استعادة القومى ..عندما يتحول المسرح لبرلمان جماهيرى ينقد ويوجه

20/10/2014 - 1:32:42

الخديو اسماعيل الخديو اسماعيل

كتب - د. حسن عطية

ونحن نحتفل باستعادة المسرح القومى فرحين بتجديده ، علينا أن نفك الاشتباك بين المسرح القومى المبنى والمسرح القومى الفرقة ، لنبحث مع الثاني عن هويته المفقودة ، فالمبنى عرف منذ إنشائه عام 1868 باسم مسرح حديقة «الأزبكية» التى صنع منها الخديو "إسماعيل" حديقة غناء ، تزدان بالمسرح وبدار الأوبرا ، ويفتتح بهما ضاحيته الحديثة والملقبة وقتها بـ «باريس على ضفاف النيل» ، والمعروفة اليوم بوسط البلد .


شكل موقع المسرح والأوبرا والحديقة وميدان العتبة بمقاهيه الإفرنجية كمقهى متاتيا نقطة التقاء الضاحية الحديثة بطرزها الأوربية والضاحية المملوكية القديمة وأزهرها ومبانيها ومساجدها ذات الطراز الإسلامى ، فى تداخل معماري مذهل ومثير لكلا الضاحيتين ، حيث امتلكت الضاحية الخديوية بريقا لامعا شكل وقتذاك إغراء لأبناء الضاحية المملوكية يجذبهم للمجهول وربما للضياع كما حدث مع "حميدة" فى رواية نجيب محفوظ «زقاق المدق» .


اختار الخديو المفتون بكل ما هو فرنسي هذا الموقع ، إلى جانب عبقرية التواصل المكانى ، لارتباطه بإنشاء أول مسرح فى مصر ، بنته الحملة الفرنسية عقب احتلالها البلاد عام 1898 ، وتم تدميره فى ثورة القاهرة الشعبية الأولى، وكانت الناس تدخله "فى هيئة معلومة، وبورقة مقصوصة" ، كما أخبرنا "الجبرتى" فى تاريخه المعروف ، ولذا أقام مسرحه الجديد «تياترو الأزبكية» عام 1868على أنقاض مسرح الحملة ، وليكون ظهيرا للأوبرا الخديوية ومستقبلا لفرقة الكوميدى فرانسيز الباريسية ، ثم جاء من بعده "طلعت حرب" ليعيد بناء المسرح فى نفس المكان ، بعد تهدم سابقه ، وليصر على أن يضع بنفسه اللمسات الإسلامية على المبنى ، وافتتحه فى أول يناير 1921 بفرقة «شركة ترقية التمثيل العربى» التى أسسها من أعضاء فرقة «جوق عبد الله عكاشة وشركاه» بأوبريت «هدى» ، وهى الفرقة التى استأثرت بعروض المسرح لفترة طويلة ، ثم راحت عدة فرق تستأجره حتى عام 1961 ، رغم إنشاء الفرقة القومية قبل ذلك بربع قرن .. حيث أسست الدولة الواعية فى سبتمبر عام 1935 «الفرقة القومية المصرية للتمثيل» كواجب عليها تجاه الفنون الرفيعة ، وليس منة منها ، بعد أن شردت الأزمة الاقتصادية العالمية فى ثلاثينيات القرن الماضى أعضاء الفرق المسرحية الأهلية ، فقررت الدولة أن تنشئ فرقة رسمية ، تضمن من خلالها مرتبا ثابتا لأعضائها يغنيهم عن سؤال اللئيم ، ويمنحهم فرصة التفرغ للإبداع ، فأنشئت الفرقة القومية وتولى رئاستها شاعر القطرين اللبنانى "خليل مطران" ، وتكونت لها ثلاث لجان : الأولى عليا للإشراف برئاسة د. "حافظ عفيفى" وعضوية د."طه حسين" ود. "محمد حسين هيكل" ود."أحمد ماهر" و"محمد العشماوى" وكيل وزارة المعارف التابعة لها الفرقة ، واللجنة الثانية تنفيذية برئاسة "العشماوى" ، والثالثة للقراءة من د."طه حسين" و"خليل مطران" و"محمد عبد الرازق" و"خليل ثابت" .


