مفاجأة مدهشة فى بلدنا: عدد الأغنياء يزيد رغم التراجع الاقتصادى وزيادة عدد الفقراء!

27/10/2014 - 10:07:39

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بقلم : عبدالقادر شهيب

هذه مفاجأة حقيقية.. عدد الأغنياء فى مصر يزيدون منذ عام 2008 وحتى عام 2001، تاريخ آخر بحث أجراه الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء عن الدخل والانفاق والاستهلاك!


يقول البحث بوضوح أن نسبة الأفراد الأعلى انفاقا أى الذين يزيد انفاقهم السنوى عن 12 ألف جنيه ارتفعت من 3% من جملة عدد السكان فى مصر عام 2008/2009 لتصل إلى 4% فى عام 2010/2011، ثم ارتفعت أكثر لتصل إلى 5.4% عام 2012/2013.. وبالطبع الأعلى انفاقا هم الذين لديهم دخول تسمح لهم بذلك أى من نسميهم القادرين أو الأغنياء.


ولنتمثل حجم هذه المفاجأة يجب أن نتذكر أولا أن هذه السنوات التى زاد فيها عدد الأغنياء لدينا كانت سنوات هبوط اقتصادى وانخفاض فى معدل النمو الاقتصادى .. حيث انخفض هذا المعدل عام 2008 (عام الأزمة المالية والاقتصادية العالمية) من 7% إلى أقل من 5% .. ثم انخفض أكثر هذا المعدل فى السنوات التى تلت 25 يناير إلى أقل من 2% عام 2013.. ولنا هنا أن نتخيل كيف يزيد عدد الأغنياء ببلدنا فى ذات الوقت الذى يتعرض فيه اقتصادنا للتراجع وينخفض معدل النمو الاقتصادى .. إن هذا معناه أن الأغنياء فى مصر لم يستفيدوا فقط من ارتفاع معدل النمو الاقتصادى حينما استأثروا بالنصيب الأكبر من عائد هذا النمو، وإنما استثمروا أيضا التراجع الاقتصادى الذى عشناه منذ عام 2008 وزاد بعد 2011 أو على الأقل لم يتعرضوا للضرر بسببه.


أيضا يجب أن نتذكر أن زيادة عدد الأغنياء لدينا حدثت فى ذات الوقت الذى زاد فيه عدد الفقراء كما أوضحنا من قبل فى عدد سابق، حينما زادت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر خلال هذه السنوات (2008/2013) من 6.21% بالنسبة لجملة عدد السكان إلى نسبة 3.26% .. وإذا كان زيادة أعداد الفقراء أمراً مفهوماً نظرا للتراجع الاقتصادى الذى عشناه وانخفاض معدل النمو الاقتصادى الذى نجم عنه زيادة فى أعداد العاطلين وانخفاض الدخول الحقيقية للأغلب الأعم من المواطنين بعد التهام التضخم وارتفاع الأسعار جزءا من هذه الدخول، فإن الأمر يستدعى بحث ودراسة أسباب زيادة نسبة الأغنياء وعددهم فى ظل كل ذلك، أى التراجع الاقتصادى وانخفاض معدل النمو الاقتصادى وزيادة البطالة والتضخم.


إننا حتى الآن ليس لدينا دراسات سواء معتبرة أو غير ذلك عن أغنياء البلاد تكشف لنا من هم وكيف حققوا هذا الغنى بالإضافة إلى أسباب الزيادة فى ظل التراجع الاقتصادى والزيادة فى أعداد الفقراء .. ولكن مع ذلك نحن لدينا بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الذى يقوم به الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء كل عامين الآن بعد أن كان يجريه من قبل كل خمس سنوات.. وهذا البحث تتم الاستفادة منه حاليا فى متابعة أعداد وأحوال الفقراء فى البلاد، ومن خلاله يتم إعداد خريطة الفقر فى مصر وتحديد من يعيشون تحت خط الفقر وتحت خط الفقر المدقع أيضا.. ولذلك نتمنى أن نستفيد من هذا البحث فى إعداد أيضا خريطة عن الغنى فى مصر وتحديد أعداد أغنيائنا وحالتهم، وأيضا أحوال الطبقة الوسطى، حتى تكتمل لدينا خريطة دقيقة علمية عن حالة مجتمعنا


ولكن وحتى يقوم جهاز التعبئة والإحصاء بذلك فإننا ومن خلال بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الأخير لعام 2012/2013 يمكننا أن نضع أيدينا على بعض ملامح صورة الأغنياء والقادرين فى بلادنا وأول هذه الملامح أن نسبة هؤلاء القادرين والأغنياء تبلغ نسبتهم حوالى 6% من عدد سكان البلاد، أى نحو 2.5 مليون مواطن ومواطنة .. وهذا ما يمكن استنتاجه من التوزيع النسبى للأمر طبقا لفئات الإنفاق النسبى، حيث يسجل البحث نسبة 2.6% من هذه الأسر تنفق أكثر من 50 ألف جنيه والأعلى انفاقا، هى نسبة تقترب أيضا من نسبة الأفراد الذين يزيد إنفاقهم عن 12 ألف جنيه فى السنة (الأعلى إنفاقا) وتصل إلى 1.6% بالنسبة لعموم البلاد.


لكن هذه النسبة العامة للأغنياء تختلف من مكان لآخر داخل البلاد .. حيث ترتفع النسبة فى الحضر إلى 3.10% بينما تنخفض النسبة فى الريف إلى 9.2% .. وهذا يعنى أن عدد الأغنياء فى الحضر أكبر من عدد الأغنياء فى الريف، وهذا أمر يمكن تفسيره بانخفاض خط الريف من الخدمات على عكس الحضر فى بلادنا فضلا عن تراجع الاهتمام بالزراعة عموما فى الريف .


