ترنيمة غربة

23/10/2014 - 9:32:52

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتبت – ايمان حسن الحفناوى

الغربة هى شكل من أشكال الضياع ، الضياع أيضا أشكال ، ضياعك من نفسك ، من وطنك ، من حبيبك ، من قلبك ، كلنا غرباء و لكن بقدر ، أسعد الغرباء من يختار شكل غربته ، و الأسعد من يدرك حجم الحنين و يعرف كيف يتعامل معه ، كيف يصادقه ، كيف يستضيفه ، يمشط له شعره ، يهذب له أظافره ، و يصطحبه معه فى رحلة غربته .


بعض الأماكن عندما تطأها قدماك ترفض الطريق و يرفضها الطريق و بعضها لا تطأها الأقدام لكنها ترقص بخطى حانية ، تجد نفسك و كأنك راقص باليه على أرضيه مرمرية ، تلمس أطراف أصابعك الأرض فتكاد تطير خفة و بهجة ، يحتضن قلبك هذه الأماكن الجديدة عليك بفرحة طفل صغير ، تتفتح الزهور فى النفس و تذهب سيمفونية الحب من أول نظرة توسع دائرة السحر و العلاقة اللامرئية بينك و بينها ، البلاد مثل البشر ، لا تعرف لماذا تصدك هذه و تشدك تلك ، و كأنك تركت بعضا من نفسك ، و كأنك تجد تلك القطع المتناثرة فى بلاد ، و يزداد تشتيتك فى بلاد أخرى ، عندما تذهب هناك تحس بالهواء يحتضنك ، كل شئ يعرفك و تعرفه ، لكنك قد تكون ابتعدت عنه لفترة ، لا ، لم تزرك هذه البلاد فى أحلامك و لم تزرها فى الواقع من قبل ، لكنك تشعر شعورا عجيبا يتملكك ، و كأنك عشت فيه من قبل ، هذا الميناء تعرفه ، هذه الأرصفة تحتضن قدميك ، واجهات المحلات ، وسائل المواصلات ، شيء ما بينك و بين الاشياء ، هل ولدت هنا من قبل ؟ هل ولدت هنا فى زمن آخر؟ ما هذا الخيال ؟ عشق متحفظ تشعره ، فرغم هذا الشعور أنت غريب و تعرف ذلك .


و أماكن أخرى تشعرك بقهر الوحدة ، تبحث عن نفسك ، و تبحث عمن تختبيء تحت كراته الحمراء علك تجد الدفء .


لماذا نحب بعض الأماكن و نبغض بعضها ، لماذا نجد غربه محببة فى بعضها و تنين خوف فى البعض الآخر ، لماذا نحب و نبغض بدون أسباب ؟ و هل المكان مثل الانسان ؟ نحبه من أول نظرة و نبغضه للوهلة الأولى ؟ و هل الانسان الا مكان ، و هل المكان الا تجمع بشر ؟


فلماذا التفرقة ؟ هل الانسان الا ميناء يستريح عنده قلبك أو ينهزم ؟


أنقل اليك ما يدور فى خلدى ، عش معى احساس الغربة و الرحيل ، فالرحيل نفاسة تتخطى بك المسافات الطويلة لتهبط بك فتستقبلك الغربة تفصلك عما تركته وراءك ، و كأنك تسقط من فراغ ، تصبح هشا يهزمك الاحتياج ، تتوق الى أذن تسمعك ، عين تراك ، عقل يفهمك ، فى الغربة كل الآذان متشابهة ، الأعين كلها واحدة ، و العقول لا تختلف ، فجأة يختفى من حولك ، من اعتدت أن يحيطك بجدار من الحب و الدفء و الاهتمام ، تبعد أصواتهم ، تتوه ملامحهم وراء غلالة البعد ، و كأنك فقدت شرنقتك ، تشعر بفراغ هائل فى صدرك ، تشعر أنك عار تماما لا شيء يحميك ، و كأنك تحتاج الى قوة الأرض لتواجه هذا الاحساس الذى يسرى فى جسدك و يمسك بأنفاسك ، و أنت تدخل تجربة خاصة جدا .. تجربة الغربة .


لا تفتح بابك ، فقط أريد صدرك ، على ضفاف صدرك تتبدد غربتى ، و بين أهدابك أزرع أزهار الأمان .