قدمت الفرقة عروضها فى البداية على مسرح دار الأوبرا حتى عام 1941 حينما ضمت لوزارة الشئون الاجتماعية، التى استأجرت لها مبنى مسرح حديقة الأزبكية ، وظلت تقدم عروضها فيما بين «الأزبكية» و«الأوبرا» باسم الفرقة القومية حتى عام 1950 ، ثم بدأ الشقاق داخلها ، لاختلاف رؤى ومناهج الأعضاء الجدد من خريجي معهد التمثيل العربي وقدامى أعضاء الفرقة ، فتم تقسيم الفرقة إلى شعبتين الأولى باسم «الفرقة القومية المصرية» ضمت كل أعضاء الفرقة المخضرمين ، برئاسة "يوسف وهبى" والثانية باسم «فرقة المسرح المصرى الحديث» وضمت خريجى الدفعات الأربع الأولي من المعهد وفى مقدمتهم "حمدى غيث" و"نبيل الألفى" العائدين من بعثتهما لباريس ، وبقيادة أستاذهم "زكى طليمات" ، وظلت الفرقتان تعملان معا إلى أن صدر قرار وزارى عام 1953 بضم الفرقتين فى فرقة واحدة باسم «الفرقة المصرية الحديثة» وأسندت إدارتها ليوسف وهبى ، وفى نوفمبر 1956 ، وأثناء العدوان الثلاثى على البلاد ، صدر قرار وزارى من وزارة الإرشاد القومى التى تبعتها الفرقة حينها ، قبل إنشاء وزارة الثقافة التى ستتبعها الفرقة بعد أشهر قليلة ، بتولى "أحمد حمروش" إدارة الفرقة التى حملت لأول مرة اسم «المسرح القومى» وسعى "حمروش" لكى يربط الفرقة بالمبنى الذى كان حتى ذاك الوقت يؤجر للفرق الخاصة والأجنبية ، وتعرض الفرقة عروضها عليه وقت فراغه من الفرق الأجنبية .


بدأ عهد جديد للفرقة مع "حمروش" الذى عمل على وضع الخطوط الأساسية لهويتها، فعمل على ربط عروضها بالمجتمع ، وعلى تبنى ظهور الكاتب الدرامى ، وعلى فتح أبواب دار الأوبرا بعروض القومى أمام الجماهير الشعبية بالمجان خلال العدوان الثلاثى على الوطن ، وجاء من بعده "آمال المرصفى" فى نوفمبر 1962 ، ليحدد أكثر ملامح هذه الهوية قائلا "إن سياسة المسرح القومى تستهدف مساندة مؤلف الدراما المصرى للوصول إلي المسرحية الإنسانية التى يمكن أن تعرض فى المجال العالمي وتوسيع رقعة الجمهور المسرحي ، وكان هذا يقتضى فتح نوافذنا على المسرح العالمى ، وذلك باختيار نص لكبار مؤلفي المسرح فى العالم ، ونعطي له كل الإمكانيات الفنية والبشرية لإبرازه بشكل اكاديمي ليتناسب ومكانة المسرح القومى ... كما كنا نعتبر المسرحيات المترجمة مؤشرا نقيس به مدى تذوق الجمهور لمثل هذه الأعمال حتى يمكن للمؤلف المصرى أن يزيد من القيم الفكرية فى عمله الدرامي" «مصدر الحديث مجلة المسرح يونيه 1966» ، لهذا قدم المسرح القومى «بيت برناردا البا» للإسبانى "لوركا" و«الندم» للفرنسى "سارتر" ، وفتح فضاءاته لأعمال "سعد الدين وهبة" و"نعمان عاشور" و"يوسف إدريس" و"عبد الرحمن الشرقاوى" و"ميخائيل رومان" الذى قدم له أولى مسرحياته «الدخان» عام 1962 ، ووصف عرضها د. "لويس عوض" وقتها بأن هناك فى المسرح القومى «شيء أسمه الدخان» ، ومعتبرا نصها من أردأ النصوص التى قدمت بفضائه ، كما أثار تلقى الجمهور الكبير لعرض «الفتى مهران» للشاعر "عبد الرحمن الشرقاوى" شهية المسرح القومى ليقدم ليالى شعرية ، حيث كان يستغل أمسية يوم الأربعاء ، وهى إجازة المسرح المقدسة ، ليقدم فيها هذه الليالي الشعرية ، وليعقد ندوات ولقاءات نقدية حول العروض المسرحية ، كان المسرح معها يشع حواراً حادا حول النص والإخراج والتمثيل والديكور وعلاقة العرض بالمجتمع .


