ومن ضمن إسهاماته الفنية تلحينه للنشيد الوطنى الجزائرى الذى كتب كلماته الشاعر المناضل مفدى زكريا وذلك فى غضون ساعتين ،وهذا يؤكد عبقريته وقدرته بما يمتلكه من ملكة إبداعية ثرية من حيث الشكل والمضمون ..واستطاع بهذا اللحن أن يعبر عن مشاعر الثورة الجزائرية ولا يزال هذا النشيد الرسمى لدولة الجزائر الشقيقة.
صوت الأمل
ويتميز صوت محمد فوزى بتفاؤل وانشراح وبهجة غير متوافرة فى كثيرين آخرين ،حيث تنعكس شخصيته المرحة وابتسامته الدائمة على اختياراته الغنائية وحتى فى نبرة صوته التى عبرت عن العديد من المشاعر والمناسبات المختلفة بقدرته العبقرية وإحساسه الفريد وبساطة أدائه ..فهو صوت يؤنس الوجدان حينما يطل علينا بطلته البهية فيثير داخلنا كل أحاسيس الحب والأمل ..وغناؤه يجمع ما بين السلطنة والتطريب أحياناً والخفة والأداء البسيط فى أحيان أخرى ،كما أنه يمتلك الكثير من الزخارف والعرب ووسائل التعبير المختلفة التى تجعل منه مطرباً يصعب تكراره.
وبالتالى فمحمد فوزى صاحب مدرسة قوية ومتميزة فى التلحين وفى الكتابة الموسيقية الاحترافية للتراث الغنائى واللحن الأصيل وأيضاً الموسيقى المتطورة التى تركها لأجيال وأجيال متعاقبة ..ليظل فوزى هو رائد مدرسة التطوير الموسيقى فى عالم الشرق.