أما إذا انتقلنا إلى بعض التفاصيل سوف نفاجأ بأرقام ملفتة ومفيدة بالطبع للاهتمام.. حيث ترتفع نسبة القادرين والأغنياء الأسرة الأعلى انفاقا/ 81.14% فى المحافظات الحضرية (أى التى ليس بها مناطق ريفية مثل القاهرة، وتنخفض فى حضر وجه بحرى إلى 8.6% وهى نسبة قريبة من حضر وجه قبلى (7.6%) .. أما ريف وجه بحرى فإن الانخفاض فى نسبة الأسر الأعلى إنفاقا يصل إلى نسبة 7.3% ويتزايد الانخفاض أكثر فى ريف وجه قبلى لتقتصر نسبة الأسر القادرة الأعلى إنفاقا على نسبة 8.1%.. غير أن محافظات الحدود (سيناء - مطروح - أسوان) فإن نسبة الأسر القادرين والأعلى إنفاقا ترتفع لتصل إلى 6.8% أى أعلى من المتوسط العام فى عموم البلاد والذى يصب إلى 2.6% .. ولاشك أن كل ذلك يمكن من خلاله قراءة ومعرفة الكثير عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لأبناء كل هذه المحافظات والمناطق المختلفة وهو الأمر الضرورى لإضفاء جدوى أكبر وأكثر تأثيراً على خياراتنا الاقتصادية والاستثمارية فى الفترة المقبلة.


إن معرفة أحوال الأغنياء فى بلادنا بالأرقام ومن خلال المعلومات الدقيقة التى يتم جمعها بواسطة الباحثين عن الإنفاق والاستهلاك ليس ترفا ولا يجب اعتباره أنه يحمل أية انحيازات ايديولوجية .. وبصراحة أكبر هو ليس من باب معاداة هؤلاء الأغنياء أو الدعوة لسلبهم ما فى حوزتهم، وإنما هو أمر ضرورى لنتعرف على أحوال مجتمعنا بشكل دقيق .. فإذا كنا نسعى للنهوض بهذا المجتمع والارتقاء به يتعين علينا أن نضع أيدينا على الخريطة الاجتماعية كاملة لنعرف أعداد وأحوال الفقراء فيه وأيضا أعداد وأحوال الأغنياء فيه وكذلك أعداد وأحوال أبناء الطبقة الوسطى.. إن من يتأهب للقيام بمشروع اقتصادى حتى ولو كان صغيرا ومحدودا يتعين عليه إعداد دراسة جدوى اقتصادية لهذا المشروع وأول بند فى هذا المشروع هو أحوال السوق وطبيعة المستهلكين فيه ومدى إقبالهم على منتجه .. فما بالنا ونحن إزاء مشروع اقتصادى أكبر وأضخم وقومى للنهوض بمجتمعنا كله والانطلاق باقتصادنا ألا يستدعى ذلك أن نسرع وبدون إبطاء لمعرفة أحوال مجتمعنا ونضع خريطة اجتماعية لبلادنا دقيقة وسليمة.


ومثلا .. لتتبين فى بحث الإنفاق والدخل والاستهلاك الذى يعده جهاز التعبئة والإحصاء كل سنتين الآن أنه كلما ارتفع مستوى المعيشة للأفراد والأسر يقل نسبة إنفاقها على الطعام والشراب وتزيد نسبة إنفاقها على الخدمات الأخرى مثل التعليم والصحة والثقافة والترفيه.


فمثلا الأسر التى ينخفض مستوى معيشتها (الأقل إنفاقا) تنفق تقريبا نصف (9.48%) دخولها على الطعام والشراب بينما تنخفض هذه النسبة إلى 2.27% فقط فى الأسر التى يرتفع مستوى معيشتها (الأعلى إنفاقا) وفى الوقت تنخفض الأسر الأقل إنفاقا (الفقيرة) 8.1% فقط من وجمل إنفاقها على التعليم فإن الأسر الأعلى انفاقا (الأغنى) تنفق 6% وذات الأمر نجده فى خدمات الرعاية الصحية حيث تنفق الأسر الصغيرة عليها 7.6% من جملة إنفاقها بينما تنفق الأسر الغنية 6.10% على الصحة.. وحتى الانتقالات تنفق الأسر الفقيرة عليها 1.3% من جملة إنفاقها بينما تنفق الأسر الغنية عليها 4.8% من جملة إنفاقها .


وترجمة كل هذه النسب والأرقام تتمثل فى أننا عندما نعرف بدقة ملامح الخريطة الاجتماعية فى بلادنا (بفقرائها وأغنيائها ومتوسطى الدخل فيها)، سوف نعرف ماذا نحتاجه من طعام وشراب ووسائل مواصلات وخدمات تعليمية وصحية ونوعية هذه الخدمات، بل والأماكن الأكثر احتياجا لها .


لذلك .. نتمنى على جهاز التعبئة والإحصاء وباحثيه أن يضعوا لنا من خلال بحثهم القادم (2014/2015) خريطة كاملة لمجتمعنا تشمل خرائط الفقر والغنى وأيضا متوسطى الدخل .. وأظن أن الصديق اللواء أبو بكر الجندى زميل الدراسة القديم فى مدرسة التوفيقية الثانوية قادر هو وكتيبة الباحثين التى تعمل معه على الاستجابة لهذا المطلب الملح الذى نحتاجه بشده الآن، فى ظل غياب الدراسات الدقيقة عن أحوال مجتمعنا.