كان المسرح برلمانا شعبيا ، تطلق فى فضائه الأفكار ، وتناقش فى صالته الرؤى ، فيطلب "توفيق الحكيم" فى مسرحيته «السلطان الحائر» 1961 للمخرج "فتوح نشاطي" من الحاكم أن يمتثل لشرعية القانون وليس لشرعية السيف ، وجاء "لطفى الخولى" فى مسرحيته «القضية» للمخرج "عبد الرحيم الزرقاني" أوائل عام 1962 ، والمجتمع يناقش موضوع «الميثاق الوطنى» الواضع أسس النظام الجديد وقتها ، ليطالب "الخولى" الحاكم والمجتمع بعدم ترميم النظام القديم الآيل للسقوط ، بل العمل على تغييره جذريا ، ونبه "سعد وهبه" إلى ضرورة الانتباه إلى الطبقة المتوسطة ودعمها فى مسرحيته «السبنسة» 1963 من إخراج " سعد أردش" ، ووقف "ابو الفضول" فى نفس العام وبتجسيد "عبد المنعم إبراهيم" المتميز فى مسرحية "ألفريد فرج" «حلاق بغداد» وإخراج "فاروق الدمرداش" يطلب من الحاكم أن يعطيه "منديل الأمان" لكى يتكلم بصراحة تسمح له بطلب تحقيق الديمقراطية جنبا إلى جنب مع العدالة الاجتماعية ، وراح فرفور «محمد عبد السلام» مسرحية "يوسف إدريس" «الفرافير» من إخراج " كرم مطاوع" 1964 يجلد سيده «توفيق الدقن» والنظام السياسى والمجتمع على عدم قدرتهم على حل مشكلة الفوارق الطبقية، وتحقيق الحرية والعدل لكل فئات المجتمع ، ونبه "سعد وهبة" فى «سكة السلامة» 1964 إلى غياب الطريق الصحيح أمام القيادة السياسية ، وإلى ضرورة الانتباه إلى من يدفعون المجتمع للسير فى الطريق الخاطئ ، كما أشار "وهبه" فى العام التالى فى مسرحيته «بير السلم» من إخراج "الزرقانى" إلى شلل الأب القائد وعدم قدرته على إدارة أمور بيته ، وبعدها بشهر واحد وجيشنا يحارب فى اليمن ، زأر "الفتى مهران" للشرقاوى والمخرج "كرم مطاوع" ، بأداء "عبد الله غيث" الرائع ، على المسرح مطالبا السلطان بألا يرسل جيشه إلى السند ، فالجيش عقيدته الحرب مع العدو القابع كالحرباء شمال شرق البلاد ، وعقب هزيمة 67 طالب "ألفريد فرج" فى مسرحيته «الزير سالم» للمخرج "حمدى غيث" المجتمع العربى بنسيان ثأرات الماضى ، والتوحد صفا واحدا لمواجهة العدو الذى تسلل ذات صباح من عيوبنا ، وصرخت "سميحة أيوب" بعدها بأسابيع وبلسان "قاطمة" مطالبة قائدها الثائر "الناس ادتك كتير ومستنية منك كتير ... خليك فى وسطهم هم أهلك وناسك" رافضة تنحيه ومطالبة إياه بمعركة النصر .


جاءت السبعينيات بما لا تشتهي السفن ، وتخبط المسرح القومى بغياب رموزه خارج البلاد ، وتشتت هويته ، وعودته مرة أخرى للاقتباسات التى تخلى عنها أكثر من عقد من الزمان ، فشاهدنا «مقالب سكابان» لموليير بعد أن أصبحت «مقالب عطيات» ، وذهلنا أمام مسرحية "البير كامى" الفلسفية «كاليجولا» والتى صارت «الإمبراطور يطارد القمر» ومسرحية "تنسي وليامز" «وشم الوردة» التى تحولت إلى «وشم الأسد»، ومع منتصف السبعينيات بدأ المسرح يسترجع عافيته قليلا فقدم «وبحلم يا مصر» عن نص بشير التقدم ل "نعمان عاشور" من إخراج "عبد الغفار عودة" ، كعمل يطالب بالتنوير متخذا من "رفاعة رافع الطهطاوى" نموذجا للعقل المتسلح بقيمه والساعى لنقل الحداثة لبلده ، كما قدم عرض «فيدرا» الذى استدعى له المخرج الفرنسى "جان بيير لاروى" ، وكذلك عرض «أنطونيو وكليوباترا» لشكسبير وإخراج الإنجليزي "برنارد جوس" بالتعاون مع المركز الثقافى البريطانى بالقاهرة .


ثم عاد المسرح القومى يتأرجح فى العقدين الأخيرين ، حتى احتراقه عام 2008 ، ولم تعرف له بوصلة واحدة تحدد رؤيته كفرقة تكتسب هويتها من كونها رمزا قوميا معبرا عن العمق الثقافي الخاص بالدولة الحديثة ، ومنفتحا على الثقافات العالمية المتعددة . وهو ما ينعكس في هوية الفرقة التي يجب أن تحمل التنوع والتعدد الثقافي المشكل للهوية المصرية ، كما تعكس وعي الدولة بذاتها الوطنية ومحيطها القومي «العربي» ومحيطها الإنساني العام . صحيح أنها قدمت مؤخرا عروضا متميزة عن نصوص أجنبية مثل «الملك لير» للمخرج "أحمد عبد الحليم" و«هاملت» للمخرج د. "هانى مطاوع" ، وكلاهما لشكسبير ونجحا نجاحا نقديا وجماهيريا ، لاعتمادهما على نجوم السينما والتليفزيون ، إلى جانب تميزهما الإخراجى ، ومؤخرا قدمت «المحاكمة» للمخرج "طارق الدويرى" عن نص «ميراث الريح» بمبنى مسرح «ميامى» الذى انتقلت إليه الفرقة مؤقتا ، وحصد العرض أبرز جوائز المهرجان القومى للمسرح هذا العام ، وكانت ثمة مسافة كبيرة بينه وغالبية عروض المهرجان ، مما يكشف عن أزمة عروض فى المسرح المصرى عامة ، فضلا عن غياب ملحوظ للكاتب المصرى بفضاء المسرح القومى ، مع عدم العناية بإعادة تقديم النصوص المتميزة للكتاب الراحلين ، كجزء من دوره فى إعادة بعث نصوص التراث المسرحي المصري والعربي المهددة بالنسيان .


المسرح القومى هو ذاكرة الأمة وعقلها الواعي وفضاؤها المفتوح لحوار خلاق حول المسرح والمجتمع والزمن الذى نعيشه ونكابد فيه صيحات التخلف والردة والديكتاتورية . فهل تعود هوية المسرح القومى مع عودة مبناه مجددا إليه ؟